حفلة جنون لبنانية: من وئام وهاب إلى كارلوس غصن

02 ديسمبر 2018
الصورة
مؤشرات الانهيار ازدادت في عهد ميشال عون (حسين بيضون)
+ الخط -
من الصعب تشخيص الواقع اللبناني اليوم لقارئ غير لبناني، أو غير مقيم في هذا البلد على الأقل. بات على كل المستويات يطرق القاع، إن لم يكن فعلياً وصل إليه، أو تخطاه. السؤال الجوهري هنا والذي يتردّد على لسان الجميع: متى يحصل الانهيار الشامل في بلد لم يعد يستقيم فيه شيء، باستثناء التطبيع مع واقع يقال إنه لو كان موجوداً في دولة أخرى لكان دفع الناس إلى ثورة تطيح الجميع وكل شيء.

منذ فترة طويلة، يستفيق لبنان على فضيحة وينهي يومه بأخرى. والفضيحة هنا غير مقصود بها ما يراه كثر أصل المشكلة، أي وجود حزب مسلح أقوى بأشواط من القوات المسلحة الحكومية، اسمه حزب الله، فمصائب لبنان لم تبدأ مع سيطرة حزب الله على هذا البلد، وإن كانت تلك السيطرة المسلحة تعمّق من هشاشة ما بقي من لبنان. أما بخصوص السؤال عن موعد الانهيار الشامل، والذي لا يكون عادة إلا بعنوان أمني يشبه الاقتتال الأهلي الممتد على رقعة هذا البلد الصغير (10452 كيلومتراً مربعاً)، فهو مستبعد، لأسباب موضوعية تعود إلى عدم توفر ظروف الحرب الأهلية التي تستلزم، تعريفاً، أطرافاً متوازنة في القوة تقريباً، بينما اليوم لا طرف مسلحاً ومجهزاً ومعبّأً فعلاً سوى حزب الله، لذلك تبدو جولات الفوضى الأمنية ذات الطابع الطائفي المذهبي الحزبي المناطق، محدودة وأقرب إلى "تنفيس" الاحتقان.

بعيداً عن جولات الاحتقان الأهلي المندلعة منذ أيام بين أحياء بيروت والشوف (جنوب شرق بيروت)، على خلفية قرار ما ترجمه وزير أسبق تابع لمعسكر النظام السوري وحزب الله، اسمه وئام وهاب، قد تكون فضيحة الصرف الصحي في محلة الرملة البيضاء في بيروت أكثرها تلخيصاً للواقع. في هذه المنطقة المطلّة على البحر، فاضت المياه الآسنة مع أول هطول للأمطار في العاصمة قبل أيام. ولكن القصة ليست هنا، إذ ثمّة في لبنان من يملك جرأة صب الإسمنت في إحدى قنوات الصرف الصحي التي تؤدي إلى مصب في البحر على مقربة من فندق بُني على الشاطئ العام. لا تنتهي القصة هنا، إذ تتدرّج من فندق غير شرعي لتكشف عن تشبيح على مستوى المتعهدين وغياب أو تواطؤ للسلطة، هذا فضلاً عن صب مياه الصرف الصحي في البحر، مع العلم أنّ هناك محطات تكرير كلّفت مليار دولار أميركي، لكنها مهجورة ولا تعمل. كل ذلك يحصل فيما لا يجد المسؤولون سوى تقاذف التهم. وعندما قرّرت السلطة أن تتحرّك قدّم نواب بيروت بلاغاً قانونياً "ضدّ مجهول".

فعلياً، هو المجهول الذي بات يطوّق الجميع هنا في بيروت. الكل يتحدّث عنه بوصفه مصيراً حتمياً. وهذه الأحاديث ليست حكراً على الناس، إذ يقولها من هم في موقع المسؤولية، بدءاً من رئيس الجمهورية ميشال عون، مروراً برئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وصولاً إلى الوزراء والنواب جميعهم. يمكن بسهولة، ويومياً، رصد التصريحات التي تتحدّث عن الانهيار، وعن قربه، وعن ضرورة الخروج من المأزق. وقد وصل الأمر إلى حدّ الحديث العلني عن الخطر الاقتصادي، لا بل عن الانهيار المعيشي الشامل. كما برز في عودة السجال على خلفية موضوع سلسلة الرتب والرواتب (لتصحيح الأجور) التي أقرّت العام الماضي والتي يبدو أنّ الدولة عاجزة عن تمويلها. وكذلك الحال بالنسبة لعودة الحديث عن فرض ضرائب جديدة، والحديث عن عدم قدرة الدولة على دفع الأجور، وتجاوز الموازنة العامة، والتي يحتفل بها بعضهم بوصف إقرارها إنجازاً يحسب لعهد الرئيس ميشال عون.


