حرائق متعمدة تلتهم بساتين ديالى...هدفها التغيير الديموغرافي

25 سبتمبر 2018
الصورة
الحرائق تُبعد المزارعين عن أراضيهم(فيسبوك)
+ الخط -


تشهد محافظة ديالى (55 كلم شمال شرقي بغداد) حرائق شبه يومية لعدد من بساتينها التي تعتبر سلة العراق الغذائية، وتشغل 70 بالمائة من أراضيها قرى ومساحات زراعية. وقدّر مسؤولون محليون أن الحرائق سجلت أعلى مستوياتها ليس في تاريخ المحافظة فحسب، وإنما بتاريخ البلاد خلال العام الجاري 2018، معتبرين أنه أضرارها فاقت ما تسببت به التفجيرات الإرهابية.

المزارع نوفل عبد الله (62 عامًا)، قال لـ"العربي الجديد": "خسرت أغلب مساحة بستاني البالغة 16 دونماً والواقعة في منطقة الصدور السياحي التابع لبلدة المقدادية، وتسيطر عليها المليشيات، بعد أنّ طاولها الحريق ثلاث مرات بفعل فاعل، كان البستان يغطي احتياجات عائلتي بمختلف أنواع المحاصيل، ونبيع الفائض منه، وكنا نعتمد على الزراعة في معيشتنا مثلنا مثل غيرنا من المزارعين والفلاحين، فهي مصدر رزقنا".

وأوضح عبد الله: "بعد عودتي من النزوح واستتباب الوضع الأمني نسبياً زرعت عدداً من الأشجار بدلاً من تلك التي التهمها الحريق، إلا أنّ الحرائق تستعر من جديد. وانتقيت أفضل الأشجار وبلغ سعر فسيلة النخل التي اشتريتها نحو 200 ألف دينار أي ما يعادل نحو 170 دولاراً". وأضاف: "غالبية تلك الحرائق كانت متعمدة وهدفها تهجير السكان أو جعلهم ينزحون بشكل أو بآخر والسيطرة على مناطقهم، وهذا ما يحدث بالفعل بعد أنّ نفقد القدرة كمزارعين على إعادة زراعة بساتيننا من جديد".

وتتميز محافظة ديالى بوجود نحو 200 ألف دونم من البساتين، خصوصاً النخيل والفواكه. وتمتد في مناطق مترامية حتى أطراف بلدات بعقوبة والمقدادية والخالص، غير أنّ الحرائق أتت على الكثير من تلك المساحات، الأمر الذي أثار مخاوف المزارعين وأصحاب البساتين المعمرة والمثمرة.
مزارعون ليس باستطاعتهم تحمل كلفة زراعة بساتينهم من جديد(فيسبوك) 

أما المزارع لطفي هشام (57 عامًا)، فقال لـ"العربي الجديد": "إنّ أسبابا وعوامل عدة تقف وراء حرائق البساتين التي تحولت إلى ظاهرة شبه يومية، ونحن نشاهد الدخان المتصاعد في عدد من البساتين، أبرزها التغيير الديموغرافي لمحافظة ديالى من خلال حرق البساتين التي تعود لسكان المدينة الحقيقيين، ما يضطرهم لترك المدينة والهجرة إلى محافظات أخرى".

وتابع: "تتيبس البساتين بعد نزوح المزارعين، ويمنع الكثير منهم بعد عودتهم من النزوح بشكل أو بآخر من متابعة بساتينهم أو إعادة زراعتها من جديد، إضافة إلى قلة وجود الأيدي العاملة لخدمة البساتين ومداراتها"، لافتاً إلى أنّ كثرا من المزارعين بعد الخسائر التي لحقت بمزارعهم أخذوا يبحثون عن فرص التعيين في سلك الشرطة أو الجيش أو وظائف وأعمال أخرى.
الحرائق وسيلة تدفع للنزوح أو لتحويل الأراضي من زراعية إلى سكنية(فيسبوك) 



ورأى أن من الأسباب كذلك ازدياد استيراد أنواع كثيرة من المنتوجات الزراعية من الدول المجاورة للعراق وبيعها بأسعار تنافسية، مقابل إهمال الناتج المحلي لارتفاع أسعاره وندرة وجوده، ما دفع أصحاب البساتين إلى ترك بساتينهم فأضحت عرضة للحرق. ويضاف إلى ذلك إقدام بعض المزارعين على حرق وتجريف بساتينهم من أجل تغيير تصنيف تلك الأراضي من زراعية إلى سكنية، للاستفادة منها مادياً بعد أن فقدوا الأمل بدعم الحكومة وإعادة زراعة البساتين.

عضو مجلس محافظة ديالى نجاة الطائي، صرحت في يوليو/تموز الماضي، بأنّ الحرائق في محافظة ديالى لم تعد حوادث منفصلة بل ظاهرة تزداد وتيرتها يوماً بعد آخر، مشيرة إلى أن الخسائر المادية بلغت مستويات قياسية جداً في الأشهر الأخيرة، وفاق حجمها ما تسببت به التفجيرات الإرهابية.
حرائق البساتين في ديالى هي الأكبر عدداّ خلال 2018(فيسبوك) 


وأضافت الطائي: "هذا يعني أننا أمام خطر محدق يجب الانتباه له، خصوصاً أن الجزء الأكبر من الحرائق التهم مئات الدونمات من البساتين والأراضي الزراعية أخيراً". ودعت إلى "إعداد خطط وقائية تضمن التصدي لموجة الحرائق، والعمل على إجراء تحقيقات معمقة لكشف الجناة خاصة وأن أغلبية حرائق البساتين تتم بفعل فاعل وفق المؤشرات المتوفرة لدينا".

ولفتت الطائي، إلى أن حرائق البساتين التي سجلت خلال النصف الأول من 2018 تجاوزت الـ 200 حريق وهي الأعلى في تاريخ ديالى، مشيرةً إلى أن من بين كل ثلاثة حرائق يسجَل اثنان منها بأنهما متعمدان بهدف تجريف البساتين وتحويلها إلى أراض سكنية، مبينة أهمية تبني موقف حازم من ظاهرة حرق البساتين والتي تهدد بزوال بساتين شاسعة تشكل غطاء نباتياً مهماً في محيط المدن لتحسين البيئة.

من جانبه، قال رئيس مجلس محافظة ديالى، علي الدايني، إن حرائق البساتين لم تعد حوادث منفردة بل ظاهرة آخذة بالزيادة وتثير علامات الاستفهام، موضحا أن ما يقرب من 300 دونم التهمتها النيران منذ بداية العام الحالي وحتى الآن.

ولفت الدايني في تصريحاته، إلى أنّ غالبية حرائق البساتين متعمدة وفق المعلومات المتوفرة، مؤكدا أن بعض مدن ديالى ومنها بعقوبة، تعاني من فقدان الأحزمة الخضراء، ما يجعل المحافظة أمام كوارث بيئية كبيرة تستدعي تحركا جديا لإنهاء حرائق البساتين.

ويطلق العراقيون تسمية "مدينة البرتقال"، على محافظة ديالى لتميزها بزراعته. وتشتهر بلدة المقدادية بزراعة الرمان، كما أنها تعتبر سلة العراق الغذائية. وكانت ديالى قبل 2003 تصدر المحاصيل الزراعية والفواكه الى جميع محافظات العراق، إلا أنها بقيت تعاني من الإهمال من جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق، وسجلت ديالى خلال الأشهر الماضية، العشرات من الحرائق التي التهمت مئات الدونمات الزراعية وأهلكت عشرات البساتين المعمرة.