حدث في تموز 2006

01 اغسطس 2019
ما إن تصدّع جدار الصوت، واهتز سُلّم السلم الأهلي، حتى باتت الأرواح الساكنة تغادر أماكنها، لعلها تنجو من سحبها بالقوة أو بسحر "ساعر". ففي الحرب، كل الأسعار ترتفع، وجنون الاستغلال يستعر، إلا الإنسان ينهار سوقه ويزداد سوؤه.
ولعل حرب تموز 2006 تأتي علينا بأمثلة حيّة تلسع الذاكرة بمشاهد قاسية مجمّدة في البال، ترافقها أصوات تجرُّ أحبالها لعلنا من خلالها نستطيع استعادة لحظات غابرة.
كانت الساعة تقارب السادسة صباحاً، حين بدأت أحلل ما إذا كان الذي سمعته أضغاث أحلام، أم هي زيارة مفاجئة لحقيقة مغفّلة على غفلة. لكني أذكر أنني نهضت من السرير على وقع صدمات صوتية جعلتني أستيقظ واقفاً من دون المرور حتى بمرحلة التمدد والجلوس قليلاً على حافة السرير. خرجت أنا والعائلة إلى الفناء لنرى بأم العين سحب دخان تتصاعد وكأنها صورة للحرب ترتدي فستانا وترقص متباهية، ترفع يديها وتحركهما إيذاناً ببدء حفلة "بلاهة" العدو. بعد ذاك، ركضت أمي وأحضرت كل ما يمكن إنقاذه من أوراق ثبوتية، وأقرّت بأن نستعد للنزول إلى منزل الجيران، لعلنا نستأنس وإياهم ونستعد معاً لرحلة في باص فقد سائقه السيطرة عليه عند سرعة 140 كلم/ س. فبين خبر عاجل ونقل مباشر، جاءنا البيان وسقطت ورقة السلم برصاص المناشير. أوراق تتطاير لتفتح النار على السكينة، آمرة أهالي الضاحية بالإخلاء. نعم، لم يكن لدينا سوى تصديق الأمر بالإخلاء ممن لم يكونوا يوما على الموت بخلاء.. فقد أمضينا ليلة فيها أصوات من كل الضروب.. أناس يركبون سياراتهم مغادرين، أناس يركضون في الشارع لعلهم ينجون من غارة العدو المجنون، آخرون يتسمّرون أمام الشاشات لعل النشرة تعلن أن ما حصل هو نسخة تجريبية لمشاهد فيلم سينمائي جديد. لكن، كل ذلك كان حقيقة.. في اليوم التالي، تركنا منزل الجيران في ضاحية بيروت قاصدين بيروت بعينها، فلما وصلنا إلى منزل أحد الأقارب ووضعنا أغراضنا، شعرنا بالأمان جسدياً، لكن النفسية لم تكن على حالها. إنه الاشتياق للحي الذي على الرغم من تواضعه قياساً بالحي الذي قصدناه للنجاة من حصاد موسم الموت، إلا أن الروح تميل الى مسكنها الأول. توالت الأيام وكنا بمتابعة دائمة ومستمرة لكل التطورات والقرارات. فقد كنت، صدقاً، أنتظر قراراً أممياً يأذن لنا بالعودة إلى البيت. لم يكن يعنيني شيء وأنا في سن الخامسة عشرة، إلا أن أعود إلى مكان هربنا منه، لكننا بقينا عالقين فيه. صورنا، كتبنا، وساداتنا، أكلاتنا اللذيذة وغيرها من توابعنا. ولا أبالغ إن قلت إنني اشتقت للسرير الذي اهتز بي حين جاءت رسالة "الأمر بالإخلاء".
وفي واد آخر، علت صيحات الاستغلال من بعض التجار الذين رفعوا الأسعار بشكل جنوني، حتى بات النازح أسيراً لدى عدو يحكي لغته. أذكر أن إحدى قريباتي زارت أحد المحال التجارية لشراء الملابس، فحين كانت تمازح البائع طالبة منه تخفيض السعر لأنها من النازحين، أجابها بلؤم: "لأنكن نازحين بدي زيد السعر". طبعاً هذه ليست صورة معممة، فذاك البائع كان مجرد بخيل شرير لا يمثل سوى طمعه. وفي شق منفصل، لا يمكننا إلا أن نطل على وجه إنساني بارز خلال الحرب. نشطت، كما أذكر، حملات شبابية تطوعية ساهمت في تأمين مسلتزمات حياتية مختلفة للنازحين في كل المناطق، ناهيك بحملة لتنظيف الأحياء من مخلفات الفوضى والركام جنباً إلى جنب مع المؤسسات المعنية، أهلية وحكومية.
بعد انقضاء الإجازة المرضية للسلام، عادت الأمور إلى طبيعتها، وعدنا الى أماكننا المهجورة في أعقاب حرب أتعبتنا وأمعنت في منحنا تجربة لجيل بأكمله عايش حرباً بمشاهد ضبابية حين كان صغيراً، وحرباً أخرى عالية الجودة في سن يستطيع فيه تمييز كل شيء بمهارة تحليلية وفكرية عالية.
وبين التطبيل والتقريع، التمجيد للانتصار وتمييعه، استغلال بعض الناس للناس، واستماتة آخرين ليحيا الآخر، يبقى أن نؤكد أن الحرب تفضح هشاشة العدو وتفسح في المجال أمام اكتشاف مواهب أعداء جدد استثمروا في الحرب لتنمية مهاراتهم.
تعليق: