حدَثَ في سوتشي

03 فبراير 2018
+ الخط -
حدثٌ له وجهان، أصبح حقيقة في سوتشي الروسية التي استضافت مؤتمراً ادّعت أنه مخصّص لإحلال السلام في سورية، إذ حشدت موسكو كل من هبّ ودبّ من شرائح سورية ممثلةً عن العمال والفلاحين والطلاب والأديان والثقافات والقوميات...
بمعنى مختصر، نحن أمام خليط من شخصيات سورية تم اختيارها بعناية لتكون واجهة ومقدمة لمسرحية هزلية، أراد روادها أن يكونوا أدوات لآخر فصول الدراما السورية، وليس غريبا على السوريين المناصرين لشخص بشار الأسد أن يعبّروا عن مدى امتنانهم لمحتلٍ قتل أطفالهم.
عندما يصل صدى التطبيل والتزمير من سوريين إلى قداسة بشار الأسد، من الطبيعي أن تشحن روسيا هذه الشخصيات لممارسة دور الكومبارس في مسرحية سوتشي، ولا مانع من إذلالهم، لحرف الأنظار عن الحدث الأهم بالنسبة للرئيس بوتين، فبعد إعلانه خطاب النصر العسكري من قاعدة حميميم أواخر الشهر الماضي، أصبح لزاماً لعراب سورية ومحتلها أن ينتج فصلاً ثانياً من ثنائية الوهم والانتصار، ليُقدّم انطباعا دوليا أن الانتصار العسكري في سورية أفسح أمامه المجال لمسك كل الخيوط السياسية في سورية، متأملاً في فرض حل روسي سوري، مفاده تدوير بشار الأسد وأجهزته الأمنية، معتمداً الأسلوب نفسه بانتقاء شريحة واحدة من سوريين موالين، وما تبقى من الغالبية السنية يتم تهميشهم سياسياً، وعلى الأرض ذبحهم عسكرياً بأحدث الطائرات وأخطر الأسلحة. وهذا ما حدث خلال انعقاد المؤتمر، إذ ارتكبت الطائرات الروسية، مذبحة في أرياف إدلب وسراقب وأريحا، رد فعل من زعيم الأنظمة الدكتاتورية، إذ أراد التعبير عن غضبه عقب رفض الهيئة العليا للمفاوضات، والإئتلاف السوري وهيئة التنسيق، مهزلة سوتشي. وباستثناء فصائل أستانة التي ذهبت إلى المؤتمر بإيعاز تركي، فانتقمت منهم روسيا بإذلال تصدر وسائل الإعلام، حتى أن روسيا منعتهم من الدخول إلى قاعة المؤتمر، وليس كما روّج له عبر وسائل الإعلام أنّ الوفد علّق المشاركة بسبب رفضه رفع شعارات وأعلام النظام على جدران قاعة المؤتمر؟
بعد مضي يومين من تراجيديا مضحكة، اختتم المؤتمر الثلاثاء الماضي، وتم تمرير ما تم التوافق عليه قبل البدء بالمؤتمر، وهو الهدف الأهم بالنسبة لبوتين، ما يعني أنّ الحضور كان للتصفيق والتقاط الصور لا غير، خصوصاُ أنّ مخرجات سوتشي تمّ تسريبها قبل انطلاقه، فهذا يعني أنّ توافقاً روسياً تركياً أميركاً حدث فعلاً، وهو الحدث الأخطر منذ انطلاق ثورة السوريين، فقد اتفقت الأطراف الضامنة على تشكيل لجنة دستورية قوامها 150 شخصية، ثلثهم من النظام والثلث الأخير من المعارضة. وعلى الرغم من انسحاب أميركا الشكلي من سوتشي، إلا أن المبعوث الأممي دي ميستورا قد كُلف رسمياً بإعداد اللجنة الدستورية، ورفد مخرجات سوتشي باللاورقة، وبذلك سيكون مسار سوتشي مكملاً لعملية جنيف بغطاء الأمم المتحدة.
إزاء ذلك، خاب أمل بوتين فعلياً من سوتشي، وتعرّض لصفعة سياسية قد تُسجل له علامة سلبية في حملته الانتخابية الجديدة، وبعد إعلاء سقف الطموحات السوتشية البوتينية، انخفضت سقف التوقعات، وتمت العودة إلى قاعات جنيف. والسبب بسيط أنّ اللاعب الأميركي وضع حجر عثرة بسيط أمام بوتين، فقبل المؤتمر بيومين، أصدرت خمس دول، منها السعودية، ورقة فيينا، وهي التي قسمت ظهر البعير الروسي، وكانت كافية لإفشال تطلعات بوتين، فاكتفى الأخير بالحد الأدنى من الآمال مع عزمه زيادة التنسيق مع الحليف التركي في عفرين ورقة ضاغطة على مناطق النفوذ الأميركي في شمال شرق سورية.
الفشل الروسي أمام أميركا لم يجعله مكتوف الأيدي، فقد تم التركيز على أهمية مخرجات وثيقة سوتشي، في تشكيل اللجنة الدستورية. وبناء عليه، ستدخل ثورة السوريين المرحلة الحرجة، وقد تكون الأخيرة إذا ما قبلت واشنطن أن تكون النهاية في جنيف، وتحت رعايتها، فهذا يعني أنّ تعديل دستور 2012 سيفضي إلى محاصصة الحكم بين المعارضة والنظام، نظراً للتوافق على 22 مقعد للنظام و20 للمعارضة، مع بقاء بشار الأسد في سدة الحكم، متجاهلين أي حديث عن عملية انتقالية، وهذا ما لن ترضى عنه الغالبية الكبرى من السوريين، لسبب أنّ ثورةً يتم تجاهل الحد الأدنى من مطالبها، لن تقف عند أبواب سوتشي وجنيف، فلا يمكن لمن روّج فشل سوتشي القبول بواقعية جنيف، سيما أنّ هذا المسلسل قد ثُبت أنه مؤجل حتى إشعار آخر، لتحقيق بنود جنيف المقرّرة في 2012.
FB7E1B28-E9EF-474D-808F-467FC19B57EE
يمان دابقي (سورية)