حرب كنسية أوكرانية على روسيا

21 نوفمبر 2018
الصورة
البطريرك فيلاريت رأس الكنيسة الأوكرانية المستقلة (أناتولي ستيانوف/فرانس برس)
+ الخط -
لم يعد تأثير استمرار الأزمة الأوكرانية منذ عام 2014 يقتصر على العلاقات السياسية والاقتصادية بين روسيا والغرب، بل يلقي بظلاله على الصلات بين مختلف المؤسسات الدينية على ضوء قطع العلاقات بين بطريركيتي موسكو والقسطنطينية بعد اعتراف الأخيرة بـ"الاستقلالية الروحية" لبطريركية كييف عن موسكو.

في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وقع الرئيس الأوكراني، بيترو بوروشينكو، وبطريرك القسطنطينية، بارثولوميو، في إسطنبول، على اتفاقية التعاون بين أوكرانيا والبطريركية القسطنطينية. ووصف بوروشينكو هذا الحدث بأنه "يوم تاريخي"، معتبراً أنّه "يستكمل عملية منح الاستقلالية الروحية وفقاً لجميع أحكام الكنيسة الأرثوذكسية".

في هذا الإطار، يعتبر كبير الباحثين بقسم الدراسات الاجتماعية والسياسية بمعهد أوروبا التابع لأكاديمية العلوم الروسية، رومان لونكين، أنّ البطريرك بارثولوميو ما كان ليجرؤ على مثل هذه الخطوة لولا تفاقم الأزمة الأوكرانية التي تجاوزت نطاق أبعادها السياسية. يقول لونكين لـ"العربي الجديد": "تمكن القوميون الأوكرانيون من جر البطريرك بارثولوميو إلى جانبهم، فأسفر السينودس (المجمع الكنسي) عن قرار إخضاع الكنيسة الأوكرانية للقسطنطينية بشكل مباشر، ما أثار استياء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية".




منذ تشكيل حكومة قومية في كييف بعد سقوط الرئيس الموالي لموسكو، فيكتور يانوكوفيتش، في فبراير/ شباط 2014، حظيت أوكرانيا بدعم كبير من الدول الغربية مقابل تراجع علاقتها مع روسيا إلى أدنى مستوى تاريخياً، ما فتح مجالاً للتكهنات حول دور الغرب في نيل الكنيسة الأوكرانية استقلالها.

وفي معرض إجابته عن سؤال عما إذا كانت العلاقات بين الكنائس سقطت ضحية جديدة للتوترات الروسية الغربية، يقول لونكين: "في الواقع، دخلت الكنيسة الأرثوذكسية الحرب الهجينة بين روسيا والغرب. لكنني لا أعتقد أنّ واشنطن والبيت الأبيض والخارجية الأميركية هي التي تقف وراء قرار البطريرك بارثولوميو، لكنّها تدعم أوكرانيا التي تحولت إلى أداة لمواجهة روسيا، كما يوجد لوبي أوكراني ويوناني قوي في الغرب أثّر على بطريركية القسطنطينية".

مع ذلك، يوضح أنّ ذلك لن يساعد أوكرانيا في تأسيس كنيسة موحدة، بل سيؤخره بسبب تفاقم الأزمة بين بطريركية كييف والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (تتبع للكنيسة الأرثوذكسية الروسية) التي لا تريد استقلالاً كاملاً عن موسكو. ويخلص الخبير الروسي إلى أنّ "أوكرانيا باتت نموذجاً لبلد ذي اختصاصين قانونيين مختلفين سواء في مجال السياسة أو الدين، فلن تسمح ضغوط السلطة بتشكيل كنيسة موحدة في البلاد".

يعاني المجتمع الأوكراني من انقسامات عميقة في ظل انتماء سكان المناطق الشرقية للغة والثقافة الروسيتين، على عكس غرب البلاد الذي يتحدث سكانه باللغة الأوكرانية ويرون مستقبلهم مع الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب تحديداً، وصف المفكر السياسي الأميركي الراحل، صامويل هنتنغتون، في كتابه "صدام الحضارات" أوكرانيا بأنّها "بلد منقسم ذو ثقافتين مختلفتين"، وهو انقسام وصل بالبلاد إلى الاقتتال الداخلي في منطقة دونباس (دونيتسك ولوغانسك) وبات يطاول مختلف مجالات الحياة، بما فيها الأنشطة الدينية.

من جهته، يعتبر المؤرّخ الروسي، مكسيم أرتيمييف، أنّه لا ينبغي النظر إلى الأزمة الحالية بين بطريركية موسكو والقسطنطينية على أنّها "انقسام كنسي غير مسبوق لا مثيل له منذ تفرع المسيحية إلى الكاثوليكية والأرثوذكسية عام 1054"، مشيراً إلى أنّ القرنين الماضيين شهدا أزمات مماثلة كثيرة في مختلف أرجاء العالم الأرثوذكسي. وفي ورقة بعنوان "قرنان من الاستقلالية الروحية. ماذا تتعلم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من تاريخ انقسام الكنائس المسيحية؟" نشرت في موقع مركز "كارنيغي" في موسكو، ذكّر أرتيمييف بأنّ بطريركية القسطنطينية ظلت على مدى فترة طويلة توحّد أغلب المسيحيين الأرثوذكس من رعايا الإمبراطورية العثمانية، وفي مقدمتهم اليونانيون الإثنيون في شبه جزيرة البلقان، قبل أن تبدأ المرحلة الأولى من الانقسامات مع قيام اليونان كدولة مستقلة عام 1830، والثانية مع إعلان "الاستقلالية الروحية" للكنيسة الأرثوذكسية البلغارية عام 1872، ثم الرومانية.

ويرجع الباحث الروسي الأزمة الكنسية الراهنة إلى "الرؤية العلمانية بأنّ كلّ دولة قومية يجب أن تكون لها كنيستها القومية، وأنّ الحكومة والمجتمع يجب أن تكون لهما آلية للتأثير على طائفة بعينها من دون السماح بالتلاعب بها من الخارج"، معتبراً أنّ الانقسام الحالي كان أمراً حتمياً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وإعلان استقلال أوكرانيا عام 1991، لكن تسنى تأخيره لثلاثة عقود تقريباً.




ويخلص أرتيمييف إلى أنّ الكنيسة الأرثوذكسية الروسية كان عليها الاعتراف بما هو حتمي والمبادرة بمنح "الاستقلالية الروحية" لأوكرانيا منذ بداية التسعينيات، مما كان سيتيح المحافظة على علاقات "غير عدائية" بين كييف وموسكو، محذراً من تفاقم خلافات كنسية مماثلة وتكرار الوضع في مولدوفا وبيلاروسيا.

وكان سينودس البطريركية القسطنطينية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قد أسفر عن منح "الاستقلالية الروحية" للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية كييف. لكنّ هذا القرار أثار رد فعل غاضباً لدى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي وصفته بأنه "تقنين للانقسام"، قبل أن تعلن عن قطع العلاقات مع القسطنطينية.