حسان فرحاني ومليكة: الحضور البشري أهمّ من جماليات الصحراء

23 أكتوبر 2019
الصورة
مليكة في قلب الصحراء: يقظة (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
وسط صحراء قاحلة، بمحاذاة طريق أسفلتية طويلة، ينبت مستطيل طيني، يُسمّى مجازاً "مطعماً". فيه، تستقرّ امرأة جزائرية ستينية، تتقاسم مساحته مع قطّة أسمَتها "ميمي". هذا هو الظاهر من حكاية مَليكة، في وثائقيّ حسان فرحاني، "143 طريق الصحراء" (2019). أما باطنها، فملتبس وغامض، يتركه فرحاني للزمن الذي يمضيه معها، أملاً في التقاط كاميرته ما ينفع لكسب رهانه على تحويل خاماتها فيلماً، يقارب وثائقيه الطويل السابق "في رأسي دوّار" (2015)، لكن عكسياً.

في فيلمه السابق، يُثَبِّت كاميرته داخل مسلخ. هذا خيارٌ يُمَكّنه من التقاط تفاصيل المكان وحركة العمّال داخله. في النهاية، يبدو الفيلم مُحمّلاً بدلالات سياسية واجتماعية، وفيه شاعرية داخلية غير مُنتظر توافرها في مسلخ، تغطّي دماءُ الذبائح أرضَه. وفيه، يغلب الباطنُ الظاهر، ويُبان بعض أوجاع شبابٍ، يخافون مستقبلاً لا يعرفون مآلاته. مستقبل غامض، كمصير بلدهم.
في "143 طريق الصحراء"، يُثبّت كاميرته أيضاً، لكن في "المطعم/ المقهى"، تاركاً الفضاء الشاسع الذي يحيط به يأتي إليه. الفرق بين المسلخ والصحراء كامنٌ في أنّ الأول مؤطَّر وداخلي ومنفتح على الخارج، بينما الثاني فضاء مفتوح وشاسع، يأتي إلى الداخل (المكان) مقتحماً إياه، فيحرّكه ويُجبره على التفاعل معه.

المدخل إلى عالم مَليكة في مُنجز حسان فرحاني يأتي عبر أغنية حزينة مؤثّرة (طاووس عمروشي)، مُدمَجة تَوليفياً بمشهد تلفّه الرمال، ومن وسطه تظهر مليكة وحيدةً متأمّلةً ما تفعله الصحراء بأرضها. في المشهد نفسه، يُسمَع صوت الريح متداخلاً مع مُوَاء القطّة الخائفة. ومن بعيد، تلوح في العمق ظلال شاحنات لا يُرى منها بوضوح سوى أضوائها الخافتة. هناك أيضاً أشباح بشر تقترب من المكان المؤثّث، الوحيد الذي يُجاور طريقاً، يمضون عليها بقية رحلاتهم.
وقفاتهم القصيرة لقسطٍ من الراحة، وتناول طعام بسيط عند مليكة، يعبِّد مجازاً بين صاحبته وبينهم. من دونه تختلّ علاقة، يحرصون على إدامتها. فالمكان، بالنسبة إلى العابرين، مرتع للبوح، وبالنسبة إليها، وسيلة وحيدة لكسر وحدتها وفكّ حصار الصحراء عنها. لا أحد يعرف سبب لجوئها إليه، فعادة البشر الهروب إلى المُغلق المحميّ طلباً للاختباء.



يُدرك حسان فرحاني، برهافة حسّه السينمائي، أنّ أية محاولة منه للكشف عن ماضيها يُفسد فيلمه. إنْ يمضِ في الكشف، يغدُ الفيلم ريبورتاجاً سريعاً. لذا، يترك لها حرية الكلام والتحرّك على سجيتها، لكنه يتلمّس في داخلها حبّاً للتمثيل، يشتغل عليه من دون إشعارها بذلك. لتعزيز سرده الدرامي، يُدخل على متن وثائقيه هذا شخصيات من الخارج، كالممثل سمير الحكيم والكاتب والصحافي شوقي عماري. الأخير يعرف الصحراء ومحطّاتها جيداً، فهو مؤلّف نصوصٍ عن الطريق الصحراوية. مرونة السينمائي وفهمه آليات الاشتغال الوثائقي، المُتغيّرة والمنفتحة على أساليب سرد غير تقليدية، يجعلان "143 طريق الصحراء" عملاً سينمائياً متفرّداً، في وسطه العربي على الأقلّ. لذا، لا غرابة في أنْ يحصد جوائز مهرجانات سينمائية، كمهرجانَيْ لوكارنو (سويسرا) والجونة (مصر) وغيرهما.

