جنّة اليمن... مواطنو الأرياف يحلمون بالانتقال إلى صنعاء

جنّة اليمن... مواطنو الأرياف يحلمون بالانتقال إلى صنعاء

03 فبراير 2020
الصورة
محرومون من كثير من الخدمات الأساسية (عيسى أحمد/فرانس برس)
+ الخط -
المشاكل الكثيرة التي تعاني منها العاصمة اليمنية صنعاء، لا تغيّر من رغبة القاطنين في الأرياف بالانتقال إليها وكأنّها جنّة. على الأقل، أو هكذا يعتقدون، أنهم قد يحصلون على الحد الأدنى من الخدمات، من كهرباء ومياه وطبابة

يُعدّ سكّان الأرياف في اليمن محرومين من الكثير من الخدمات الأساسية التي قد تتوفر في المدن الرئيسية، مثل الطاقة الكهربائية والمياه النظيفة والطرقات والصحة والتعليم. ويبذل الأهالي في المناطق الريفية، حيث يعيش غالبية سكان اليمن، جهداً مضنياً للحصول على بعض الخدمات العادية، والتي قد يحصل عليها السكان في المدن بكل بساطة، بحسب المواطن محمد المطري، وهو من سكان مديرية بني مطر، أكبر مديريات محافظة صنعاء. يقول: "إذا مرض أحدنا في القرية لا يمكنه الحصول على العلاج المناسب أو حتى تشخيص مرضه في المركز الصحي القريب، ويُطلَب منه الذهاب إلى العاصمة صنعاء". ويشير إلى أن هذا الوضع يكلف المواطنين جهداً ومالاً.




يضيف المطري لـ"العربي الجديد": "لا يوجد أطباء متخصّصون، ولا أجهزة متطورة تساعد في الكشف عن الأمراض. وحتى أتمكّن من الوصول إلى مستشفى الثورة في صنعاء، أضطر إلى اقتراض المال وترك مزرعتي والسفر، وأبقى عند أقرباء لي. أحياناً، يتضرّر المريض بسبب تأخّر العلاج"، لافتاً إلى أن بعض المرضى يتوفون قبل الوصول إلى المستشفيات في مدينة صنعاء.

خوف من المرض
من جهته، اضطرّ المواطن علي عاطف إلى قطع أكثر من 180 كيلومتراً للوصول إلى العاصمة صنعاء لنقل شقيقه الذي تعرض لحادث مروري في الطريق الذي يربط بين المحويت والحديدة، غرب اليمن، إلى المستشفى. يقول لـ"العربي الجديد": "وصلنا إلى صنعاء في اللحظات الأخيرة، ولو تأخرنا لتوفي بسبب النزيف. هذا الوضع مستمرّ لأن المستشفيات والمراكز الصحية في منطقتنا غير قادرة على استقبال المرضى". ويسأل: "متى سنعيش مثل بقية الناس، ولا نخشى من الإصابة بالأمراض، وتتوفّر لدينا مستشفيات قادرة على إنقاذ حياتنا وطرقات آمنة؟".

وتتمنّى أميرة عبد الخالق (اسم مستعار)، الانتقال للعيش في صنعاء حتّى تتوقّف عن حمل المياه يومياً على رأسها من مناطق بعيدة إلى المنزل. تقول: "في صنعاء، المياه تصل إلى البيت، ومن دون أي عناء أو تعب. لكنّني هنا أضطر إلى قطع مسافة طويلة لجلب المياه في غالون أرفعه على رأسي. أشعر بآلام شديدة في الرقبة والظهر بسبب هذه المهمة اليومية".



وترى عبد الخالق أن الحياة في المدينة أكثر راحة ورفاهية. "كلّ شيء متوفر فيها، وتوفر الأسواق كل ما يحتاجه الناس. كما تتوفر الكهرباء والمياه والطرقات الواسعة". تضيف لـ"العربي الجديد": "زرت صنعاء قبل خمس سنوات وبقيت فيها أسبوعين، وشعرت بأنني أعيش في الجنة على الرغم من انقطاع المياه والكهرباء عن المنزل الذي كنت أعيش فيه. لكن بشكل عام، تصل المياه إلى المرحاض والديمة (المطبخ) من دون عناء. وهذه نعمة تشعرك بأنك في الجنة".

لا تخصّصات
أما الطالبة ليلى محمد (اسم مستعار)، فاضطرت إلى الالتحاق بكلية التربية في محافظة المحويت (غرب)، بعدما فشلت في إقناع والدها بالسماح لها بالانتقال إلى صنعاء لدراسة برمجة الكومبيوتر في كلية الحاسوب والمعلومات التابعة لجامعة صنعاء. تقول لـ"العربي الجديد: "لم يسمح لي والدي بالعيش في صنعاء بهدف الدراسة. الفتيات في عائلتي لا يعشن بعيداً عن منازل أسرهن لوحدهن. وللأسف، هذا التخصص غير موجود في المنطقة التي أدرس فيها. لذلك، يبدو أني سأستسلم وأدرس أي تخصص في كلية التربية في المحويت". وترى أن النساء هن الأكثر تضرراً من ندرة الخدمات في المناطق الريفية والنائية. "كثير من الفتيات اللواتي يعشن في المناطق النائية يحرمن من التعليم لعدم توفر مدارس خاصة لهن في مناطقهن"، مشيرة إلى أن النساء يعانين كثيراً من عدم توفر المراكز الصحية والمواد الغذائية المناسبة.




