حليم قارة بيبان... سماوات تضج بالحكايات

19 ابريل 2016
الصورة
قيلولة في قمرت، زيت على قماش، 2014
حين التقيته مصادفة منذ بضع سنوات، بدا لي أن الزمن لم يأخذ منه نضارة الشباب. الملامح نفسها والحركية والبسمة، ومعها مسير جديد مع الفن كنتُ قد شهدتُ بعضًا من لمساته الجنينية. كنا شلة من الشباب في بداية الثمانينيات، يرتاد بعضنا السوربون والآخرون مدرسة الفنون الجميلة في باريس. كان حليم قارة بيبان، وردتنا اليتيمة التي من دونها لم نكن نشم طعم الحياة. نتقاسم وقتنا بين الدرس والتسكع في المدينة.

ذلك الشاب الصامت كان حالمًا بما يكفي، شاردًا في سماوات سأراها تنطبع في لوحاته، بمرح كثير وسخرية لم يفقد طعمها وملوحتها مع السنين. عشرون سنة بعد ذلك، ظلت سماواته مرتعًا لعوالم يزرعها كما يزرع الشاعر الكون بموسيقى الألفاظ. إنه عالَم شاعري بامتياز، مأساوي بما لا يدع مجالًا للشك، وساخر بما يحلق بنا في الضحك. وهو عالم من الغنى بحيث يتضمن حكايات متواترة ومتشابكة ومتناغمة تارة ومتنافرة أخرى. وكأن حليم يحوّل حِلْمَه الاسمي إلى حُلْم وجودي، مشاكسًا بذلك قدر الاسم وقالبًا إياه عن وِجهته الأصل.


أحيانًا يبدو لنا عالم الفنان ضربًا من التخييل الطفولي الغارق في نشوة اختبار صرامة الأشياء والكائنات، وأحيانًا أخرى يصير موغلًا في القسوة، بالمعنى الذي منحه أنتونان آرتو لهذا المفهوم. وفي كلتا الحالتين يتحول الفضاء إلى غيمة أو ما شابه ذلك. إنه عالم أشبه بالسوريالي وما هو بذلك، لأنه تركيب معقد من التعبيرية والفن الخام. فقارة بيبان في مقامه الطويل في باريس، خبر أسرار الفن الغربي، يحيل إليه في تراكباته، من تكعيبية جورج براك، إلى غرائبية فرانسيس بيكون، مرورًا بالأخوين البريطانيين شابمان. هذه الإحالات الضمنية تجد تناغمها في التركيبة الهجينة للوحة. فكائنات الفنان عبارة عن مزائج تركيبية من دواب لها رؤوس آدمية، وأجساد لها رؤوس طير أو نساء لهن جذع سمكة. تبدو هذه الكائنات وكأنها تسبح في فضاء اللوحة الحلم، تمارس عريها وصخبها وحبها للحياة وتتناول ما لذ فيها وطاب بالكثير من المرح. حتى طريقة رسمها وتشكيلها تجعل منها كائنات أشبه بالدمى.

وأنا أطّلع على هذا العالم الذي يندرج في ما يسميه بورخيس عالم "الكائنات المتخيلة"، تذكرت أن الصور التي ذاعت في الستينيات والسبعينيات في المغرب، التي نرى فيها صورة البُراق وصورة سيدنا علي يصارع رأس الغول، مصدرها الأول رسوم بالألوان على الزجاج، نشرتها دار المنار في تونس في بدايات القرن الماضي، وصارت تستنسخ في المغرب العربي وتعرف انتشارًا جماهيريًا كبيرًا. ولهذه الصور، إضافة إلى متخيل "ألف ليلة وليلة" الأثر البصري الأعمق في الجيل الذي ولد في الستينيات. فإذا كان التجريد الذي طغى على هذا الجيل لم يغرِ الفنان، فلأنه متشبع بتجربة باطنية لصيقة بجلدته، أعني تجربة الاستبطان الجمالي، التي تخوله أن يقول في لوحة واحدة ما لا يمكن أن يقوله إلا بتلك الطريقة التي ينتفي فيها المنظور من غير أن تفقد الشخصيات من عمقها وقوتها.



تحيل بساطة التشكيل، لدى قارة بيبان، إلى تجريبية "بوب". تعتمد على البساطة والمباشرة، بحيث تمكنه من التعبير اللحظي من غير أن يفقد التأليف العام للوحة شاعريته ومرحه وسخريته. والحقيقة أن عالم حليم عالم المفارقات بامتياز، عليها يبني مجمل الآثار الفنية والجمالية التي يصوغها. تبدأ هذه المفارقات في قلب الكائنات، فلا هي إنسية ولا هي حيوانية كلية. كما تمر من خلال العناصر، التي بها يصوغ الفنان انتقاده اللاذع للعالم المحيط، بمصانعه وطرقاته، لتنتهي بثابت يحيل في الآن نفسه إلى الفضاء المرجعي والهوية البصرية والمعمارية.
هذا الثابت ليس غير مجموعة من التشكيلات المعمارية (الأبواب وأقواسها في صيغتها المحلية التونسية)، والتشكيلات الزخرفية التي بها تشير اللوحة إلى أهمية الفضاء البصري باعتباره محتوى وسؤالًا في الآن نفسه، للذاكرة والحاضر معًا.

بيد أن للفنان جوانب إبداعية أخرى حدثية وإنشائية بل وإنجازية، توازي وتكمل إبداعه التشكيلي. فمنذ سنوات قليلة، في مدينة الحمامات ضمن إطار المؤتمر السنوي للجمعية التونسية للجماليات والإنشائيات، كان حليم قارة بيبان يعتبر الفرجة البصرية الوحيدة التي منحت للمؤتمر طابعًا خاصًا. فقد كان يجلس في الصف الأول مرتديا بدلة للعمال (قد تكون بدلة مُحْتَرفه)، يحمل في يده اليمنى مسحاة وعلى رأسه طنجرة ضغط. طبعًا يرتبط هذا الطابع الحدثي بسلسلة من المنجزات الفنية التي يُمَشْهد فيها الفنان نضاله الدؤوب من أجل المتحف الوطني للفنون الجميلة. وقد بنى الفنان منظوره ذاك على المحاكاة الساخرة، عبر إنشاء اللجنة الشعبية لحماية هذا المتحف الوطني، على غرار اللجان الشعبية التي أنشئت بعد الثورة لحماية المنشآت الوطنية والمحلات التي هجرها أصحابها. وهي لجنة يشكل الفنان فاعلها الوحيد الذي يقوم بالتظاهر ويصدر البيانات ويقوم بكل ما من شأنه أن يجعل المتحف قابلا للتدشين في 2062، أي مائة سنة بعد مولده هو في مدينة بنزرت!


هذه الموْضعة الساخرة للنضال من أجل بنية متحفية تحتضن الذاكرة البصرية للوطن، تحيل بشكل واضح إلى الدونكيشوتية، ومن ثمَّ إلى الطابع المأساوي الذي يخترق أعمال حليم. مأساوية مرحة، وضحك كأنه البكاء على قول المتنبي. وبين الأعمال التشكيلية والتدخلات الإنجازية والمنشآت، تنضح أعمال الفنان بحداثة ومعاصرةٍ تستدعي بشكل واضح التراث التشكيلي التونسي في حكائيته المؤسلبة، وفن الكراكوز بما يمنحه من تشخيص ومَسْرحة كنائية، مما يجعل منه أحد أبرز فناني المرحلة الانتقالية بين الحداثة والمعاصرة.

فحليم، وهو يراوح بين التشكيل والعمل الفضائي، يصاحب الزخم التجديدي الذي عرفته الساحة الفنية التونسية والعربية بما تحمله من هواجس سياسية بيّنة، تعادي الدكتاتورية والحروب. إنه يجعلنا نطفو في سماواته ونغرس نظرنا في التربة الموحلة للمَعيش اليومي.
تعليق: