خاشقجي وعرش بن سلمان

خاشقجي وعرش بن سلمان

22 أكتوبر 2018
+ الخط -
كان الكاتب السعودي، جمال خاشقجي، مدافعاً عن بلاده بكل أناقة وإتزان ولياقة، يتحدث بلغة العارف من داخل أروقة الديوان الملكي، قريبا من السلطة الحاكمة أكثر من اللازم، عارفا بدقائق الأمور فيها. ومع ذلك تعرّض للتصفية، وقبلها للتعذيب بسادية بشعة.
يتعلق الأمر هنا بتصفية منشق وناقد، لكن الأكيد أنّنا إزاء قضية كيف ما كانت نهايتها؛ ستمرغ سمعة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الوحل فترة ليست قصيرة. وإذا كان للمملكة سوابق في الموضوع، فإن الوضع يبدو مختلفا هذه المرة، لأن الرأي العام العالمي استهجن الحدث، وأثاره الفضول بشكل مثير لمعرفة الحقيقة، والمطالبة بمعاقبة المسؤولين.
تكثف القضية بشكل دقيق حالة اختلال وصلت إلى درجة الطغيان الاستعراضي، المخلوط بالبارانويا التي لا تميّز بين الأشياء، وتعبّر عن الشعور بانعدام الثقة والأمان، المرتبطة بمعضلة انتقال الملك المشوب بعدم الانتظام، والرغبة في تمنيع العرش بالقمع بدل الاجماع، بعيداً عن سياسات تتوافق عليها العائلة المالكة، مقوضا واحداً من أهم الأعمدة التي أرسى عليها آل سعود نظام حكمهم.
كل الذين راهنوا على البقاء في السعودية، وآثروا المطالبة بالإصلاح السياسي الذي لا يزال معدوماً، هم خلف السجون؛ سجون مليئة بالناشطين والمفكّرين. وبسبب القمع وعدم الثقة، لا تبرز على السطح معارضة واضحة وصريحة، فالسياسة المعمول بها تجفيف البلد والشعب والأمراء والعلماء وحتى الخارج من كل منابع المعارضة.
وعلى الرغم من ذلك، لا نشهد على المستوى الدولي إلا نأيا بالنفس، وتهرّبا من الشجب الصريح لسياسات محمد بن سلمان المندفعة، وسياساته التخريبية في المنطقة، وكل من حاول ذلك مثل كندا ستستدعي الرّياض سفيرها فجرا، معتبرة سفير الأخيرة لديها "شخصا غير مرغوب فيه"؛ وتعلن تجميد كلّ التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة مع المملكة مع احتفاظها بحقها في اتخاذ إجراءات أخرى. لا لشيء إلا ردا على بيان لوزارة خارجية دولة، جاء فيه أنها تشعر بقلق بالغ إزاء الاعتقالات الإضافية للمجتمع المدني وناشطي حقوق المرأة في البلاد.
ستجعل قضية جمال خاشقجي من الصعب على الجميع سلك هذا المسلك الهروبي إلى ما لا نهاية؛ أمام تزايد الانحرافات العنجهية. لن تختفي هَذهِ الجَريمة مِن دائِرة الاهتمام الدوليّ، سيما، وأنّ صحيفة واشنطن بوست التي ضمّت خاشقجي إلى كُتّاب الرأي فيها، وباتَت تتبنّى قضيّته، هِي التي كَشَفَت فضيحة ووترغيت، وأطاحَت الرئيس الأميركيّ، ريتشارد نيكسون، ولا نَعتقِد أنّها ستَقِف في مُنتَصف الطَّريق، خصوصا أنّها تُنَسِّق مَع السُّلطات التركيّة، وتَنشُر التَّسريبات حَوْلَ الجَريمة أوّلًا بأَوّل، ولا نَستبعِد أنّها تتطلَّع إلى رأسِ الأمير، محمد بن سلمان، في نِهايَة المَطاف.
اتفق الإعلام الأميركيّ هذه المرة، وأصبح يعزف لحنا موحدا، مطالبا بإلحاح الكَشْفِ عن المُتَورِّطين في الجَريمة ومُحاسَبتهم، وفي مقدمتهم الأمير محمد بن سلمان، وتَحَرُّك عَناصِر بارِزة في الكونغرس الأميركي بِشَكلٍ مُكَثَّفٍ لإطاحةِ الأمير بن سلمان وتَحميلِه مَسؤوليّة الوُقوف خَلفَ جَريمة قتل جمال خاشقجي، فهل سيتأكد أن ولي العهد السعودي زعيم دولة مارقة تنهج استراتيجيات إجرامية خارج حدودها؟
BD18E02B-405D-45C5-BA93-662A6CBCE4D5
محمد مونشيح (المغرب)