حفل الرئيس عمر بونغو

02 اغسطس 2016
الصورة
لوحة للفنان مريلي وايتهاوس هولم (Getty)
+ الخط -
دخل فخامته إلى قاعة الاحتفال من باب صغير - الباب الخاص بالخدم - وتوافد رجالات الدولة للسلام عليه وتهنئته بعيد استقلال جمهورية الغابون. كل الذين اقتربوا منه شمّوا رائحة قوية عالقة بشاربيه، رائحة أثارت غيرة البعض، واشمئزاز البعض الآخر، وأصابت قلة منهم بالغثيان، وواحداً منهم فقط وهو نائب وزير الخارجية انسحب بحذر إلى دورة المياه ليتقيأ. 
همس مدير التشريفات في أذن سيادته فتجاهله ولم يُعره أدنى انتباه.
جُلبتْ إلى الحفل "ماري تانكونكو" أشهر ضاربة ودع في الغابون، أحضروها رغم أنفها، لأنها متعالية جداً ولم يسبق لها أبداً أن لبت دعوة أحد مهما علا شأنه، وكانت هي أول من سأل عنها فخامة الرئيس حين ظهر على الملأ.

المُفَوّلَةُ - من الفأل - أحضرت معها صحناً بلاستيكياً رخيصاً وأصدافاً بحرية بيضاء صغيرة. سلّم عليها رئيس الجمهورية "عمر بونغو أونديمبا" بحرارة، ثم نادى ابنه البكر، فأتى غلام ناهز البلوغ يمشي بخيلاء، وخصره من ناحية اليمين يميل إلى الأسفل ليوازن ثقل المسدس المعلق بحزامه من ناحية اليسار.

حملتْ العرافة الأصداف في كفها وطلبت من سيادته اختيار صدفتين، فلما فعل، أمرته أن يضمهما إلى صدره وينطق بما يرغب في كشفه. وضع فخامته قبضته فوق قلبه وقال: "أرغب في الكشف عن مستقبلي ومستقبل ابني علي". سكنت القاعة وأرهف الجميع آذانهم بما في ذلك الذباب الذي تمكن بمشقة من التسلل. استعادتْ العرافة "ماري تانكونكو" الصدفتين من السيد الرئيس وخضتهما، ثم ألقتهما في الصحن واكتفت بهما في الكشف، وأما الأصداف الأخرى فأبقتها خارجاً. كانت تُديمُ النظر في الصدفتين وتتنبأ وكأنها تقرأ من ورقة مكتوبة، ثم تهز الصحن هزاً خفيفاً وهي تحدقُ بإمعان في وجه الرئيس الحاج "عمر بونغو" الذي سالتْ حبات من العرق على صدغيه من حدة تلك النظرات، ثم كانت تتابع الكشف مُركزة أنظارها على الصدفتين بعينين مفزعتين.

وهذه هي الكلمات التي بقيت ترن في أسماع الشعب الغابوني حتى يومنا هذا: "ستحكم الغابون مدى الحياة / ستأتي عليك أحداث ولكن فرنسا ستهب لمساعدتك / أعداؤك الكثيرون لن يصلوا إليك، بحكمتك تغلبهم ويصيرون من أعوانك / أربعون عاماً يبجلونك، أربعون عاماً يقدسونك، أربعمائة عام يستعيدون ذكراك".

احتضن الرئيس ابنه "علي" وعيناه تترقرق فيهما الدموع، وارتجت القاعة بتصفيق تصاعدي عارم وهتافات حماسية، وبلغ الانفعال مداه فدمعت العيون وأُجهش العاطفيون ببكاء حار، وارتفعت المعنويات إلى السماء. دخل المدعوون الذين يربو عددهم على الخمسمائة في حالة نشوة يصعب وصفها، وشعر كل واحد منهم بحب جارف نحو القائد، وتمنى كثير منهم لو أن المقام يسمح بالرقص والصراخ بجنون ليعبروا عن فرحهم بهذه البشارة العظيمة. ارتجل سيادته كلمة تفيض وطنية، وناشدهم بكل مقدس لديهم أن يهبوا حياتهم من أجل سؤدد الوطن وسعادة المواطنين. بعدما أنهى خطابه الوجيز، وإذا بنخبة المجتمع الغابوني قد جُنّتْ بمعسول كلامه، وكان الشعور الذي يكاد يُلمس في الهواء هو الرغبة الملحة في السجود تعبيراً عن الولاء غير المحدود الذي يكنونه لقائد الأمة الطاهر الآباء والجدود.