إلى ذلك، يقول المواطن صالح عبد الرحمن، وهو من سكان مديرية وصاب الجبلية بمحافظة ذمار، وسط البلاد، إن "سكان قرى مديرية وصاب يعانون ظروفاً إنسانية صعبة للغاية من جراء غياب الخدمات الأساسية والمشاريع التنموية عن المنطقة". ويوضح عبد الرحمن لـ"العربي الجديد"، أن "السكان يضطرون بمعظمهم إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لساعات في أرض وعرة لعدم توفر السيارات ذات الدفع الرباعي لتنقلهم بشكل مستمر إلى مركز المديرية للتسوق وشراء المواد الغذائية أو للعلاج". ويطالب الحكومة اليمنية في صنعاء بسرعة شق ورصف الطرقات في المديرية للتخفيف من معاناة السكان، ولا سيما المرضى الذين هم بحاجة للعلاج.

فرص قليلة
في الغالب، تمتاز المدن في اليمن بتوفّر الكثير من الخدمات بالمقارنة مع الريف، وذلك نتيجة وجود فرص عمل وحكومة مركزية في هذه المدن، إضافة إلى المنظمات الدولية والمحلية التي تساهم في توفير مثل هذه الخدمات الرئيسية. في المقابل، تقل الفرص والخدمات كلما ابتعد المواطنون عن المدن، وتحديداً في الأرياف، بحسب مصدر يعمل في مؤسسة تنموية، ويعدّ خبيراً في المجال التنموي الريفي.



ويؤكد المصدر الذي اشترط عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية كونه يعيش في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيين)، أن الفروقات بين المدينة والريف تتعاظم بسبب أزمة الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى وجود عجز في قدرة المواطن الريفي على توفير مصاريف الانتقال إلى المدينة وتحمله كلفة التطبيب والتعليم والسكن فيها. ويقول: "كثير من الريفيين يحبون الانتقال إلى المدينة للاستمتاع بخدماتها. لكن هناك هموماً كثيرة تجعلهم يبقون في القرية، مثل انعدام وجود فرص عمل في المدينة، ووجود الأراضي الزراعية التي يعملون فيها ومنازلهم في القرية، بينما يُحاول آخرون التكيف قدر الإمكان والانتقال إلى المدينة بسبب توفر الخدمات".

حرمان
يضيف المصدر لـ"العربي الجديد": "هناك براهين كثيرة على حرمان الريف اليمني وسكانه من الخدمات، على رأسها التفاوت في عمل المنظمات الدولية ما بين الريف والمدينة". ويوضح أن أنشطة المنظمات لمواجهة مرض الكوليرا تتركز في المدن بشكل أكبر بالمقارنة مع الأرياف، بل إنها لا تصل إلى المناطق النائية على الرغم من انتشار المرض فيها". ويلفت إلى أن المناطق النائية هي الأكثر تعرضاً لمخاطر الكوليرا "بسبب انعدام المياه النظيفة وأنظمة الصرف الصحي، وممارستهم الكثير من العادات غير الصحية التي تساعد على انتشار المرض بشكل أوسع من المناطق الحضرية".

ويؤكد المصدر أن الحياة في المدينة أكثر جاذبية بالنسبة لسكان الريف، "ولهذا فإن الكثيرين منهم يأتون إلى المدن ويسعون إلى التسجيل في منظمات المجتمع المدني الدولية، بحجة أنهم نزحوا إلى المدن بسبب الحرب". ويشير إلى أن النزوح في اليمن "لا يقتصر فقط على الحرب، لكن بسبب أضرار أو تأثيرات الحرب، مثل انعدام الخدمات في القرى، يضطر المواطنون إلى النزوح. وهذه ظاهرة موجودة منذ ما قبل الحرب في اليمن، وهي من مساوئ منظمات المجتمع المدني التي تشجع أهالي القرى على النزوح إلى المدن نتيجة انعدام عملها في الريف، ولا سيما المناطق النائية".

وأضعفت الحرب اليمنية القائمة منذ نحو خمسة أعوام الريف اليمني اقتصادياً وإنسانياً، أكثر من أي وقت مضى، وساعد في ذلك ضعف جهود الحكومة والمنظمات الدولية في دعم إنتاج الريف، وبالتالي زيادة صمود المجتمعات الريفية في مواجهة آثار الحرب.




ويتركز نحو ثلثي سكان اليمن في المناطق الريفية، غالبيتهم من الفقراء، بسبب شح الفرص الاقتصادية. ويعتمد معظم سكان الريف على الزراعة ورعي المواشي، وهي القطاع الاقتصادي الحيوي الذي يوفر فرص عمل ومداخيل في بلد يحتاج فيه أكثر من 24 مليون شخص (80 في المائة من السكان) إلى مساعدات غذائية، و14 مليون يمني لا يستطيعون الحصول على خدمات صحية مباشرة.

وفي نهاية العام الماضي، أعلنت الأمم المتحدة أن نسبة الفقر في اليمن وصلت إلى 75 في المائة مقارنة بـ47 في المائة قبل بدء الحرب في عام 2014.