جريس القسوس.. ناقد أردني طُويت مخطوطاته

09 يوليو 2020
الصورة
(جريس القسوس، صورة من عائلته خاصة بـ"العربي الجديد")

في العدد (207) من مجلة "الرسالة" الأسبوعية الصادر في حزيران/يونيو عام 1937، يكتب الناقد والمترجم الأردني جريس القسوس (1913 - 1969) مقالاً بعنوان "شكسبير والأدب العربي"، يناقش فيه رواية تفترض انتشار قصص وخرافات نقلها الفرنجة عن الفلاحين والعوام في الشرق بعد عودتهم إلى أوروبا، موضحاً أنه لا يتثبت صحّة هذه النظرية، لكنه يقف عند بعضها في روايات شكسبير التي تذكّره بأخرى شبيهة في الأدب العربي.

مدرّس اللغة الإنكليزية في مدرسة السلط التجهيزية؛ التعريف الذي اختاره الكاتب لنفسه أسفل المقال، يشير إلى قصة زرقاء اليمامة كما رواها صاحب الأغاني، وتشابهها مع رواية "مكبث" للشاعر والمسرحي الإنكليزي (1564 – 1616) عبر المقارنة بين الحكايتين اللتين تتحدثان عن جيش اقتلع أشجاراً وسار متستّراً بأغصانها، فظنه مكبث كما الزرقاء غابة، فأُخذ الاثنان على حين غرّة ولقيا حتفهما بعد هزيمتهما.

وُلد الراحل في مدينة الكرك (120 كلم جنوبي عمّان) لعائلة أردنية مسيحية، وتلقّى تعليمه الابتدائي في مدارسها، ثم نال شهادة الثانوية العامة من "مدرسة الفرندز" في رام الله، حيث حصل على بعثة حكومية للدراسة في "الجامعة الأميركية" ببيروت، ونال درجة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية وآدابها والدبلوم العالي في أساليب تدريسها، ليبدأ بنشر نصوصه الأولى في عدد من الصحف والمجلّات مثل "الجزيرة" و"الرائد".

يقدّم قراءات لافتة تتسم ببعدها النقدي ومنهجيته كباحثٍ

يضع القسوس الذي عمل في التدريس سنوات طويلة وساهم في وضع مناهج اللغة الإنكليزية في المدارس الأردنية قبل أن ينتقل إلى وزارتي المواصلات ثم الخارجية، دراسة حول الشاعر وليم وردزورث ينشرها على أربع حلقات متتابعة على صفحات "الرسالة" أيضاً، تلفت إلى إلمامه بسيرة حياته، وتطوّر تجربته، وعلاقته مع مجايليه من الشعراء، ومضامين قصائده، وموقعه بين الشعراء الرومانسيين، لكن صياغاتها وأسلوبها يجعلها أقرب إلى مادة تعليمية موجّهة للطلبة وغير المتخصّصين>

لكنه في مقالات أخرى، يقدّم قراءات لافتة تتسم ببعدها النقدي ومنهجيته كباحثٍ ينوّع مصادره مرجّحاً آراء ومستبعداً أخرى، كما في مقالاته "هل ألّف شكسبير رواياته؟" التي استعرض فيها وجهتيْ نظر من ينكر كتابة صاحب "تاجر البندقية" لأعماله الروائية، ومن يقرّ أنه كاتبها، منحازاً لأنصار الرأي الثاني الذي سيكون النجاح حليفها مهما وُجّه لشكسبير من تهم، ويبدو هنا صواب قناعات القسوس، رغم صدور مزيد من المؤلّفات التي تؤيد الرأي الأول.

إلى جانب اهتمامه بالأدب الإنكليزي نقداً وترجمة، يركّز صاحب دراسة "تولستوي والتاريخ" على موضوع التنشئة من منظور فلسفي وفكري، مخصّصاً لذلك مخطوطه الأول بعنوان "مرايا الجاهلية – رسالة في تاريخ التربية عند العرب"، وعدّة مقالات مثل "الضمير الفردي والضمير الاجتماعي"، و"الفروسية والتربية"، إلى جانب دراسة بعنوان "شوبنهور والطبيعة الإنسانية".

غلاف الكتاب

يناقش القسوس في أطروحاته هذه الجدل التاريخي حول التوفيق بين مصلحة الفرد وبين مصلحة الجماعة، وكيف مارست الجماعة سلطتها عبر المؤسسة الدينية ثم الأنظمة المدرسية التي أخضعت عقل الفرد، ووضعت له قواعد وحدوداً ثابتة، ليس له أن يتعدّاها أو يشذّ عنها في حياته الفكرية، والفروسية التي مثّلت تحضيراً لأبناء النبلاء في العصور الوسطى، لتسيّد مجتمعاتهم عبر تعليمهم اللاهوت والأخلاق والسياسة والعلوم الطبيعة، بما يوازي في فترة لاحقة الجامعة كمفهوم ومؤسسة.

يبدو لافتاً انتصار مدرّس وتربوي رحَل في ستينيات القرن الماضي، إلى الضمير الفردي الذي يتمرّد على الجماعة، كما يعبّر عنه شعراء وفلاسفة مثل عمر بن أبي ربيعة وأبي نواس وأوسكار وايلد وجان جاك روسو، موضحاً كيف يمارس المجتمع جبنه حين يظهر احتقاره وازدراءه لأولئك المتمردين، لكن أفراده يكنّون الود والاحترام لهم، ويحبّون قراءتهم، ويزيد على ذلك كلّه بأن الفرد يدرك بالفطرة السامية ما هو خير وشر ويعرف الله مباشرة، وصاحب الضمير الاجتماعي لا يعرفه إلّا بالواسطة.

في كتابه "عبقرية شكسبير" (1960) الذي أعادت نشره وزارة الثقافة الأردنية تحت عنوان "مع شكسبير" عام 2009، يبيّن القسوس كيف انجذب إلى شخصية الكاتب الإنكليزي منذ أن كان على مقاعد الدراسة الثانوية، حين استمع أحد أساتذته يقرأ مقطعاً من مسرحية "هاملت"، يقول فيه: "لكن فوق كل شيء، كن صادقاً مع نفسك/ لأنك لن تستطيع بعد ذلك أن تخدع الناس؛/ وهذا يتبع ذاك، كما يتبع الليل النهار".

ويسلسل في مقدّمته تاريخ "الصداقة" مع شكسبير، كما يسمّيها، ليبدأ بعدها رحلة بحث طويلة من أجل أن يعرّف به أبناء أمّته، مقدمّاً على مدار ثلاثمائة صفحة، رسماً دقيقاً لحياته يمزج فيها بين السرد والبحث العلمي الرصين، وما أثارت أعمال صاحب "الملك لير" من نقد ودراسة تضمّنتها مئات المجلّدات، والجدل الواسع الذي لم ينته حول مصادر أدبه ومكانته، ومعاصريه من الكتّاب مقارناً بين نتاجاته في المسرح خاصة، وبين نتاجاتهم.