استدار فخامته إلى التورتة المربعة الشكل التي يبلغ طولها متر وعرضها متر، وأبدى إعجابه بالحلواني "اللبناني" الذي صنع من الكريمة ألوان علم الغابون: مستطيل أخضر، مستطيل أصفر، مستطيل أزرق. ناولوه سيفاً فشطرها إلى نصفين واجتزأ منها قطعة وضعها في صحن خزفي، ثم حث خطاه إلى حيث كانت تجلس "ماري تانكونكو" مفترشة الأرض. لحق به مدير التشريفات وأخبره وهو يلهث بأنها قد رحلتْ. تبادل معه حواراً قصيراً على انفراد، ثم عاد أدراجه إلى المائدة. وجد رجاله الأشاوس قد نهشوا التورتة بأكفهم وأظافرهم وكلٌ يحمل هَبْرَةً منها في راحته ولم تلزمهم الصحون مطلقاً. شاهدَ وزير الداخلية يتشاجر مع وزراء آخرين على ما تبقى من التورتة، وقد تلطختْ بِذَلُهم وهم يتدافعون كالثيران ويتلاكزون بالمرافق ويتبادلون السباب البذيء. فقد الرئيس الحاج أعصابه فركل المائدة وهو يتميز من الغيظ، فجمد الوزراء في أماكنهم مصدومين. صاح الرئيس فيهم مؤنباً: "أنتم يا مكائن البراز العتيقة الطراز كنتم في الماضي ترتدون الأسمال وتُحافظون عليها أكثر مما تحافظون على شرف زوجاتكم، وعندما صنعتُ منكم مسؤولين في الدولة واشتريتُ لكم هذه البذلات من أرقى المحلات في باريس فإذا أنتم لا تبالون إن اتسخت أو تمزقت.. هل تدركون كم يبلغ سعر البذلة الواحدة؟!".

برز فجأة دماغ وزير المالية من وسط الحشد وأعطى الجواب كتلميذ شاطر في الفصل: "خمسة آلاف وخمسمائة وثمانين دولاراً". هزّ الرئيس الحاج رأسه هزات خفيفة يعلم المقربون منه أنها نذير شر، إذ هو الآدمي الوحيد على وجه الأرض الذي يستخدم هذا الإيماء بالوجه للوعيد بالويل.

طلب من المتشاجرين وعددهم خمسة أن يخلعوا بذلهم. لبى الأمر وزراء: الرياضة، البنية التحتية، التعليم، الثروة السمكية. وتصلّب وزير الداخلية ولم ينفذ الأمر. دنا الرئيس الحاج من وزير البنية التحتية وراح يفحص خامة قماش سرواله الداخلي. خاطب فخامته جمهور الحفل بصوت جهوري: "أيها السادة الحضور هل تعرفون ما هي مشكلة الغابون؟". لم يجبه أحد وخبأ وزير المالية دماغه بين الأقدام. فأجاب على نفسه: "الغابون دولة نفطية غنية ولكن مشكلتها في ضعف البنية التحتية.. خذوا على سبيل المثال السيد عالي المقام بيرنارد وزير البنية التحتية.. إنه يركب سيارة رولز رويس، ويضع في معصمه ساعة رولكس، ويتعطر بعطر فرنسي ماركة لانكوم، أي أن الغابون قد أنفقت قرابة المليون دولار لكي يظهر هذا المخلوق البشع بمظهر لائق.. ورغم كل تلك المصروفات فإن سرواله الداخلي فضيحة.. لقد اشتراه من أحد الأسواق الشعبية، ربما من أحد البساطين على الرصيف، وغالباً لن يزيد سعره عن ربع دولار! الصحافة الدولية أكلت وجهي وهي تنتقد البنية التحتية الضعيفة في الغابون.. والآن فقط فهمت ماذا يقصدون! (راح فخامته يُربّتُ على كتف وزير البنية التحتية الذي انكمش من الحرج) إنني أرجو.. لا الرجاء لا يكفي.. إنني أتوسل إلى المحترم بيرنارد أن يبذل قصارى جهده لتحسين البنية التحتية للغابون (داعب الرئيس مجداف وزيره) لأن الغابووون غالية علينا!".

فجأة تحول الجو في القاعة من التجهم والتوتر إلى الانبساط والمرح وسقط بعضهم على الأرض من شدة الضحك.

طلب سيادته من الوزراء الأربعة الذين أطاعوا أوامره أن يرتدوا ثيابهم ومنحهم فرصة أخيرة. أما وزير الداخلية (أندري بالامبي) الذي رفض إطاعة الأمر فقد راح فخامته يحوم حوله كالأسد ويداه على حقويه. قال وهو يواجه وزيره العاصي: "أنت بطيء الفهم جداً يا أندري.. الآن فقط فهمت لماذا المجرمون والمتمردون يحبونك ويطالبون ببقائك في منصبك.. لأن الواحد منهم يمكنه أن يمضي راجلاً من ليبرفيل ويشرب الشاي في الحدود ثم يتابع طريقه وأنت ما زلت تتلكأ في إرسال مفرزة لاعتقاله". تكلم وزير الداخلية بلهجة زقاقية صفيقة: "سيدي الرئيس الحاج أنا مستقيل". التوى فم سيادته موحياً بظل ابتسامة تقطر سخرية: "الاستقالة مقبولة أيها الجنرال.. ولذا عليك أن تُسلّم فوراً جميع الأملاك العائدة للدولة الغابونية". وقع وزير الداخلية في الفخ، وهمّ الحرس الرئاسي بتجريده من ملابسه، فسارع بنزع الساعة الرولكس وتخلص من الجزمة ماركة بيرلوتي المصنوعة يدوياً، ثم خلع معطفه وربطة العنق الحمراء والقميص الأبيض، وسُمع صوت صريف أسنانه وهو يفك الحزام ويخلع بنطلونه. أُصيب الحاضرون بالذهول ولم يصدقوا ما تراه عيونهم. أشعل الرئيس الحاج "عمر بونغو" سيجارة وراح يدخن بهدوء مانحاً ضيوفه وقتاً طيباً للفرجة والنميمة.