وسط كل هذا المشهد، يخرج وزير الخارجية والمغتربين، جبران باسيل، ليحدّث الشعب اللبناني عن أنّ "لبنان لديه الأهلية اللازمة للقيام بدوره في إعادة إعمار المشرق". عن أي أهليّة يتحدّث الوزير الحالم بالوصول إلى رئاسة الجمهورية؟ هل شاهد فضيحة الرملة البيضاء؟ وقبلها أزمة النفايات المتواصلة، في بلد غير قادر على رفع القمامة من الشوارع، ومستويات التدهور البيئي التي لم تبقِ شيئاً في لبنان، الذي بات يتصدّر المراتب الأولى على صعيد التلوث في العالم؟ عن أي أهلية يتحدّث والبلاد تعاني من انهيار شامل على مستوى الخدمات كلها؛ من الكهرباء إلى المياه إلى الاتصالات، التي تعتبر الأكثر كلفة (حرفياً) في العالم، إلى المليارات التي تتكبّدها الدولة خسائر بسبب شبكة الطرقات وترهلها وازدحام السير، فضلاً عن أزمات ومشاكل مطار بيروت الدولي؟

ربّما قصد وزير الخارجية بالأهلية الحديث عن "النظام اللبناني الفريد". هذا النظام الذي بات مكبّلاً وعاجزاً عن إنتاج سلطة بشكل دوري سلس. وبات ينتقل من أزمة عدم انتخاب رئيس للجمهورية، إلى أزمة عدم إجراء انتخابات نيابية، إلى أزمة عدم القدرة على تأليف حكومة طيلة سبعة أشهر (حتى الآن)، بالتزامن مع هرطقات دستورية باتت تكبل الحياة السياسية، وتضرب الدستور ومنطق تداول السلطة والديمقراطية، بحجة بدعة الديمقراطية التوافقية، والتي جديدها اليوم الحديث عن كيفية إدارة الدولة عبر حكومة تصريف الأعمال، بما أنّ أمد التصريف قد يطول.

عملياً، سخر اللبنانيون من تصريح باسيل، ما خلا العونيين منهم. تداولوه عبر مواقع التواصل الاجتماعي بنوع من النكتة السمجة، وهي السخرية التي باتت مرادفاً لتصريحات أغلب السياسيين. فقبل باسيل، تحدّث رئيس مجلس النواب، نبيه بري، عن الفساد والسرقة، وضرورة تسمية السارقين والفاسدين ومحاسبتهم. قال هذا من كان وما يزال جزءاً من مشهد سياسي ممتدّ منذ أكثر من ربع قرن، ويقوله أيضاً كل من يشارك اليوم في السلطة، بعمومية فاضحة، وفي ظلّ محاصصات طائفية باتت لا تستثني حتى وظائف الدرجة الثالثة في الدولة. يقولونها في بلاد باتت تحتل أعلى المراتب في الفساد وغياب الشفافية أيضاً على مستوى عالمي، وباتت بنظر المجتمع الدولي دولة فاشلة، بشهادة مؤتمر "سيدر" (عقد في باريس في إبريل الماضي لـ"دعم" لبنان عبر إقراضه وإرغامه على خصخصة ما تبقى من قطاعات عامة) الذي رفض منح لبنان أي قروض ما لم يترافق ذلك مع إصلاحات، خصوصاً على صعيد الإدارة والفساد.

وحده "حزب الله" غير مكترث بكل ما يحصل ولا باحتمال الانهيار الكلي الذي بات يطرق الأبواب. فهو "على استعداد للانتظار 1300 عام"، كما صرح رئيس كتلته البرلمانية، محمد رعد، في سياق الكباش الحكومي، والأزمة الحالية المتعلّقة بتمثيل النواب السنة المحسوبين على حزب الله والمعارضين لسعد للحريري في الحكومة. ولعل ذلك يلخّص نظرة الحزب إلى الداخل اللبناني الذي بات يطبق سيطرته عليه بشهادة تصريحات القيادات الإيرانية المتكرّرة. ففي لحظة دولية حرجة، يريد الحزب أن يبقى لبنان رهينة وورقة في يد المحور الإيراني في معركته مع الولايات المتحدة.

وقد تكون الأيام الماضية وتطوراتها كافية لرصد الطريقة التي يتعاطى بها "حزب الله" مع الملف اللبناني. فقد فجّر أزمة تأليف الحكومة، ووقف جانباً يتفرّج على صراعات نتجت عن هذا التعطيل، تارة في البيت السني الواحد، وتارة بين ما يسمى هنا "العهد" (الذي يمثله ميشال عون) والنواب السنة المذكورين، والتي تأتي في إطار محاولة إيجاد حلّ للعرقلة المستجدة.

حتى أمنياً، هنا في لبنان باستطاعة وزير أسبق شارك في حكومة لمدة لا تتخطى الأشهر الخمسة، ولديه بضعة مئات من المسلحين، أن يهدّد السلم الأهلي برمته. الوزير السابق وئام وهاب الذي لا يعتبر من المؤثرين في الحياة السياسية، وصعد نجمه بسبب الرعاية السورية والإيرانية له، وبسبب خطابه الذي يتضمن سباباً وشتائم بشكل دائم، نجح في الأيام الأخيرة في جرّ البلد نحو مخاطر أمنية حقيقية، بعد أن وضع تيار "المستقبل" نصب عينيه مواجهة وهّاب الذي أهان زعيمهم سعد الحريري ووالده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، بشتائم يمنع قانون المطبوعات في لبنان إعادة نشرها، بينما "حزب الله" يتفرّج. هكذا، عادت مظاهر المواكب المسلحة لتتجول بين المناطق، فتلاقيها تجمعات شبان مسلحين آخرين جاهزين للاقتتال (في بيروت وفي الشوف، بين أنصار وهاب والحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط). وسط كل هذا المشهد، وجد بعضهم وقتاً للدفاع عن متهم بالفساد في إحدى أهم الدول المعروفة بنزاهة قضائها، فقط لأنه متموّل يدغدغ وهم النجاحات الأسطورية عند طيف واسع من اللبنانيين. هكذا استنفرت الدولة للسؤال عن الرئيس التنفيذي السابق لشركتي "نيسان" و"رينو"، كارلوس عضن، فاستدعى باسيل السفير الياباني، وبحث إمكانية استعادة المتهم، وكلّف محامين والسفارة اللبنانية بمتابعة قضيته. يبدو أنّ غصن يملك ما لا يملكه غيره من اللبنانيين، لتستنفر الدولة من أجله. للأسف، لا يملك مثلاً سمير كسّاب المصوّر اللبناني الذي اختطفه تنظيم "داعش" في سورية قبل نحو خمس سنوات، ما يملكه غصن لتستنفر الدولة لمتابعة قضيته، ولا حتى لتفاوض من أجله في لحظة كان يمكنها أن تكشف مصيره خلالها. لكنها، أي الدولة، اختارت يومها أن ترضخ لـ"حزب الله"، وهكذا تمّ ترحيل عناصر "داعش" من جرود عرسال، شرقي لبنان، بالباصات الخضراء.

ويبدو أيضاً أنّ الدولة اللبنانية غير مقتنعة بنزاهة القضاء الياباني، وربما يجب أن ترسل بعضاً من المخضرمين لتعليمهم معاني استقلالية القضاء ونزاهة التحقيقات، على طريقة التلفيقات التي حيكت ضدّ الممثّل المسرحي زياد عيتاني، واتهامه بالعمالة لإسرائيل. ولكي تكتمل المهزلة، بدا سوريالياً موقف وزير الداخلية والبلديات، نهاد المشنوق، الذي تحدث عن "طائر الفينيق الذي لن تحرقه شمس اليابان"، وكأن المقارنة بين لبنان واليابان تجوز، أو كأن أسطورة طائر الفينيق تنفع في سياق آخر غير سياق العصبيات واختلاق الأساطير المؤسسة.

المساهمون