حكواتي فلسطين... صدفة أحيت تراثاً زال منذ زمن بعيد

24 يناير 2017
الصورة
أبو المظفر يجذب الأطفال بحكاياه (عبد الحكيم أبو رياش)
+ الخط -
يتوقف الزمن للحظات عند مجموعة من الأطفال تجمعوا حول رجل يسمى "الحكواتي" يأخذهم بطريقته الساحرة وتمثيله المتقن إلى عالم آخر، يعيشون فيه مع القصص والحكايات والروايات والأشعار والنوادر، وقد غرقوا جميعاً بذلك العالم الخيالي.
تلك القصص والحكايات التي سمعوا عن بعضها، ولم يسمعوا عن أكثرها، جُسِدت أمامهم بطريقة مختلفة هذه المرة، عبر رجل يتقن فنون الإلقاء والتمثيل والنشيد والغناء، يخطف أبصارهم وقلوبهم الصغيرة، وينقلهم إلى عالم طفولي، مليء بالشخصيات الخيالية، والقصص الواقعية.
"الحكواتي الفلسطيني" ذو الجلابية البيضاء، والعباءة البُنية، والطربوش الأحمر، يدعى سليمان أبو عودة "أبو المظفر" (56 عاماً)، من مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، شق لنفسه طريقاً آخراً، في محاولة منه للتغريد خارج السرب، عبر إعادة الروح لمهنة "الحكواتي"، والتي تعد مهنة تراثية قديمة.
وتعتبر مهنة الحكواتي أو الراوي أو القاص، تقليداً شعبياً، لشخص يمتهن سرد الحكايات في الحمامات العامة والمنازل والمحال التجارية والمقاهي والاحتفالات، إذ يحتشد الناس حوله، ولا يكتفي عادة بقص القصة، إنما يتفاعل مع بطلها، ويجسده عبر الصوت والحركات والإيماءات.
تلك المهنة التي انتهت "أو شارفت على الانتهاء" كانت محور اهتمام الحكواتي الفلسطيني أبو المظفر، الذي بدأ محاولات إنعاشها عبر زيّه اللافت، وطريقته في سرد الحكايات في الاحتفالات والمدارس داخل قطاع غزة، إضافة إلى محاولاته في إيجاد منهاج خاص بتدريس تلك المهنة، وإعادة إحيائها.
"العربي الجديد" حلت ضيفة على مجلس الحكواتي أبو المظفر، الذي تجمع حوله عشرات الأطفال، يروي لهم الحكايات، وقد ظهر الانسجام واضحاً على ملامحهم، ويقول: "أعشق هذه المهنة التي تعكس الأصالة والتراث العربي، وأعمل على إعادة الروح إليها في غزة".
تلقى أبو المظفر وبلدته الأصلية حمامة، شمالي بلدة المجدل-عسقلان المحتلة عام 1948، تعليمه الأساسي والثانوي في مدينة غزة، ودرس الإخراج المسرحي في معهد الفنون بمدينة رام الله، والصحافة في جامعة بيرزيت، إضافة إلى اللغة العربية وآدابها في جامعة الإسكندرية، وعمل في إدارة بعض المشاريع والأنشطة الثقافية في فرنسا، علاوة على تخصصه في التحكيم الدولي.
وعن أصل مهنة الحكواتي، يوضح أنها مهنة تراثية موجودة منذ أزمنة طويلة، كان يتنقل فيها الحكواتي بين المدن والقرى والمقاهي وفي بيوت واحتفالات الأثرياء، فقد كانت مهنة للكسب، وصاحبها يمتاز بسرعة البديهة، والقدرة على الحفظ، والقدرة على الارتجال وتأليف القصص، إضافة إلى القدرة على النشيد والغناء والتمثيل.
بدايته مع مهنة الحكواتي جاءت بالصدفة عام 2009، حين كان مديراً تنفيذياً لجمعية شمال قطاع غزة، وقد أخبره رئيس مجلس إدارة الجمعية بقصة صغيرة، وطلب منه خلال يوم مفتوح نظمته الجمعية لاحقاً إلقاء قصة، فقام بإلقاء ذات القصة، ولكن بأسلوب الحكواتي، وقد طَعَّمها بالأشعار، والارتجال، ما أوجد ردود فعل إيجابية، شجعته على الاستمرار.
ويوضح أنه أصبح يشارك في كل المناسبات والاحتفالات والأنشطة التي يتم تنظيمها، مرتكزاً على مخزونه الثقافي، ومعرفته وإتقانه اللغتين العربية والفرنسية، وحبه الشديد للأطفال، حيث يرتدي عباءة الحكواتي حيناً، واللباس الفلسطيني "الحطة والعقال والقمباز" حيناً آخر.
ويحلم أبو المظفر أن تعود مهنة الحكواتي لمجدها القديم، ويحاول تحقيق ذلك عبر كتابة منهاج خاص باستخدام "الحكواتي" كأحد وسائل توصيل المعلومة للطالب "التعليم الجامع"، وهو الأسلوب الذي قد يوصل المعلومة له بطرق غير نمطية، تعينه على الاستيعاب والحفظ.
ويضيف في حديثه مع "العربي الجديد": أحاول تثبيت وترسيخ مفهوم مهنة الحكواتي عبر مقترح لتدريب المعلمين على استخدام المحفزات الحسية والوجدانية، وتشخيص المفاهيم من أجل إيصالها للطلبة، علاوة على أنه يحاول تأسيس ناد للموهوبين في المدارس التي يزورها، وتدريب مجموعة فتيات على أداء الحكايات بأسلوب الحكواتي.
ويأمل أبو المظفر أن يكون المجتمع قريباً من الأطفال، وأن يحاول اجتذابهم عبر القصص والحكايات، وكسر القوالب النمطية في التعامل معهم، من أجل الخروج بنتائج إيجابية، كما يتمنى أن يعي العالم أنه "رغم صعوبة الظروف، إلا أننا ما زلنا متمسكين بتراثنا، وقادرين على الإبداع".

المساهمون