حارة الشرف.. حكاية صمود فلسطيني في وجه التهويد (صور)

25 يوليو 2016
الصورة
تحولت الحارة إلى ما يشبه قلعة محصنة (العربي الجديد)
+ الخط -

ظل المواطن الفلسطيني عبد الرحمن أبو اسنينة، صاحب أقدم مخبز في "حارة الشرف" في بلدة القدس القديمة، أو التي استُبدل اسمها بـ"حارة اليهود"، بعدما طُرد سكانها من الفلسطينيين إبان الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، صامدا في وجه المستوطنين وقوات الاحتلال.

أبو اسنينة يخوض يومياً صراعاً مع غلاة المستوطنين، ويتجدد باستمرار في المناسبات الدينية اليهودية، حيث يُهاجم مخبزه من قبل هؤلاء، وتُقلب بسطات الخبز والكعك المقدسي المعروضة أمام مخبزه، بينما إعلانات وفتاوى مقاطعة فرن أبو اسنينة تظل قائمة ومشهرة، ويجدد الحاخامات تأكيدها، حين يشتد الصراع في القدس المحتلة بين أهلها الشرعيين، ووافدين إليها يسكنهم التعصب والتطرف وكراهية كل ما هو عربي.

في حديثه لـ"العربي الجديد"، يقول المواطن أبو اسنينة: "يمنعون خبزنا عن موائدهم، بل يحاربوننا علانية، لا يريدون بقاءنا هنا، نحن الوحيدون ممن تبقوا في حارة الشرف، بعد تهجير قاطنيها إلى مخيم شعفاط شمالي القدس، وضاحية البريد شمالا، فتحولوا إلى لاجئين للمرة الثانية".

يدير أبو اسنينة المخبز رفقة أبنائه، ومنه تخرج أنواع مختلفة من الكعك المقدسي و"القرشلة"، إضافة إلى الخبز إلى المطاعم والمحال التجارية في أنحاء البلدة القديمة من القدس، حيث يشتهر هذا المخبز بجودة كعكه وخبزه. لكن مستوطني الحارة من اليهود المتطرفين يمقتونه بشدة ويحاربونه في لقمة عيشه، ولطالما ضغطوا على بلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس ودائرة الصحة لإغلاقه.

يدير المخبز رفقة أبنائه ( العربي الجديد)


كان لا بد للفلسطيني صاحب الفرن، وهو يواجه هذه الحملة العنصرية من محاولات الطرد والاقتلاع، أن يحدث تغييرا جذريا في شروط الصحة والسلامة العامة في مخبزه، ووفق ما حدد له من مواصفات من قبل بلدية الاحتلال. كان ذلك مكلفا للغاية. ورغم ذلك قام بما هو مطلوب منه، وطابق مخبزه جميع شروط النظافة والصحة والسلامة، وظل عنوانا لحكاية مقدسي ما زال صامدا مرابطا وحده.

ليس بعيدا عن مخبز أبو اسنينة، مسجد مهجور يمنع الأذان فيه، تديره إدارة الأوقاف ويحمل اسم مسجد عمر بن الخطاب، ولعل المسجد والمخبز الشاهد الوحيد على ما تبقى من حضارة وعمارة عربية إسلامية.

فيما تحولت "حارة الشرف" إلى ما يشبه قلعة محصنة يعبرها المستوطنون اليهود، ويقيمون فيها، وغالبيتهم من اليهود الأميركيين، الذين وفدوا إلى المدينة المقدسة من ولايات أميركية مختلفة، وقرروا الاستيطان الدائم فيها لاعتبارات إيديولوجية وقومية متطرفة.

كانت هذه الحارة على الدوام، وبعدما طرد سكانها الفلسطينيون منها عشية حرب عام 1968، معبراً ومساراً لآلاف المقدسيين القاطنين داخل البلدة القديمة أو الوافدين إليها، يمرون منها إلى المساجد والكنائس، أو خروجاً من حاراتها وأسواقها المختلفة إلى أحياء القدس الجنوبية والحارات خارج أسوار البلدة العتيقة في سلوان، والثوري، وحي باب المغاربة المتاخم للسور القديم للبلدة القديمة.

