جيمس جويس وإيتالو سفيفو: صورة الفنان صديقاً

جيمس جويس وإيتالو سفيفو: صورة الفنان صديقاً

07 اغسطس 2016
الصورة
(الصورة من ملحق "التايمز" الأدبي، العدد الأخير)
+ الخط -
سيرة مزدوجة ومدهشة وضعها الكاتب المسرحي والروائي البريطاني ستانلي برايس (1931) في كتاب حمل عنوان "جيمس جويس وإيتالو سفيفو" (سمرفيل بريس)، صدرت حديثاً مع عنوان فرعي متواضع "قصّة صداقة"، وحملت مضموناً نثرياً خفيف الظل مليئاً بالمعلومات ومكتوباً بأناقة، عن سيرة الكاتبين من الولادة إلى الموت.

التقى كل من جويس (1882-1941) وسفيفو (1861-1928) أول مرة عام 1907 في مدينة ترييست، والتي كانت ميناء بحرياً للامبراطورية النمساوية المجرية آنذاك. كان سفيفو يهودياً يتحدث الإيطالية ويحمل جواز سفر نمساوي، حصل عليه لأصول أسلافه الألمانية المجرية. لاحقاً، سيصبح سفيفو مشهوراً بشكلين، بوصفه ملهماً لأشهر أبطال أعمال جويس، شخصية ليوبولد بلوم، وكأول كاتب إيطالي حداثي يستخدم المونولوغ الداخلي. كرجل أعمال ناجح في الشركة البحرية للدهان التي تملكها عائلة زوجته، كان سفيفو حريصاً على تحسين محادثته بالإنجليزية، وجويس وقد وصل إلى تريست عام 1905 بصحبة نورا بارناكل، في مقام زوجته (فلم تصبح زوجته رسمياً حتى عام 1931)، كان يعمل أستاذاً للإنكليزية في مدرسة "بيرليتز" للغات، وبالكاد يكسب قوت يومه، ويشرب بمعظم ما يجني.

كان جويس في الخامسة والعشرين وسفيفو في الخامسة والأربعين، وكان صاحب "ًصورة الفنان في شبابه" يتوقع أن يكون أمام رجل أعمال ممل وبليد، لكنه سرعان ما اكتشف أنه في الحقيقة أمام كاتب يحمل معرفة تثير الإعجاب بالأدب الأوروبي ويتحدث عدة لغات. بالمقابل، كان سفيفو مسروراً بأن يعلم وأنه بالرغم من عشرين سنة من الفرق في العمر، فإن معرفة جويس الأدبية كانت شاملة، إن لم تكن أغزر من معرفته هو نفسه.

وفي وقت قصير، تكونت صداقة ونمت ودامت حتى آخر أيامهما، كانت التماثلات بين حياتي جويس وسفيفو تلفت النظر حقاً؛ كلاهما عاشا في عائلتين ثريتين تدهور مستواهما الاجتماهي والاقتصادي بشكل مروع (تجربة يتقاسمانها، كما يذكر الكاتب، مع شكسبير وتشارلز ديكنز)، كلاهما كان له شقيق مقرب منه، يحتفظ بكتابات شقيقه ويعتني بها، كلاهما مدخن من العيار الثقيل، كلاهما موهوب في تعلم اللغات، وكلاهما اختار رفيقة شابة أجمل ما في كل واحدة منهما تسريحة شعرها، وكلاهما أنتج إصداره الأول قبل عيد ميلاده العشرين (رغم أن طريق كل منهما في تحقيق النجاح الأدبي كان متعرجاً وبطيئاً)، وأي منهما لم يكن متديناً.

