خديعة الإفراج: المراقبة الشرطية للانتقام من معارضي السيسي

16 ابريل 2019
الصورة
يخضع شوكان للمراقبة الشرطية لمدة خمس سنوات(فرانس برس)
يلجأ النظام المصري إلى خطط وتكتيكات متنوعة للانتقام من معارضيه وخصومه السياسيين، بداية من استخدام سلاح التصفيات الجسدية المباشرة في "اشتباكات مزعومة"، كما وثقتها تقارير وسائل إعلام ومنظمات حقوقية دولية ومحلية، أو باستخدام الأدوات القضائية بأحكام غير مسبوقة في تاريخ مصر، ثمّ باستخدام القمع، والحبس الاحتياطي، والإخفاء القسري للمئات من المصريين، وتعريضهم للتعذيب الوحشي، على حدّ وصف التقرير الصادر أخيراً عن وزارة الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية، التي يحظى نظام السيسي برضاها، ورعايتها.
ومن بين أحدث الإجراءات في سلسلة الانتقام من رافضي الانقلاب العسكري، والمعارضين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يلجأ النظام إلى ما يعرف بـ"المراقبة الشرطية"، بعد أن يقضي من حكم عليهم بالحبس لسنوات محكوميتهم. وهي تعني عملياً مضاعفة فترة العقوبة، سواء بالحبس المباشر داخل أقسام الشرطة لنصف كل يوم من سنوات المراقبة، أو بتقييد الحركة داخل مساحة محدودة، هي المنطقة، أو الحي الذي يقيم به من يخضع لهذا الإجراء.
ووفق تقديرات حقوقية، فإنّ أغلب القرارات الصادرة عن محاكم الجنايات في دوائر الإرهاب، في القضايا ذات الطابع السياسي، منذ عام 2014، باتت متبوعة بالتدابير الاحترازية. ففي حالة صدور قرار بإخلاء السبيل على ذمة قضية قيد التحقيقات، يتبعه القضاة في الغالب بقضاء فترة معينة قيد المراقبة. وعلى النقيض تماماً من ذلك، فإنّ قرارات إخلاء السبيل الصادرة في القضايا ذات الطابع الجنائي قيد التحقيق، تكون في معظمها إمّا بضمان محلّ الإقامة، أو بأي ضمان مالي.

وقد استخدم المشرّع المصري التدابير الاحترازية منذ عام 1950، ولكنه لم يستخدم تعبير "التدابير الاحترازية"، بل أدرجها بين العقوبات، وخصوصاً التبعية والتكميلية. ونصّت المادة 201 من القانون رقم 150 لسنة 1950 والمعدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 من قانون الإجراءات الجنائية، على أن "يصدر الأمر بالحبس من النيابة العامة من وكيل نيابة على الأقل، وذلك لمدة أقصاها أربعة أيام تالية للقبض على المتهم أو تسليمه للنيابة العامة، إذا كان مقبوضا عليه من قبل. ويجوز للسلطة المختصة بالحبس الاحتياطي أن تصدر بدلاً منه، أمراً بأحد التدابير الآتية: إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، إلزام المتهم بأن يقدّم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محدودة، وحظر ارتياد المتهم أماكن محددة".