قطرة قطرة، ترشح إلى متنه مواقف سياسية وإشارات صريحة إلى تمظهرات اجتماعية واقتصادية جديدة، يعيشها المجتمع الجزائري. طريق الصحراء، أو "طريق الوحدة الأفريقية"، تحمِّس الرئيس هواري بومدين لتعبيدها كثيراً، في محاولة منه لفكّ الارتباط المقلق بين بلده وشمالها الأوروبي الاستعماري، والانفتاح بدلاً منه على الجنوب الأفريقي. يحدث هذا في فترة زمنية لم تسبق كثيراً الفترة التي تُقرّر فيها مَليكة هجر مدينتها وعائلتها، بعد نهب إرثها، وتركها من دون سقف حماية. قرارها الهروب بعيداً إلى الصحراء يشي بتوافرها على مقوّمات تَحمّل تبعاته. يقظتها أحد أشدّ أسلحتها الدفاعية نشاطاً. لا تغفل ما يمرّ أمام مقهاها. ترصد، بوعي فطري، تحوّلات بلدها، وتُثبّت مواقف منها، بأقلّ المفردات تعبيراً. تحفظ قوانين الصحراء. بوحها مبتسر، وصراحتها موجزة، يمكن التراجع عنها عند الحاجة. نقدها السياسي لاذع.

يرتّب حسان فرحاني مشهداً يُعيد فيه تسجيلاً تلفزيونياً قديماً، بواسطة الهاتف المحمول، لخطاب بومدين، يحثّ فيه الشباب على بناء الصحراء والطريق الجديدة. يُقابل حماسته تعليقٌ لها عن زيارته اليتيمة لافتتاحها، ثم نسيانه إياها عقوداً طويلة. سائقو الشاحنات يتذمّرون أمامها من سوء الحال، ومن عسر عيش معتمِد على مدخول قليل لا يتناسب والجهد الكبير.

الاشتراكية المُعلنة للبلد تفضحها مشاريع خاصّة، ونمو طبقات غنية طفيلية، تمرّ أحياناً بسياراتها الفارهة على تلك الطريق. قُبالة مقهاها، الأمر أوضح، فهناك مشروع لبناء محطّة وقود، فيها دُور استراحة ومطاعم. هذا تهديد قوي لمصدر عيشها، يُقلقها من دون أنْ تُصرّح عنه علناً. كتمان مشاعرها الداخلية يفضحه حبّها للّعب والتمثيل. ففي تلك اللحظات القليلة، تظهر مَليكة المرأة، وتُظهر ما في داخلها من أنوثة مقموعة.

قدرتها على التمثيل والمخاتلة تشي بتكوين أنثوي قوي متراكم، تُهدّم الذكورية المتشدّدة الكثيرَ منه. لا تخجل المرأة الستينية من إعلان انحيازها إلى بنات جلدها، وكراهيتها لرجال دين يُعارضون حريتها. حتى في تسريبها موقف الزعيم الإرهابي المتشدّد بلعور (الأعور)، المؤيد لوجودها وحيدة بين الرجال، يعود الفضل فيه إلى حكمتها ومعرفة طرق استمالة من يعاديها. لكن، هناك سؤال تُثيره عبارتها الموجزة: هل الإرهابي الأخطر في الصحراء الأفريقية عابرٌ أم مُقيمٌ؟

في مشهد مُركّب ومُعدّ، يجمعها بالممثل سمير الحكيم، ويظهر فيه مقدار حذرها ونفاذ بصيرتها، يُكشف كذب قصّة بحثه عن أخيه المفقود، ثم تُقابله بأخرى أقوى منها، تعلن فيها موت ابنتها. فهل قصّتها حقيقية، أم جزء من اللعبة/ التمثيل الذي تجيده؟ يظلّ هذا سراً، يضمر حزناً عميقاً، بينما تتقاطر العلاقات الأخرى، فتملأ الشاشة حيوية، وتُشكّل مشهداً موسّعاً للجزائر المتخبّطة في مسيرتها، والمتخمة بصراعات مؤجلة.

المشهد المسرحي، الذي تؤدّيه مع الكاتب شوقي عماري في مطعمها، يحكي عن مراحل تشهد قمعاً سلطوياً، تتقلّص فيه الحريات.

التفاصيل كلّها، المترشّحة بصبر وهدوء، لا تصل إلى المتفرّج دفعة واحدة، بل بجرعات، وأكثرها عبر شخصية مركزية آسرة، تمنح الوثائقي بُعداً درامياً نادراً. أبطاله يَجُرّون متفرّجهم إلى عوالمهم، من دون إشعارهم بما هم فاعلوه. هذا يعتمد كثيراً على الشخصية نفسها، وعلى نوع الكتابة السينمائية.

التصوير والسيناريو للمخرج نفسه، أما التوليف فاشتغله أربعة، فرحاني أحدهم، مع نينا خادة وستيفان سيكارد وناديا بن رشيد. لنقاء الصوت (محمد إلياس وأنتوني مورين) فضل كبير، فإذا بالمنجز السينمائي "نظيفٌ"، يتخلّص من الزوائد، ويُقنِع إلى درجة أنّ حياة بطلته وخفاياها لم تعد مهمّة كثيراً، بقدر أهمية الصورة وجماليات المَشاهد الداخلية، المُنفَتحة على الخارج. ففرحاني يتخلّص من كليشيهات الجماليات الظاهرة للصحراء، مستبدلاً بها قوّة الحضور البشري، الذي يمنح مقهى مَليكة حياةً وعنواناً بريدياً وهمياً، لن يعثر "غوغل" عليه، وإنْ جاب الصحراء الجزائرية كلّها.

دلالات

المساهمون