حسن حُسني: مُكثِّف اللحظة بصدق وعفوية

30 مايو 2020
الصورة
توفي فجر أمس السبت (محمد الشاهد/ فرانس برس)
في حوارات عدّة لحسن حُسني، يصعب العثور على جديدٍ يصدم أو يُفاجئ أو يُثير نقاشاً في السينما والشخصية والأنماط. لكن هذا غير مرتبط بقيمة سينمائية تتضمّنها أدوار مختلفة له، تتشابه شكلاً ومضموناً إلى حدّ كبير، في الأعوام القليلة الأخيرة من حياته المهنيّة، الحافلة بكمّ كبيرٍ من الأعمال السينمائية والتلفزيونية، هو المنطلق من المسرح العسكري، زمن انخراطه في الجيش المصري. حواراته عادية وبسيطة ومتواضعة، يكثر فيها الدعاء بالخير لمن يعمل معهم، مخرجين ومخرجات وممثلين وممثلات أولاً وأساساً. هذا جزءٌ من شخصيته الحقيقية، إذ يندر قولٌ سلبيّ عنها في كلامٍ كثير لمعارف له.
برحيله في 30 مايو/ أيار 2020، يُطرح سؤال، مُكرّر سابقاً في قراءات نقدية مختلفة لاشتغالاته الفنية: ماذا يعني أن يكون المرء ممثلَ أدوارٍ ثانوية، قبل أن تأخذه "نجومية متأخّرة" إلى مُقدّمة المشهد، فيخسر شيئاً من براعة الأداء؟ مع حسني، يُلحّ السؤال أكثر، فهو أحد القلائل من المتمكّنين من إلغاء الحدّ التمثيلي بين بطولة و"سنّيد" ودور ثانٍ، لشدّة براعته في تحويل الشخصية الجانبيّة، الأساسية في حضورها إلى جانب الشخصيات الأولى، إلى عالمٍ متكامل يمزج حِرفية أداء بمزاجٍ تمثيلي يُحسِّن بعض البناء الدرامي للشخصيات وانفعالاتها وعلاقاتها ومساراتها، ويُتيح لمن يؤدّي الدور الثاني مجالاً لكشف ما يختزنه من أدواتٍ.
هذا يبقى مرادفاً لاختباراتٍ تكاد تنتهي مع "كثرة الطلب" عليه في مراحل متقدّمة من عمره السينمائيّ، إذ يوافق على كلّ مشروع يُعرض عليه، كمن يرغب في تعويض ماضٍ يتعامل معه بهدوءٍ، على نقيض تلك المراحل التي تُفتح فيها الأبواب أمامه، منطلقاً في المساحات الأوسع لأدوارٍ لن تحافظ كلّها على تلك السوية الجميلة في الأداء. يقول داود عبد السيّد (له مع حسن حسني "سارق الفرح"، 1995) إنّه (حسني) "يهبط من الفضاء لكنه يبقى متوهّجاً على الشاشة"، فهو لن يُخيّب أمل أحدٍ بأدواره، "في لحظات من الظرف الرشيق". يُضيف عبد السيّد إنّ الممثل غير مُقدِّم شخصيات جديدة أو مبتكرة، وغير مُعيدٍ لمنهج "الممثلين الظرفاء" في أربعينيات القرن الـ20 وخمسينياته (حسن فايق، ووداد حمدي، واستفان روستي، وعبد الفتاح القصري، وماري منيب وغيرهم)، وجميعهم ممثلو "دور واحد في أفلام مختلفة"، لكنهم "ممتعون ولامعون وظرفاء". حسني، بالنسبة إلى عبد السيّد، "كالنبيذ المعتّق، ترشف منه فتزيد من رشفه. تدمن طعمه ولونه ورائحته، فتظلّ تشرب، لكن النبيذ غير متغيّر ولا متناهٍ وغير نافِدٍ، فتدمنه"، منهياً قوله بما يصلح لاختزال سيرة الممثل، المُشارك في أفلام كثيرة: "لكنّ الأفلام التي تستحقّ مشاركته قليلة، وهذا ليس عيب النبيذ، بل عيب المأدبة".
تواضع حسن حسني في حواراته منبثقٌ من تواضعه في الحياة اليومية. هذا قول يؤكّد التزامه معياراً أخلاقياً في ممارسة مهنةٍ يأتيها قديماً، وينتظر وقتاً قبل أنْ ترفع المهنة عنه "حَظْراً" غير مباشر، فتتكاثر الأدوار رغم تشابه الشخصيات. معها، يخوض حسني تجربة ستكون الأقسى: كيفية التوازن الحِرفيّ بين كثرة الأعمال وبراعة الأداء وتنويعه، وإنْ ضمن شخصيات متشابهة في أفلامٍ كثيرة. وإذْ تغلب الكوميديا، متنوّعة الأشكال، على سيرته السينمائية، إلاّ أنَّ له في الأدوار الدرامية حضوراً يُتقن مخرجون عديدون استنباطه من أعماق ذاتٍ شغوفة بالتمثيل، وغير متردّدة البتّة عن الانخراط الكبير فيه سبيلاً إلى عيشٍ، أو تعبيراً عن رغبةٍ لا أكثر.
لهذه الحرفية أساسٌ، يمثّله مخرجون متعاونون معه في أفلامٍ تُشكِّل لحظاتٍ أساسية في تاريخ السينما المصرية. فالبدايات السينمائية، العائدة إلى ستينيات القرن الـ20، تقول إنّ له مكاناً في أفلامٍ لهنري بركات (الباب المفتوح، 1963)، وأحمد بدرخان (النصف الآخر)، ويوسف مرزوق (سوق الحريم، 1969)، يتمكّن من تمتينه (المكان) لاحقاً، مع حسن الإمام في "حب وكبرياء" (1972)، و"أميرة حبّي أنا" (1975)، و"ليال" (1982)، وحسين كمال ("الحب تحت المطر" و"لا شيء مهمّ"، 1975)، وعلي بدرخان (الكرنك، 1975)، وسمير سيف (قطة على نار، 1977) وغيرهم. تأسيسٌ يُتيح له تنبّهاً إلى أنماطٍ سينمائية تُعينه لاحقاً في تشذيب الأداء من كلّ شائبة، وفي تفعيل ما يشي بالعفوية والارتجال أحياناً، اللذين يستغلّهما مخرجون يجدون فيهما نواة فعّالة لتمثيلٍ يُستحسن عدم تقييده كلّياً بنصّ أو قواعد أو مفردات.