حين أنهى فخامته السيجارة وبدا أن مزاجه قد تحسّن، أمر باستدعاء "مادلين" موظفة تحويل الاتصالات الهاتفية التي التحقت مؤخراً بالعمل في القصر الجمهوري. أتت الأخيرة وهي ترتدي تنورة حمراء تصل إلى منتصف ساقيها وقميصاً أبيض بدون أكمام. سألها الرئيس بلهجة عادية إن كان "الكلسون" الذي يرتديه معالي وزير الداخلية يخصها، بالكاد تحرك رأسها بالموافقة وهي لا تجرؤ على النظر إلى أحد. خاطب الرئيس الحاج "عمر بونغو" ضيوفه من نخبة المجتمع الغابوني بلهجة مريرة: "من يصدق هذا.. لدي وزراء ينهبون كل شيء في البلد وحتى الملابس الداخلية للنساء لم تسلم منهم.. أيها الناس ساعدوني.. اشرحوا لهذا الكائن العصي على التصنيف أنه لا توجد علاقة مطلقاً بين وزارة الداخلية والسراويل الداخلية للنساء!".

امتعض وزير الداخلية من الإذلال القاسي الذي تعرض له فتكلم محاولاً لملمة البقية الباقية من كرامته: "أيها الزعيم القائد عمر بونغو أونديمبا أطالبك بأن يتم إعدامي بشرف رمياً بالرصاص". ضحك "عمر بونغو" وصفق بيديه: "لا لا لا.. في حالتك لم يعد الإعدام عقوبة.. إنه مخرج مريح لتهرب من العار الذي لحق بسمعتك وسمعة عائلتك أيها الجنرال".
كانت الأبنوسة الفائقة الجمال "مادلين" ترتجف وتنهمر الدموع على خديها. كفكف الرئيس دموعها وتذوقها، قال لها وهو يبتسم برقة، ابتسامة عميقة تشمل عضلات الوجه كلها وتبرز وسامته المخبأة خلف مظهره الرسمي الجاف: "آنسة مادلين سوف أطلب منك الالتزام بثلاثة أمور لأعفو عنك". اطمأنتْ "مادلين" وانشرح صدرها وهمّت أن تُعانق الرئيس، وبالكاد تمكنتْ من السيطرة على عواطفها الجياشة.

تكلم فخامته والآذان تنصتُ بانتباه لحديثه: "الأول أن تأكلي جيداً لأنني أرى أنكِ نحيفة إلى درجة توحي بأننا نُجوّعكِ عمداً في القصر!". قهقه الحشد وابتسمتْ "مادلين" وأومأت أنها ستفعل. واصل فخامته: "والأمر الثاني ألاّ تُعطي ملابسك الداخلية لأي وزير غابوني.. احتفظي بها لنفسك رجاءً!". ضجت القاعة بالضحك وقد أسرهم الزعيم بخفة ظله، وحتى "مادلين" نفسها ضحكتْ متغلبة على شعورها بالحرج. تلقى الرئيس عدة تعليقات ظريفة من هنا وهناك، ثم علق هو الآخر: "نعم نعم، ينبغي الوقوف بحزم أمام هذه الظاهرة الخطيرة.. تخيلوا فتاة بهذا الجمال الرباني الهائل ووزراء على هذه الدرجة من الانحراف الفظيع يجتمعون في دولة واحدة.. هل تعرفون ما هي العواقب؟؟ خزينة الغابون سوف تتعرض للإفلاس!!".
ضحك القوم حتى أوجعتهم بطونهم، وشكروا القدر الذي منحهم يوماً كهذا. تنهد الرئيس الحاج "عمر بونغو" بحرقة من صميم فؤاده وتطلع إلى الموظفة الجديدة: "الأمر الثالث.. ما دمتِ تعملين هنا فعليكِ أن توليها عنايتكِ (أشار إلى موضع حساس) بماء الكولونيا والصابون ثلاث مرات يومياً".

سحب سيادته منديلاً أبيض من الجيب العلوي لمعطفه وراح يمسح شاربيه بوقار يُحسد عليه، وهاجت القاعة بالهتاف والتصفيق تقديراً لشجاعته الأدبية.
وأما "مادلين" الحلوة كحلاوة الشهد فقد صُعقتْ وبَجَمَتْ عن الرد، مكثتْ برهة تُحملقُ في وجه الرئيس بفم مفتوح وفكها الأسفل يرتعد، ثم تهاوتْ في أحضانه فاقدة الوعي.

دلالات