جورج طرابيشي: مغامرة تحرير العقل العربي

18 مارس 2016
الصورة
طرابيشي في بورتريه لـ سعد بن خليف (العربي الجديد)

هل يمكن أن نتصوّر لغة معاصرة لا تحتوي على مؤلفات فرويد مثلاً أو هيغل؟ العجيب أن هذه المؤلفات لم تصل إلى العربية حتى سبعينيات القرن الماضي، كان ذلك بفضل مبادرة الناقد والمترجم والمفكّر السوري جورج طرابيشي (حلب 1939 - باريس 2016)، الذي رحل عن عالمنا أول أمس. لم تكن تلكَ المساهمةَ الفارقةَ الوحيدة له، فقد اتخذ موقعاً تتقاطع فيه مجالات عدة.

الناظر في مشوار طرابيشي يعثر على مفارقة، إذ يبدو له كاتباً لا يقول ما عنده مباشرة، أو بعبارة أدق لا يقول ما عنده إلا استناداً إلى غيره، ولعله طوّع الأمرَ وصولاً إلى الإدلاء بما يريده ضمن فسيفساء مشروع متشعّب نعثر عليه هنا وهناك؛ من خلال الترجمة أو من خلال تفكيك مركّبات الثقافة العربية عبر نقد رواياتها ثم مفكّريها، ما تجلى خصوصاً مع المراجعة التي خصّصها لمؤلَّف محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي"، وأخيراً، ربّما، عبر الصمت الإرادي الذي فرضه على نفسه منذ أفسح "الربيع العربي" عن نصفه المظلم، وفي بلده بالذات.

تبدو هذه المستويات من سيرته مثل طبقات تراكمت بعضها فوق بعض، لتُفضي كل طبقة إلى ما يليها في ما يشبه الدوائر التي تتوسّع وتحتوي بعضها. فدراسة الأدب العربي في الجامعة السورية أدّت به إلى الوظيفة العمومية، حيث عمل في إذاعة دمشق ثم أدارها لسنتين، قبل أن تُكرهه تضييقات السياسة وضرورة اتخاذ مسافة لحرية الفكر، إلى التوجّه إلى بيروت حيث حرّر مجلات فكرية، وانصهر في الحياة الثقافية العربية ملامساً قضاياها ومشاغلها، وقد نشر بعض المؤلفات السياسية، ثم أجبرته الحرب الأهلية اللبنانية على الهجرة إلى باريس.

لعل مهامه التحريرية أتاحت له أن يرى نواقص "المكتبة العربية". وفي مستقرّه الجديد، ازداد احتكاك طرابيشي بالفكر الغربي، كما أتاحت له المسافة الجديدة أن يرى المشهد العربي بوضوح أكبر. كثيراً ما يفسّر طرابيشي خياراته بتفاصيل شخصية، وكذلك هو الأمر حين قرّر استقدام أدوات التحليل النفسي إلى مكتسباته ونقلها إلى العربية، حيث واظب على ترجمة أعمال سيغموند فرويد. لكن طرابيشي فعل أكثر من ذلك، حيث جعل لفرويد أسلوباً خاصاً به في العربية.

على مستوى الترجمة أيضاً، آمن طرابيشي بضرورة نقل تاريخِ فلسفةٍ حديث إلى العربية، فخصّص سنوات لترجمة الأجزاء الثمانية من آخر تأريخٍ فلسفي شهدته الساحة الفرنسية (إميل بريهييه). كما وفّر للعربية مرجعاً آخر حين ترجم "موسوعة علم الجمال الهيغلي".

الشوط الفلسفي والتحليل - نفسي الذي قطعه طرابيشي تمخّض عن قراءات في الأدب العربي المعاصر، كمستوى أول لدراسة الخطاب الذي تنتجه الثقافة العربية، كانت هذه الخطوة أشبه باستئناف لاختصاصه الأصلي. لعل ثقافة التحليل النفسي تسرّبت إلى العالم العربي عن طريق النقد الأدبي المواظب الذي خاضه طرابيشي أكثر من أي قناة أخرى، وخصوصاً أنه اشتغل على أكثر الأعمال الأدبية شعبية، كمؤلفات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وعبد الرحمن منيف.

سرعان ما سيعمّم طرابيشي اشتغاله على الرواية مُكرّساً زوايا نظر جديدة للإشكاليات الفكرية المطروحة ثم مطوّراً لإجابات مختلفة حولها. عند هذا المنعطف، والذي بدأ بكتاب "المثقفون العرب والتراث: تحليل عصاب جماعي" (1991)، حرص وهو ينتقل إلى وضع أعمال المفكرين على أريكة التحليل النفسي أن لا تكون أدواته مجرّد تطبيق لقواعد جاهزة.