يؤكّد شريف عرفة هذا بقوله إنّ مشاركة حسن حسني في "عبّود على الحدود" (1999) مفاجأة له لكشفها إمكانيات كبيرة وقدرة على الارتجال في حدود الشخصية. يقول إنّ هذا دافع له ولمؤلّف الفيلم أحمد عبدالله إلى "استثماره وزيادة مساحة الدور ليكون أحد الأبطال الرئيسيين". ولعلّ الإمكانيات والارتجال معاً يجعلانه أقدر على بلوغ العمق في الشخصية والدور والبناء السينمائي لكلّ فيلم "بكل بساطة ومن دون تعقيد"، فهذا "نوع من الأداء يحمل ألقاً كثيراً في داخله من دون تشنّج أو صعوبة"، كقول أسامة فوزي فيه، المتعاون معه في "عفاريت الإسفلت" (1995).
ظهوره العابر في أفلامٍ سابقة على مرحلة وفرة العدد يكشف مقوّمات لديه غير مُستغلّة كثيراً حينها. "زوجة رجل مهم" (1988) لمحمد خان و"أحلى الأوقات" (2004) لهالة خليل مثلاً، نموذجان لمعنى الصورة والبوح المكثّفين درامياً وجمالياً. إطلالات سريعة، ومساحة حضور سينمائي صغيرة. رغم هذا، يمارس حسني في دوريه هذين سحراً يختصر عوالم وانفعالات وتفاصيل. نبرة صوته، التي ستُصبح مع حركة اليدين والعينين لاحقاً ركيزة تمثيلية أساسية، تُشارك في صُنع تلك البراعة المكثّفة في إيجاد التوزان المطلوب في التركيبة الدرامية للنص والشخصيات والحكاية والحالة والتعبير.
وكعادة التوثيق السينمائي المصري والعربي غالباً، تتضارب المعلومات. ففي مقابل "ويكيبيديا" و"السينما" (موقع إلكتروني سينمائي مصري)، اللذين يقولان بولادة حسن حسني عام 1931 (مع اختلاف اليوم والشهر، إذْ يُشير الأول إلى 15 أكتوبر/ تشرين الأول، والثاني إلى 19 يونيو/ حزيران)، فإنّ الناقد المصري طارق الشناوي يكتب، في مطلع فيلموغرافيا الممثل الراحل، في كتابٍ تكريمي عنه بعنوان "المشخصاتي" (مطبوعات "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، بمناسبة تكريمه في الدورة الـ40، المُقامة بين 20 و29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018)، إنّ الولادة حاصلة في 19 يونيو/ حزيران 1939. أهذا خطأ مطبعي أو معلومة مؤكّدة؟ لن تكون الإجابة مُلحّة كثيراً، رغم أهمية التوثيق المطلوب. فحسن حسني يبقى أحد "أجمل" ممثلي الدور الثاني، قبل انصرافه إلى بطولات جمّة في أفلامٍ كثيرة تبقى ممتعة غالباً، وأحد أقدر الممثلين على تكثيف اللحظة بنبرة أو ملمح أو حركة أو طريقة قول.

دلالات

تعليق: