حكومة تونس في مواجهة الكارتل المالي... ورجال الأعمال يحذرون من "الشعبوية"

28 يونيو 2020
الصورة
مشهد من احتجاج من أجل التشغيل (فرانس برس)

بدت الحكومة التونسية عازمة على الدخول في مواجهة مع الكارتل المالي في البلاد، بعد إعلان نيتها عن تفكيك ما يوصف باقتصاد الريع الذي تسيطر عليه كيانات عائلية كبرى، في محاولة لإفساح المجال أمام المنافسة، في البلد الذي يشهد احتجاجات مستمرة من أجل التشغيل والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي وصفته منظمة لرجال الأعمال بالخطوات الشعبوية المضرة بالاستثمار، محذرة من موجة جديدة لشيطنة المستثمرين.

ولا تبدو التوجهات الحكومية سهلة التحقق، إذ تحتاج وفق خبراء اقتصاد إلى سنوات، نظرا للجذور العميقة للمؤسسات العائلية التي تسيطر على العديد من المجالات في تونس، والتي يعود جزء منها إلى ستينيات القرن الماضي.

لكن رئيس الحكومة، قال أمام البرلمان، الخميس الماضي، بمناسبة مرور 100 يوم على حكومته، إن خطة إنقاذ الاقتصاد، تستوجب تفكيك اقتصاد الريع وأنه سيذهب في تنفيذ هذه الخطوة رغم صعوباتها.

ويستهدف الفخفاخ بالحديث عن اقتصاد الريع، الشركات العائلية التي تسيطر على أهم القطاعات الاقتصادية، ومنها القطاع المصرفي والاتصالات ومستلزمات السيارات والصناعات الكبرى.

وقال وزير التشغيل السابق، فوزي عبد الرحمان لـ"العربي الجديد" إن "اقتصاد الريع ارتبط بالسلطة السياسية ومحاربته تستوجب استقلالية القرار وهذا يستدعي إعادة النظر في زوايا عدة تتعلق بالخطوات القانونية والإجرائية".

وأضاف عبد الرحمان، أن "اقتصاد الريع لا يشجع المنافسة النزيهة والحرة، بل يحتكر القطاعات المربحة من قبل عدد قليل من الفاعلين الذين يتمتعون بوضعية كارتل".

في المقابل تبدو الحكومة متمسكة بخيار الانتقال من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد التضامني، بعد مصادقة البرلمان على أول قانون يؤسس للاقتصاد التضامني والاجتماعي، الخميس الماضي، يهدف إلى خلق جيل جديد من المشاريع الاستثمارية التي تقوم على التضامن لاحتواء نسب البطالة المتضخمة في المحافظات الأقل تنمية.

وقال الفخفاخ إن حكومته تنوي إزاحة كل العراقيل أمام المؤسسات الصغيرة وفتح سوق المنافسة على مصراعيه منتقدا انحياز مجلس المنافسة إلى الشركات الكبرى والتغاضي عن تجاوزاتها، مشيرا إلى أن مجلس المنافسة لم يطبق أي قرار منذ إنشائه عام 1995 رغم صدور 540 قرار قضائي للبت في الدعاوى المرتبطة بالمنافسة، وهذا في حد ذاته مؤشر جدي لاقتصاد الريع الذي يستبعد آليات المنافسة الحرة والشريفة.

لكن اتحاد الصناعة والتجارة، الذي يمثل رجال الأعمال، رد على تصريحات رئيس الحكومة، بأن تونس تشهد تدهورا في المناخ العام للاستثمار، وموجة جديدة من شيطنة المستثمرين وأصحاب المؤسسات.

وقال الاتحاد في بيان، الخميس الماضي، إن "رجال الأعمال يواجهون الاتهامات والتشكيك في ذممهم وفي دورهم الوطني والاقتصادي، مما عمق أزمة الثقة التي تعيشها بلادنا، وهو ما ينذر بتفاقم المصاعب الاقتصادية والاجتماعية وبمزيد تعطل المسيرة التنموية".

وحذر مما وصفه بـ"الخطاب الشعبوي والممارسات التي ستكون لها تداعيات سلبية جداً على المستوى الداخلي والخارجي ونفور الاستثمار الوطني والأجنبي، والقدرة على خلق فرص العمل".

ولا يبدو تفكيك اقتصاد الريع سهلاً، وفق الخبير الاقتصادي، خالد النوري، الذي قال لـ"العربي الجديد" إن جزءا من أصحاب المؤسسات الريعية ممثل في البرلمان، وقد يحول ممثلوه دون أي محاولات للمساس بمصالحه.

تاريخياً، يعود ظهور المجموعات العائلية القوية في تونس إلى سبعينيات القرن الماضي، بفضل التشجيعات السخية للدولة التونسية، وقد سمحت بخلق طبقة من رجال الأعمال والمستثمرين في القطاعات الصناعية والسياحية، أصبحوا لاحقا في مواقع شبه احتكارية في بعض القطاعات، بحسب خبراء الاقتصاد.

وفي تصريح لصحيفة "لومند" الفرنسية في أغسطس/آب 2019 قال سفير الاتحاد الأوروبي في تونس، باتريس برغاميني، إن "لوبيات اقتصادية عائلية" تعرقل المنافسة الحرة في الاقتصاد التونسي.

والتوزيع العادل للثروة بين التونسيين محل اهتمام كبير لمنظمات تونسية وأجنبية حيث انتقدت المنظمات التي اشتغلت على هذا الملف احتكار فئة قليلة من التونسيين للثروة وتحكم العائلات الاقتصادية في السوق، ما تسبب في إقصاء المؤسسات الصغيرة وعدم تمكينها من الموارد والقروض المالية حتى تكبر .

ووفق دراسة حديثة لمكتب منظمة "أوكسفام" في تونس تحت عنوان "العدالة الجبائية، لقاح ضد التقشف" فإن 10% من الأثرياء يحتكمون على أكثر من 40% من الدخل الوطني التونسي، مشيرة إلى أن النظام الجبائي (الضريبي) يُعاقب الفئات المتوسطة والفقيرة عبر أشكال جباية مُجحفة بينما يتم حرمان الدولة من إيرادات مهمة بغض الطرف عن الأثرياء.

دلالات