وفي ورقة قانونية حول القانون رقم 99 لسنة 1945 بشأن تنظيم شروط المراقبة الشرطية، قدّمت "المجموعة المتحدة للقانون" التابعة للمحامي الحقوقي نجاد البرعي، استعراضاً تضمّن الخطأ في تنفيذ القانون وتطبيقه، عبر إيداع المراقب داخل الحجز في غير حالة ارتكابه جريمة معاقب عليها بالحبس. وذكرت الورقة أنه "لا يجوز إيداع أو احتجاز المُراقب داخل أقسام الشرطة في الفترة المخصصة للمراقبة التي نصّ عليها القانون – إلا في حال لم يكن له محل سكن يأوي إليه في دائرة القسم – لأن القانون نصّ على التزامه مسكنه الموجود في هذه الدائرة من غروب الشمس حتى شروقها، ولم ينص على تدابير أخرى. كما منع القانون إيداع المُراقب داخل الحجز في غير حالة ارتكابه جريمة معاقب عليها بالحبس، وما يتم من وضعه داخل أقسام هو من سبيل التجاوز والتعسف في تنفيذ القانون، وفرض عقوبة أخرى مقيدة للحرية، مما يعتبر مخالفة واضحة للغرض الذي أنشأت من أجله العقوبة التبعية. كما أن ذلك يمنع من إعادة انخراط المتهم في المجتمع". وأوضحت الورقة أنه يجوز إنهاء المراقبة قبل نهاية مدتها بطريقتين؛ إما بتقدّم المُراقب بطلب لرفع ذلك للنيابة العامة في دائرة محلّ إقامته، أو بصدور قرار من وزير الداخلية أو من ينوب عنه في ذلك.
ومن أحدث الحالات التي تخضع للإجراء الانتقامي الجديد، حالة الناشط السياسي، علاء عبد الفتاح. ففي 29 مارس/آذار الماضي، أفرجت سلطات الأمن المصرية فجراً عنه، بعد قضائه خمس سنوات في السجن، في قضية عرفت إعلامياً باسم "أحداث مجلس الشورى". لكنه في واقع الأمر حصل على نصف إفراج فقط، إذ إنه مطالب بتسليم نفسه للسلطات من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً يومياً لمدة خمس سنوات. وبهذا سيقضي عبد الفتاح (37 عاماً) خمسة أعوام أخرى قيد المراقبة الشرطية، بعد انتهاء عقوبة السجن، ضمن ما يسمى بالإجراءات الاحترازية.

وكانت محكمة جنايات القاهرة قضت في فبراير/شباط 2015، بالسجن المشدّد 5 سنوات إضافةً إلى 5 سنوات مراقبة وغرامة 100 ألف جنيه (5765 دولارا أميركيا)، بحق عبد الفتاح، وبالسجن ثلاث سنوات لـ 23 متهماً آخرين في قضية "أحداث مجلس الشورى". وتعليقاً على ذلك، قال عبد الفتاح عبر حسابه الخاص على موقع "فيسبوك" مجيباً على سؤال "طيب والمراقبة مش أحسن من السجن؟"، بـ"شوف هي من الساعة 6 الصبح لـ6 مساءً أحسن. بس من 6 مساءً لـ 6 الصبح أسوأ. بس مش دي المشكلة حضرتك المشكلة إني مش بقارن بالسجن. بقارن بأحلامي عن ما بعد السجن".

بدورها، كتبت شقيقته الناشطة السياسية منى سيف "علاء بيتقفل عليه في كشك مساحته صغيرة بالقفل. علاء كل يوم في قسم الدقي بيقضي مراقبته في حبس انفرادي في ظروف ومساحة أقرب للتأديب في السجون. الظروف اللي علاء فيها أسوأ من اللي كان فيها في السجن الخمس سنين اللي فاتوا، وبالتأكيد أسوأ من ظروف كل اللي عليهم مراقبة في القسم نفسه".

وليس علاء عبد الفتاح فقط الحاصل على نصف حرية، بل أيضاً المصور الصحافي، محمود أبو زيد، الشهير بـ"شوكان"، والمُطالب بتسليم نفسه لقسم الشرطة كذلك كعقوبة تكميلية. وألقي القبض على شوكان خلال تغطيته لفضّ اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس/آب 2013، الذي أسفر عن مجزرة راح ضحيتها قرابة ألف معتصم ومئات المصابين، بحسب تقديرات حقوقية. وقضت محكمة جنايات القاهرة في 8 سبتمبر/أيلول 2018، في قضية "فضّ اعتصام رابعة العدوية"، إضافة إلى إعدام قيادات في جماعة "الإخوان" والمؤبد لمتهمين آخرين، بالسجن المشدد على كثيرين في هذه القضية، منهم شوكان الذي حكم عليه مع 215 متهماً بالسجن المشدد 5 سنوات، مع فترة مراقبة لخمس سنوات إضافية. علاء عبد الفتاح وشوكان، نموذجان من الشخصيات العامة المشهورة بين مئات أو ربما آلاف الحاصلين على حرية منقوصة بعد قضاء عقوبتهم الأصلية داخل أسوار السجن، لكن أحداً لم يسمع عنهم.
 
