حكايات حزينة من بيروت

12 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

تعتاد المدن أن تكتب حكاياتها التي لا تُنسى؛ تترك تلك الحكايات في قلوبٍ موجوعة، وتتركها في بعض القُصاصات، مثل قُصاصات الشعر، أو على جدار، ولكن المدن كلَّها، في هذا العالم الموعود بالوجع؛ هذا الوجع الذي يتسبَّب به العابثون بأقدار الصِّغار، والبسطاء؛ اللاعبون بقُوت يومهم، والمتحكِّمون برزقهم، والمنهمكون في نزع الفرحة من حياتهم، لا يزول هذا الوجع، حتى لو زالت المدن، فدائمًا هناك مَن يحكي تلك الحكايات الحزينة من المدن الموجوعة، الموعودة بالدم والدمار، وما أكثرها في بلادنا العربية! ولعل بيروت أقرب مثال، وقد أصيب التاريخ بالملل، وهو يمارس صنعته التأريخيَّة لحلقات الموت والدمار فيها.

لبيروت ذاكرةٌ في عقل كلِّ عربي وقلبه. وربما أحببتُ نظْمَ حروف الكلمة، حين تخرج من بين شفتي جدَّتي التي كانت تتحدّث عنها بحبّ، وهي التي زارتها مرّاتٍ متقطِّعة، بعد زواجها؛ كون جذورها تنحدر من لبنان، وتزوّجت صغيرةً في فلسطين، فعندما كنتُ أسمع لفظ بيروت، من بين شفتيها، كنت أتخيّل مدينةً غارقة في الجمال، وبأن كلَّ شيء فيها يكون شهيًّا مغريًا مُسيلا للُّعاب، فهي لا تكفُّ عن "دحش" الكلمة، في كلِّ حديث، وتصف ذكرياتها؛ حتى صاحت ذات يوم، باسمها في ولعٍ، لا يُنسى، وهي تشاهد فيلمًا تمَّ تصوير أحد مشاهده على رصيف الميناء. وهنا سرح خيالي بهذه المدينة أكثر، حين ظهر خال البطلة في الفيلم، وهو يمنحها بعض قطع الزِّينة الخاصة بالنساء، ويعِدها أن تغار الفتيات والنساء منها؛ فهي قد وصلت من خان الخليلي في مصر، على متن باخرة عملاقة، ربضت على رصيف الميناء للتوّ، وغادرها الخال الأفاق مسرعًا، قبل أن يمسك به أمن الجمارك متلبِّسًا بحقيبة بضاعته الصغيرة المعلَّقة في عنقه. لا أحد يستطيع ان يتخيَّل ولع النساء بهذه الأشياء الصغيرة المحشورة، والمهرَّبة بحقيبة الخال، مثل ولع كلِّ العالم بهذه المدينة الجميلة بيروت، التي تفاجئك، وتدهشك بقدرتها على التجدُّد، وبأنها تجذب الأغنياء والفقراء، وبأنها تقف، بعد كلِّ دمار، وتغسل وجهها الدامي بماء البحر؛ فتبدو أكثر شبابًا وبهاء.

مثل رقعة شطرنج أمام لاعبين محترفين، فاز أحدهما على الآخر؛ فركل الثاني الرّقعة بقدمه، وأطلق سُبابًا خافتًا. وهكذا تبعثرت قطع الشطرنج بين قدميهما، وانزلقت قطعة بعيدًا، واختفت أخرى تحت خزانةٍ قريبة، سوف يستغرقان وقتًا طويلًا، قبل العثور عليها، فيما داست قدم أحدهما على أصغر القطع وظل يبحث عنها، وهي تحت حذائه الضخم.

هكذا تحوَّل مرفأ بيروت، بعد انفجار عنبر الموت فيه، هكذا تبعثر الناس، ما بين موتى وجرحى ومختفين، حتى اللحظة، وخرجت الحكايات الحزينة المُبكية، من بين الدَّمار، جاءت إحدى الأمَّهات تصف ابنها المفقود، وكأنها تصف بيروت "ابني حلو بوعيون عسلية"، هكذا وصفته أمام وسائل الإعلام، فيما تبعثرت حكاياتٌ محزنةٌ تناقلتها الكاميرات المزروعة، في البيوت الفارهة، والتي تحرص على زرع كاميرات المراقبة والحماية فيها، فصوَّرت ما حدث لأطفالها ونسائها، في لحظات الانفجار، وخرجت برسالة مفادُها بأن كلَّ شيء قد ينقلب في لحظة، وأن الفرح سيصبح حزنًا قاتمًا، مدى الحياة.

الشابُّ الذي خرج؛ لينعى حبيبته التي ماتت بفعل الانفجار، وكانا قد حدَّدا تاريخًا لحفل زفافهما، ويجِّهزان بيت الزوجية، هذا الشابُّ أبكى الآلاف، وهو يبكي حلم عمره، ونعاها بكلماتٍ مؤثِّرة، خلص في نهايتها إلى دعوة العالم إلى الحب؛ فالموت لا ينتظر أحدًا، وكأنه قد لخَّص حكاية مدينةٍ، يتربَّص بها أعداءُ الحب والحياة. 

وهناك الممرِّضة التي أنقذت أرواح خمسة مواليد خدائج، في حضانةٍ صناعية، حيث حملتهم إلى الشوارع، وهي تنادي بحاجتهم إلى الدِّفء؛ فأصبح كلُّ من يراهم يُلقي نحوهم بشيءٍ ممّا يرتديه؛ حتى استطاعت، بعد جهد جهيد، أن تصل بهم، وسط شوارع النار، إلى مشفى في منطقةٍ نائية؛ لكي يُكملوا حياتهم؛ حتى يكبروا، ويحدِّثهم مَن حولهم عن حكاية بيروت التي دفع الأبرياء فيها ضريبةً فادحة؛ بسبب تسلُّط الفاسدين.