بالقدر نفسه كانا مختلفين على نحو ملحوظ في مظاهر بعينها من شخصية كل منهما. سفيفو كان كريماً وطيباً ومتواضعاً، لكن الشكوك كانت تملأه بخصوص قيمته الأدبية، ويمكن القول إنه كان يعاني مما أطلق عليه "عقدة النقص" والتي وجدها في مبادئ فرويد ويونغ الجديدة آنذاك في التحليل النفسي، واستخدمها كوسيلة لفهم نفسه الداخلية. كان مصاباً بالوساوس، ويخبرنا برايس، أنه كان شديد المخاوف يعاني من فوبيا أن يتم دفنه حياً. بالمقابل كان جويس واثقاً كبيراً من عبقريته وهو ما زال يافعاً، إضافة إلى موهبته في إقناع الآخرين أنه عبقري، وقد تفاقمت قلة اهتمامه بمظهره وبما يحيط به بسبب شغفه بالكحول الذي ورثه عن أبيه. أما عناده فكان أسطورياً، مثلما كانت قدرته على اقتراض النقود، والتي نادراً، إن لم يكن أبداً، ما سددهاً لأصحابها.

كتب ستانيسلوس شقيق جويس عن أخيه الصعب الطباع عام 1903: "قلة من الناس سيحبونه. أعتقد، بالرغم من ميزاته وعبقريته، فأيا كان من سيتبادل معه الرقة والطيبة سيكون قد حصل على أسوأ صفقة على الإطلاق".

يحتاج الأمر لشخص شهم ونبيل مثل سفيفو ليدرك أسوأ خصال جويس، بينما يستمر في تقديم النقود والدعم العملي للكاتب الشاب وعائلته. بالمقابل يوفر جويس لسفيفو المضطرب والمفتقد للشعور بالطمأنينة أكبر تشجيع نفسي يحتاجه لكي يكتب. الاعتراف العالمي بروايات سفيفو لم تتحقق حتى آخر سنوات حياته، لكن جويس كان المحرّض على إثارة اهتمام مجموعة من النقاد الباريسيين المؤثرين برواية سفيفو "ضمير زينو"، التي صدرت سنة 1923، ما وضع صديقه أخيراً على طريق النجومية الأدبية.

الأقسام المكتوبة عن عمل جويس في الكتاب، بشكل خاص، توفّر مقدمات ممتازة ذات رؤية واضحة لأعماله الأهم. السياسة والتاريخ حاضرتان أيضاً في كتاب برايس، من خلال الفصل الذي خصّصه لحياة الكاتبين أثناء الحرب العالمية الأولى، وما كتبه كذلك عن الحرب البيضاء، وهي معركة كبيرة تم تجاهلها في تلك الحرب، وقد وقعت على الحدود الإيطالية النمساوية، حيث "قاتل معظمهم في أجواء مثلجة في جنوب جبال الألب".

أدرك كاتب هذه السيرة، أن التفاصيل اليومية وبعض الحس الفكاهي اللطيف يمكن أن يجذب القارئ أكثر من التنظير المتكلف. يذكرنا برايس كم من كتابات في حياة جويس الفقير ألفها في الغرفة الضيقة الواحدة تلو الأخرى، يفتح حقيبة ويستخدمها كمكتب، ويرتدي سترة بيضاء دائماً "معتقداً أنها تعكس ضوءاً أكثر على الصفحة".

يلقي برايس الضوء على مجموعة من الكتّاب الكبار الذين تواصلوا بشكل ما مع جويس، بروست، همنغواي، برنارد شو، إليوت، وولف، شتاين، ييتس، ويليس، ويكشف في كل حالة حكاية أو رسالة أو لقاء. سنعرف أن برنارد شو في رسالة إلى سيلفيا بيش كتب يتحدث عن "يوليسيس": "في أيرلندا يحاول الناس جعل قط ينظف بأن يفركوا أنفه في قذارته. لقد حاول جويس فعل الأمر نفسه مع الإنسان. وأرجو أن يثبت أنه نجح في ذلك". بينما كتب ويليس تعليقاً لاذعاً لجويس نفسه: "عملاك الأخيران كانا أكثر إثارة للكتابة مما سيكونان للقراءة". كما سنعرف أن الكلمات القليلة الأخيرة التي قالها سفيفو ستنتهي على النحو التالي: أرجوكم: لا قساوسة ولا حاخامات.

المساهمون