قاده تشخيص هذا "العصاب الجماعي" إلى "مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة" (1993)، حيث يبيّن أن حرب الإيديولوجيات التي ظهرت في الستينيات على الساحة السياسية باتت تدور حول التراث بعد ذلك، حيث تقصّى ما تأخذ مختلف التيارات الفكرية منه وما تترك، مفسّراً التشويهات التي باتت تطاله.

كان الجابري نموذجاً لأحد مقدّمي القراءات في التراث، وسيخصّص المفكر السوري أكثر من عقدين لنقد عمله "نقد العقل العربي"، ما سيتضمّن - إضافة إلى قراءة مستفيضة في التراث العربي الإسلامي - تقديم رؤية لمسار تاريخ الحضارة العربية وتقييماً له، ثم وضع نظريات حول ميكانيزمات إنتاج لنفسه.

لم تحظ الثقافة العربية بأعمال موسوعية تتجاوز البعد التجميعي، غير أن العقدين الأخيرين من القرن العشرين سيشهدان عملين من هذا المستوى، وهما إلى جانب موسوعة أحمد أمين عن تاريخ الإسلام، الموسوعات العربية الثلاث الوحيدة في العصر الحديث، كما يقول بذلك عبد الرزاق عيد.

وقوف طرابيشي على نتائج أطروحة الجابري، وخصوصاً على مَراجِعه، قادته إلى مغامرة تدقيقية في التراث القديم، ليس العربي فحسب بل كل المؤثرات التي تداخلت معه، وهو مشروع اعتبر طرابيشي أنه قاده إلى إعادة بناء ثقافته، مشيراً إلى مديونيّته بذلك إلى الجابري رغم الوقوف معه على طرفي نقيض في تمثّل "العقل العربي".

إذا كان الجابري قد ذهب إلى تفصيل أجزاء من هذا العقل (بياني، برهاني، عرفاني من جهة، وعقل مشرقي وآخر مغربي من جهة أخرى)، فإن طرابيشي اشتغل على إعادة بناء وحدة هذه العقول. وإذا كان الأول يُرجع خروج العقل العربي من عملية البناء التاريخي إلى عوامل خارجية، فإن الثاني يُحمّل العقل العربي مسؤولية "استقالته من التاريخ". تحميل المسؤولية هذا يرى فيه طرابيشي الرهان الذي يقود إلى انتفاضة هذا العقل على نفسه وإعادة تأسيس مشروعه الحضاري.

ينتهي نقد طرابيشي به إلى تقديم أبرز أطروحاته، حيث تبيّن له المنعرج التاريخي الذي توقّف فيه العقل العربي، وهو الانتقال/ الانقلاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (2010)، حين جرى تجميد كل إمكانيات التحرّك بتضخيم المرجعيات الثابتة في الإسلام، بعد أن كانت منحصرة في القرآن وحده، لتصبح النصوص مسيّرة لكل شؤون الحياة ومتعالية عليها، وتُدخل الحضارة العربية الإسلامية في حالة تكرار لا ينتهي.

أطروحة أخرى تضمّنها كتاب "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام" (2008)، حيث يشرّح طرابيشي آلية ديمومة استقالة العقل العربي حتى اليوم. يشير هنا إلى أن الإسلام تخلّى عمّا ميّزه عن الديانات الأخرى بغياب المعجزة النبوية، ليفرضها لاحقاً الفقهاء على الأمة. تحوّلُ الإسلامِ إلى دين معجزات أفقده الطاقة التي كان يحرّك بها تاريخه ويدفعه إلى الأمام.

المخرج بالنسبة لطرابيشي هو "ثورة كوبرنيكية" تقوم على "الانقلاب على منطق المعجزة" التي توهم بعدم الحاجة إلى المعرفة للسيطرة على الطبيعة والتاريخ، غير أنه يلاحظ أنه في الوقت نفسه الذي تطلق فيه هذه الدعوة، تظهر دعوة مضادة تنكر ضرورة هذه الثورة. إنه المشهد الختامي لمدوّنة جورج طرابيشي، وهو شبيه بالمشهد التاريخي الذي تعيشه المنطقة العربية، وقد أغمض عينيه عليه إلى الأبد قبل أن تلوح نتائج هذه الجدلية المتوترة. لعله سوء حظ التاريخ العربي.


اقرأ أيضاً: أشكال الصمت

دلالات