يقول أحمد محسن الخليلي، وكان قبل عام 1967 أحد سكان الحارة: "هنا كانت لنا عين ماء، ومن عين الماء هذه، كان والدي أبو أحمد وشريكه أبو عثمان يوزعان الماء على منازل البلدة القديمة ومحلاتها، كانا يعرفان بالسقائين. صودرت عين الماء، وشيدت مكانها مبان جديدة، وتحولت مخازن تتبع للعين إلى محلات تجارية، وأقيم في المكان سوق يهودي كبير يعرف بسوق كاردو، نزع من تجار البلدة القديمة بركات الأسواق جميعا".

تعود إلى أحد أكابر رجالات القدس (العربي الجديد)


ذات يوم، حضر أحمد ومعه أبناؤه وقد عبروا ليتعرفوا على الحارة العتيقة حيث وُلد، وكان لا بد أن يطلعهم على عين ماء الجد في "حارة الشرف"، ومن نافذة المخزن الملحق بالعين أشار أحمد إلى زوايا في المخزن، كان والده الراحل يعلق عليها معطفه ومفاتيح المخزن، والدلال السوداء وحمالة دلال الماء.

لا يخفي الرجل حزنه، وهو يستحضر تلك الأيام، حين كان يساعد والده، ويخرج معه فجرا لينجزا المهمة، ويوصلا طلبيات الماء إلى البيوت والمحال، "لقد تغيّر كل شيء، سرقوا المكان، ولم يبقوا على حجارته كما كانت، ومات صاحب المكان، ولم يعد لنا منه إلا ذكراه الجميلة"، يقول أحمد.

ويوضح المؤرخ المقدسي طاهر النمري، أن تسمية هذه الحارة بـ"حي الشرف"، تعود إلى أحد أكابر رجالات القدس ويُدعى شرف الدين موسى، وعرفت ذريته ببني شرف، في حين عُرفت منطقة سكناهم قديما بحارة الأكراد ثم سميت بحارة العلم. وشمل الشرف العديد من الحارات، أبرزها حارة الحيادرة والصلتيين وحارة سوق البطيخ والشاي وحارة الريشة وحارة صهيون وحارة اليهود. وكان غالبية سكان الحي من المقدسيين الفلسطينيين، وعاش إلى جانبهم عدد محدود من اليهود.

في الحارة الفلسطينية العتيقة، عدا المخبز والمسجد، تنتصب أيضاً أقواس كبيرة لمبنى ضخم، ظلت قائمة لتكون شاهدة على هوية المكان وأهله، تنتصب الأقواس لتتاخم الفرن وتقابل المسجد من مسافة ليست بعيدة، تفضي أزقتها إلى درج قديم يوصل إلى شارع السلسلة، يعرف باسم "درج الطابونة"، ناله الطمس والتغيير أيضاً. لكن جغرافية المكان ظلت صامدة رغم تغير السكان وتبدل الأحوال.

وجوه من أهل القدس العتيقة ما زالت تحتفظ بدقائق تلك السنوات وتفاصيلها، وهي في حالة من صمود ورباط، تعاند من جلبوا وزرعوا عنوة في المكان، حيث ينشط سارقو العقارات من جمعيات الاستيطان. لقد جلبوا إلى المكان "إيلي"، مستوطن يهودي لا ينفك يتحرش بجاره الفلسطيني سعيد الصالحي. فيما يتجنبه آخرون ولا يحتكون معه، "لا يمكن التعايش مع هؤلاء"، يقول الصالحي، وهو يشير إلى إيلي: "أحضروه إلى قلب السوق ليستفزنا".

في شهر رمضان لهذا العام، فرض الاحتلال قيودا على المقدسيين منعوا بموجبها من العبور عبر "حارة الشرف"، سواء إلى أماكن عباداتهم أو إلى أماكن العبادة لـ"دواع أمنية". وما زالت القيود مفروضة على بعض الفئات من المقدسيين خاصة الشبان.