فاطمة موسى... والدة عالية مضر
في 25 يوليو/تموز 2018، أخلت نيابة أمن الدولة العليا سبيل فاطمة موسى (والدة عالية مضر، أصغر معتقلة في مصر) بتدابير احترازية، بعد أن كان تمّ اعتقالها هي وزوجها وأخيها وابنتها الرضيعة من محطة قطار الجيزة في 24 مارس/آذار 2018. وكانت إدارة سجن القناطر قد سلمت في 3 إبريل/نيسان 2018، الطفلة عالية إلى آل مضر، بناء على طلب والدتها. وظهرت عالية مع أمها بعد اختفاء قسري استمر 8 أيام في نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس في الأول من إبريل الماضي، بينما لا يزال والدها عبد الله محمد مضر وشقيق زوجته عمر، قيد الحبس.
 
التدابير الاحترازية للصحافيين
لم يسلم الصحافيون المفرج عنهم أو المخلى سبيلهم من قرارات التدابير الاحترازية التي إن كانت تمثّل عبئاً على المتهمين بصورة عامة، فإنّها تزيد في سوء حالة الصحافيين والإعلاميين. إذ إن هذه التدابير تمنعهم من قضاء بعض أعمالهم المهنية، حسب دراسة أعدها "المرصد المصري لحرية الإعلام" (منظمة مجتمع مدني مصرية) بعنوان "التدابير الاحترازية: حرية منقوصة لصحافيي مصر".

ومن نماذج الصحافيين المكبلين بتدابير احترازية، المصور محمد حسن، والصحافي حمدي الزعيم، اللذان ألقي القبض عليهما من محيط نقابة الصحافيين بتاريخ 26 سبتمبر/أيلول 2016، على خلفية قيامهما بتصوير تقرير بمحيط النقابة. وقد تمّ التحقيق معهما على ذمة القضية رقم 15060 لسنة 2016 جنح قصر النيل، ووجهت لهما النيابة الاتهام بـ"الانضمام لجماعة أسُست على خلاف أحكام القانون، ونشر أخبار كاذبة، والتصوير بدون الحصول على تصريح من الجهات المختصة، والترويج عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتعطيل أحكام القانون والدستور والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، ومنع مؤسسات الدولة من القيام بدورها، والدعوة لتنظيم تظاهرة دون الحصول على ترخيص". وقد ظلّ الصحافيان قيد الحبس الاحتياطي بسجن طرة شديد الحراسة والمعروف باسم "سجن العقرب"، وتمّ تجديد حبسهما على ذمة القضية حتى 11 يونيو/حزيران 2018، عندما صدر قرار بإخلاء سبيلهما بتدابير احترازية 3 أيام في الأسبوع. وحتى تاريخه يتم تجديد التدابير الاحترازية للصحافيَّين أمام محكمة الجنايات.
 
الصحافي حسن القباني
ألقي القبض عليه يوم 22 يناير 2015، وظلّ رهن الحبس الاحتياطي بسجن طرة ما يقارب ثلاثة أعوام، حتى قررت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة، إخلاء سبيله بتدابير احترازية بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. وبتاريخ 24 يناير/كانون الثاني 2018، تمّ عرضه على نيابة أمن الدولة العليا وذلك على ذمة القضية رقم 718 لسنة 2015 حصر أمن دولة، ووجهت له النيابة تهم "الانضمام إلى جماعة أسُست على خلاف أحكام القانون، وإذاعة أخبار وبيانات وشائعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن والسلم العام، والاشتراك في جريمة تخابر لصالح دولة أجنبية، والإضرار بمركز مصر، والاشتراك في جريمة في محاولة لتغيير دستور الدولة ونظامها الجمهوري بالقوة".
 
قيادات حركة 6 إبريل
أحمد ماهر ومحمد عادل وعمرو علي، ثلاثة قادة بحركة "شباب 6 إبريل" السياسية التي لعبت دوراً فاعلاً في التمهيد لثورة 25 يناير/كانون الثاني عام 2011. الآن، عمرو علي مخلى سبيله بتدابير احترازية بعد أن تمّ اتهامه بـ"الانتماء لجماعة محظورة معروفة باسم تحالف دعم الشرعية" في القضية رقم 473 لسنة 2014، حصر تحقيق نيابة أمن الدولة العليا. علماً بأنه تولى قيادة "6 إبريل" في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2013، بعد فوزه في انتخابات داخلية، ليصبح ثاني منسق للحركة بعد مؤسسها أحمد ماهر، الذي سُجن كذلك لمدة ثلاث سنوات بموجب قانون التظاهر المصري، وأخلي سبيله بتدابير احترازية أيضاً.
أمّا محمد عادل، فهو نموذج صارخ على تعنّت السلطات في تطبيق التدابير الاحترازية، إذ توجه في 19 يونيو/حزيران 2018 إلى مركز شرطة أجا بمحافظة الدقهلية لتأدية المراقبة الخاصة به، لكنه فوجئ بالقبض عليه وتلفيق قضية جديدة له.

وكان محمد عادل يستعدّ لمغادرة القسم حين قامت قوات الأمن بالقبض عليه. وبالسؤال عنه، تم إبلاغ والده بأنه في مقر الأمن الوطني بالمنصورة. وبعد ساعات عدة، ظهر في نيابة المنصورة الكلية على ذمة قضية جديدة تحمل رقم 5606 لسنة 2018 إداري أجا. ووجهت النيابة لمحمد عادل تهمة "نشر أخبار كاذبة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك"، وقرّرت حبسه.

وألقي القبض أساساً على محمد عادل في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وتم اتهامه في القضية رقم 9593 لسنة 2013 جنح عابدين، بـ"التظاهر بدون ترخيص أمام محكمة عابدين ومقاومة السلطات، والتعدي بالضرب على أفراد الشرطة المكلفين بتأمين محكمة عابدين". وقد صدر حكم عليه بالحبس ثلاث سنوات ومراقبة ثلاث سنوات أخرى، مع دفع غرامة قدرها خمسون ألف جنيه. وكان معه في القضية نفسها الناشطان أحمد ماهر وأحمد دومة.
 
تدابير احترازية لمعتقلي المترو
في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2018، قررت محكمة جنايات الجيزة، تأييد إخلاء سبيل المحامي والناشط الحقوقي هيثم محمدين و5 آخرين، بتدابير احترازية بدلًا من الحبس الاحتياطي، في قضية "أحداث المترو" رقم 718 لسنة 2018 حصر أمن الدولة العليا، بعدما واجهوا الاتهام بـ"الاشتراك مع جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، والتحريض على التظاهر لتعطيل المواصلات العامة، والإضرار بمصلحة المواطنين، واستخدام موقع المعلومات الدولية للتحريض على أعمال إرهابية"، وذلك على خلفية اعتراض هؤلاء على زيادة أسعار تذاكر المترو.
 
سياسيون بالجملة رهن المراقبة الشرطية
أخضعت السلطات عشرات من المتهمين في قضايا سياسية للتدابير الاحترازية، أبرزهم المحامي الحقوقي عزت غنيم المتهم في القضية 441 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، والناشطان جمال عبد الفتاح وحسن حسين، المتهمان في القضية 482 لسنة 2018 حصر أمن دولة.
 
حقوقيون ضد المراقبة الشرطية
في ظلّ ذلك، يطالب حقوقيون مصريون بإلغاء عقوبة المراقبة الشرطية والتدابير الاحترازية، وبالإفراج غير المشروط عن الخاضعين لها، كون هذه الإجراءات "تُقيّد حريات من تطبق عليهم العقوبة، وتضعهم تحت أعين وبصر الأجهزة الأمنية المختلفة، وهو ما يمكن اعتباره امتداداً لسياسات السلطات المصرية الممنهجة لتطويق حرية الرأي والتعبير"، بحسب هؤلاء.
ويرى الحقوقيون أنّ القانون يتيح للسلطة القضائية المختصة استبدال الحبس الاحتياطي للمتهمين في القضايا بتدابير احترازية تفرض عليهم عددا من الالتزامات، أو يتم حبسهم إذا خالفوها.

وتنص المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية على التزام المُراقب بالتردد على قسم الشرطة في أوقات محددة، غالباً ما تكون عدداً من الساعات لعدد من الأيام أسبوعياً. الأمر الذي يؤثر سلباً على حرية المتهم وانتهاك حقوقه الشخصية بشكل جسيم، نظراً لتطبيق هذه التدابير بشكل تعسفي ولفترات طويلة.

تعليق: