حلب... سقط الحصار

حلب... سقط الحصار

09 اغسطس 2016
الصورة
+ الخط -
استغلّ حسن نصر الله مناسبات ظهوره، أخيراً، على الشاشات، ليعيد ويكرر اسم حلب، واضعاً استرجاعها على رأس أولويات الحزب. ينتشي الجمهور القابع في ساحةٍ تتوسطها شاشةٌ تعرض لزعيمهم، وهو يعدُهم باسترداد المدينة كاملة، فيعلو التصفيق والهتاف، كلما ذكرت حلب.
للمدينة القديمة تاريخٌ تليد قبل الفتح الإسلامي، على يد خالد بن الوليد، وبعده، وقد سُبق اسمها بصفة "عاصمة"، في عصور مختلفة، لكن أهمية المدينة التجارية انخفضت، في العقود الأخيرة، بسبب اقتطاع الجزء المطل على البحر المتوسط في اسكندرون لصالح تركيا، بعد اتفاقيةٍ أجرتها مع فرنسا، زمن الانتداب الفرنسي على سورية، وتراجعت أهميتها بالمقارنة مع دمشق العاصمة، على الرغم من ذلك، ومع أنها تبعد عن الحدود اللبنانية السورية مئات الكيلومترات، إلا أن أمين عام حزب الله يُدرج حلب في مكانةٍ عاليةٍ من الأهمية. لذلك، حشد لفتحها "عدداً كبيراً من مقاتليه"، واستخدم بشكل معلن كل الأساليب المتاحة.
وردت، من حلب، قبل أيام، صور أطفال يدحرجون دواليب، قيل إنها ستساعد في التشويش على عمل سلاح الجو الروسي الذي يقصف المدينة، ما سيسهل تقدّم القوات المعارضة، لفك الحصار عما يزيد عن ثلاثمئة ألف ساكن، يقطنون مناطق خارجة عن حكم الأسد هناك. وعلى الرغم من أهمية الانسجام التكتيكي الأخير بين قوى المعارضة الذي نفع، بشكل واضح، في الاستيلاء على كلية المدفعية وما بعدها، إلا أن رمزية وجود أطفالٍ، يحاولون اقتلاع غدهم بأيديهم الصغيرة، ضمن عوامل التحرير، تبعث رسالةً تقول، بجلاء، إنه لم يعد لدى السوريين ما يخسرونه.
كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد تعهد، في مناسبات عدة جمعته بقادة أميركان وأمميين، بالانخراط في اتفاقية وقف النار على حلب، ووعد بأنه سيدفع نظام دمشق إلى قبول هدنةٍ تلجم فائض الحمم التي تنصب فوق حلب يومياً، إلا أن المدينة عانت، في الأشهر الأخيرة، من قصفٍ روسيٍّ مستمر، تكلَّل بسقوط مروحية روسية، ومقتل طاقمها، ووقوع جثثهم بيد الثوار.
منذ سنوات، وحلب تعاني حرباً مفتوحة، سببت انهيار قسم ضخم من أوابدها العريقة، ومغادرة الملايين من ساكنيها، إلا أن أحداث الشهور الأخيرة التي مرّت على حلب تجاوزت المآسي الأسطورية. على الرغم من ذلك، لم يحرّك العالم من أجلها إلا بعضاً من قلقه واستنكاره، ورضي ضمناً عن ممارسات الأسد وحلفائه الذين طوَّقوا باقي سكانها، وأطلقوا دعواتٍ للمسلحين داخلها لتسليم أنفسهم، واستمتعت الفضائيات الموالية بعرض فيديوهات لحالات استسلامٍ، أعلنها شبانٌ يحجبون وجوههم بقمصانهم، ويسلمون أنفسهم نادمين إلى مليشيات الدفاع الوطني. استولت هذه المقاطع على اهتمامٍ فريد في الشارع المؤيد، على الرغم من الهفوات الإخراجية الجلية التي احتوتها.
كان لجرعات الشحن المتزايدة التي قدمها النظام، لتحفيز مؤيديه في حلب، أثر مماثل لدى الكتائب المعارضة، دفعها إلى الانتفاض، لكسر الطوق المفروض، فشرعت بهجومٍ معاكسٍ، تراجعت أمامه مليشيات الأسد عن المناطق التي استولت عليها أخيراً، كما دخل الثوار كلية المدفعية، واستولوا على ذخائر متنوعة، بأعداد ضخمة، وتحرّرت الراموسة بشكل خاطف، تحت ضربات الكتائب القادمة من الجنوب، بمساعدة جلية من المحاصرين في الداخل أنفسهم. على ذلك، ربما سيخفت صوت حسن نصر الله، وسيُجري حساباتٍ سريعةً، لإعادة ترتيب تصريحات جديدة تتناسب مع فقدانه حلم حلب التي بنى على إمكانية احتلالها تهديداتٍ مهولةً، ستطاول دولاً عربية وإقليمية.
بعد الراموسة، ستنطلق الكتائب إلى مواجهة أخرى، في حارات الحمدانية وصلاح الدين، لتبقى مدينة خناصر، الأقرب إلى داعش، المنفذ الأسهل لتموين النظام، وفيما لو تم قطعه، سيضيق الخناق على جزء حلب، الواقع تحت سيطرة مليشيات الأسد، وستزداد إمكانية انتقال المدينة، بشكل كامل، لتصبح ورقةً ذهبيةً في جيب رياض حجاب، في أثناء مفاوضات جنيف المقبلة. أما فيما يخص الإقليم، فسيبدو الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في لقائه المرتقب مع بوتين، أقوى من السابق، وربما ستصير مناقشة الحل السياسي في سورية بينهما أمراً أكثر إلحاحاً وجديّة.