خبر عن عُمان

03 اغسطس 2020
الصورة

كأن وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض الصحافات العربية والأجنبية، هي التي تولّت نشر خبر، ينطق مضمونُه بأهميته، موجزه إصدار سلطان عُمان، هيثم بن طارق، في 23 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، عفواً عن معارضين عُمانيين في الخارج. لم تبثّ وكالة الأنباء الرسمية في مسقط عن مرسوم سلطاني في هذا الخصوص، وإنما أبلغت لاحقاً عن مرسوم قضى بالعفو عن 430 سجيناً، بينهم 217 أجنبياً، بمناسبة عيد الأضحى، ما يشابه مرسوماً سابقا، صدر بمناسبة عيد الفطر في مايو/ أيار الماضي، بالعفو عن 797 سجيناً، بينهم 301 أجنبي. وخلا الخبران الرسميان، في العيديْن، من تفاصيل عن قضايا المعفوّ عنهم. أما أولئك المعارضون، وهم خمسة (ورد أحيانا أنهم أربعة)، وبعضُهم يحوزون لجوءاً سياسياً في بريطانيا، فإن المصادر غير الرسمية، والموثوقة، هي من نشرت أسماءهم. والأهم أن اثنين منهم بادرا إلى نشر تفاصيل عما يتعلق بهما، منها أن سفير بلدهما في لندن أخبرهما بأن في وسعهما العودة إلى السلطنة، من دون شرط، وأن يقولا ما يشاءان من آراء وفق القانون، وأن الدولة تتكفّل بتكاليف عودتهما. وقد نشر اثناهما تغريداتٍ قبل سفرهما ولدى وصولهما، من المطار في مسقط إلى منزليهما، وزادا على ذلك بنشر صورتيهما في الطائرة فرحيْن.
وفي الوسع أن يقرأ واحدُنا "العفو الصامت" (أو الضمني)، كما سمّاه غير تقرير إخباري، بأنه ليس عفواً، ولا صفْحاً، وإنما إخطارٌ للمعنيين بأن لهم أن يعودوا إلى بلدهم، من دون أن يخشوا ضرراً على أنفسهم، وهم الذين رمت تقاريرُ بعضَهم بأنهم "معارضون خطيرون". وإن  المتابع ليعجب من قلة عدد هؤلاء، بل ويعجب، قبل ذلك وبعده، من القضية كلها، فإذا كانت السلطات العُمانية الرسمية تضنّ على الجمهور العام بأخبار عن السلطنة وجديد أحوالها (بعيداً عن التقرير اليومي المفصّل بشأن كورونا)، فإننا لم نألف حضوراً إعلامياً ظاهراً لمعارضين عُمانيين في الخارج، إما تقصيراً منا، نحن المشتغلين في الصحافة، والمعنيين بالحريات العامة، أو أنه لا أصوات عاليةً لهؤلاء أتيح سماعها والالتفات إليها في الإعلام المتعدّد، الفضائي التلفزيوني والتقليدي والرقمي. ما قد يسوّغ القول هنا إن الفاعلين في صناعة القرار، وفي العمل العام، في السلطنة، مدعوون إلى مغادرة التحفّظ المزمن الذي يُؤْثرون به الانزواء عن الإعلام، بتطرّفٍ ملحوظ. وها نحن نصادف واحداً ممن جاءت الأخبار على اسمه بين المعارضين المعفو عنهم يسأل مستهجناً عن أي ذنبٍ جرى العفو، وأنه شخصياً سيبقى يطالب بما يطالب به من إصلاحاتٍ دستوريةٍ وسياسيةٍ في بلده. وقبل ذلك، نطالع أن اعتقالاتٍ قد جرت في السلطنة في السنوات الست الماضية، طاولت ناشطين ومدوّنين، غير أن أحداً ممن "عوقبوا" بالاعتقال من هؤلاء لم يتمّم مدة محكوميته، وأن الإفراج عنهم كان يتم سريعاً، بحسب تقارير منصفة، ومن هؤلاء إعلامي، وعضو سابق في مجلس الشورى، أفرج عنه بعد أسابيع من اعتقاله في مارس/ آذار الماضي، "لإساءته استخدام تقنية المعلومات في نشر ما من شأنه المساس بالنظام العام".
لا يملك واحدُنا غير الترحيب، كما فعل مئات في وسائل التواصل الاجتماعي، بخطوة السلطان هيثم بن طارق، معطوفاً، في الوقت نفسه، مع دعوةٍ إلى أن تتبعها خطواتٌ باتجاه إصلاحاتٍ يلحّ عليها مثقفون وناشطون عُمانيون، غيارى على بلدهم، إصلاحيون في توجهاتهم. وفي البال أن السلطنة شهدت إبّان موجة الربيع العربي الأولى، في 2011، حراكاً احتجاجياً طالب، تحت سقف النظام والولاء للسلطان، بمحاربة الفساد، وبرفع الأجور، وبإصلاحات، وبشيء من الحيوية السياسية في البلاد. وفي تلك الغضون، ومع جنوحٍ إلى تخريبٍ في منشآت عامة، جرى اعتقال متظاهرين عديدين، وجّه الادّعاء العام إليهم تهم "التحريض على الشغب"، غير أن السلطان الراحل، قابوس بن سعيد، أصدر عفواً عنهم، وبادر إلى خطواتٍ استجابت لبعض مطالب نادى بها المتظاهرون الساخطون، وهو الذي كان في سنوات السبعينيات الأولى قد عفا عن معارضين يساريين ومتمرّدين. ولذلك، صحّ قول معلقين بشأن "العفو الصامت" أخيراً إنه موصولٌ بوقائع سابقة مماثلة.. ولأن الأمر كذلك، من قبل ومن بعد، فإن المأمول، بل والمتوقع ربما، أن تبشّر البادرة الجديدة بما هو أكثر.