جدل العلمانية و"القومية اليمنية" في زمن الحرب

25 اغسطس 2018
الصورة
يُذكّر الجدل الحالي بأجواء مشابهة خلال ثورة 2011(فرانس برس)
+ الخط -
بالتوازي مع المعركة العسكرية في اليمن، تدور مواجهة ساخنة ومستمرة على مواقع التواصل الاجتماعي، محورها علمانية الدولة اليمنية المقبلة. وخلال أيام قليلة، انتشرت آلاف المنشورات والتعليقات حول هذا الموضوع، بعضها مؤيد بقوة للعلمانية، بينما غالبيتها رافضة بحدّة، لكنها تميّزت بأنها نقاشات عابرة للأحزاب والجماعات، بعكس نقاشات أخرى يمكن تمييز الانتماء الحزبي لأصحابها من قراءة مواقفهم من القضية محل الجدل.

هذه النقاشات أعادت اليمنيين إلى أجواء جدل مشابه شهدته البلاد مع انتفاضة الربيع اليمني مطلع العام 2011، ثم خلال مؤتمر الحوار الوطني (بين مارس/ آذار 2013 ويناير/ كانون الثاني 2014)، وقبلها مطلع التسعينيات بعد إعادة توحيد شطري اليمن. لكن النقاشات الحالية أكثر تحرراً من تبنّي مواقف أحزاب سياسية، بعدما أصبحت الحزبية ذاتها فكرة غير مجدية في ظل تراجع العمل السياسي لصالح الصراع المسلح في البلد.

نقاشات قديمة

منذ مطلع التسعينيات، خاض دعاة المدنية في اليمن نقاشات تهدف إلى رفع مستوى الوعي بالحقوق والحريات العامة، وقوبلت تلك النقاشات التي كانت تنشر غالباً على صفحات الصحف، بردود فعل شرسة من قِبل التيارات الدينية، التي ذهبت إلى حد تكفير عدد من الكتّاب والمثقفين علناً. واشتهر عبدالمجيد الزنداني بمعركته التي خاضها لتعديل المادة الثالثة من الدستور اليمني، والتي نجحت بعد حرب صيف 1994، بتعديل نصّ المادة إلى اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع في اليمن، في إطار فكرته المركزة حول "الحاكمية لله" التي ترى الإسلام ديناً ودولة في الوقت نفسه، وأن أي اعتراض على ذلك يمثّل رفضاً لإرادة الله.

وعند خروج شباب الساحات للمطالبة بإسقاط نظام علي عبدالله صالح في 2011، وعلى الرغم من دعم الزنداني لخروجهم ووصفه بأنه براءة اختراع للتغيير السلمي، فقد رفض مبدأ الدولة المدنية لأنها "تتناقض مع الإسلام". وأصدر فضل مراد، المدرّس في جامعة الإيمان التي يرأسها الزنداني، كتاباً بهذا المحتوى، قوبل بالرفض من شباب الأحزاب القومية واليسارية والمستقلين، لأنهم طالبوا بالدولة المدنية وليس بالدولة الدينية.

واستمر التيار نفسه بمواجهة كل دعوة للدولة المدنية، ليُصدر نجل شقيق الزنداني، أحمد عبدالواحد الزنداني، كتاباً بعنوان "الحوار الوطني في اليمن مقترحاً أميركياً"، قال فيه إن مخرجات الحوار تدعو للشذوذ والرذيلة وإقرار زواج المثليين، كما فسر مدلول مصطلح الجندر، وهو الأمر الذي حدث سابقاً من القوى نفسها عند تكفيرها للدكتورة رؤوفة حسن لأنها تبنّت الدعوة لتمكين المرأة، واستخدمت مصطلح الجندر، الذي تفسره هذه القوى دائماً بأنه يدعو للشذوذ الجنسي. فاضطرت حسن لمغادرة اليمن والفرار من عواقب تلك الفتوى، قبل أن تعود كمرشحة لمركز نقيب للصحافيين اليمنيين في 2009، لكنها لم تحصل على دعم القوى الحزبية يومها للفوز.

جدال حاد وفريق ثالث
هذه المرة وعلى طرفي نقيض وبشكل متشدد واستخدام مفردات أكثر حدّة، وقف دعاة العلمانية في اليمن في طرف، ودعاة الدولة الدينية في الطرف الآخر، فاستخدمت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل، توكل كرمان، مصطلح "الدراويش" لوصف أعضاء هيئة علماء اليمن الرافضين للعلمانية، في منشور لها قالت فيه إنها "في هذه الدولة الديمقراطية المعلمنة" ستدافع عن حق "الدراويش" في التعبير وعن حقهم بأن يمتلكوا القنوات ووسائل الإعلام. كما شنّ كتّاب آخرون هجوماً على التيار الرافض للعلمانية من رجال الدين كفتحي أبو النصر ورضوان الهمداني وعبدالرقيب البيدعي وأروى أحمد التي عارضت في الوقت نفسه رفع شعار "العلمانية هي الحل" لأنه تضليل لا يختلف عن شعار "الإسلام هو الحل".

أما الطرف المقابل، فوصف دعاة الدولة المدنية بـ"كهنة العلمانية"، ونشر تهاني عيد الأضحى بصيغة "كل عام والعلمانية تحت الأقدام، في بلادي يمن الإيمان"، كما فعلت أمة الله عبدالمجيد الزنداني، وشقيقها محمد، الذي كتب أن "الموضوع ليس له علاقة بالعلم، بل بالإلحاد". وشنّ ومعه المقداد والحزمي حملة قوية ضد توكل كرمان.

وبين هذين الطرفين، برز فريق ثالث لا يعارض العلمانية من حيث المبدأ، لكنه يرى أن الوقت غير مناسب لمناقشتها في الوضع الراهن لمبررات مختلفة، أو أنه يؤيدها ولكنه يستخدم لغة تهدف إلى تكريس وتوضيح المفهوم أولاً، وهو انجذب إلى مناقشة الفكرة من دون أن يتحوّل إلى طرف ينزلق إلى النيل من كل من يتبنّى فكرة مضادة لرؤيته وتجريحه كشخص. وخاض هذا الفريق نقاشاً حول المفهوم ودلالته وتاريخه، وإمكانية تطبيقه في اليمن، كالكاتب حسين الوادعي، وأستاذ العلوم السياسية فيصل الحذيفي، والصحافي نائف حسان، ومن ألمانيا البروفيسور أيوب الحمادي والروائي مروان الغفوري.

وكتب الوادعي سلسلة من المقالات حول العلمانية كمفهوم، ورأى أن الوعي العلماني حقق إنجازات كبيرة أخيراً، وأن مصطلح العلمانية استعاد عافيته بعدما استطاعت الدعاية الدينية تحويله إلى مصطلح محرّم لعقود، فتحوّلت العلمانية إلى مادة للنقاش العام، معتبراً أن الهدف الآن ليس إقناع الناس بالعلمانية وإنما مساعدتهم على فهمها من دون تزوير، وأن ذلك قد تحقق حتى الآن كما يرى.
من جهته، كتب الحمادي سلسلة مقالات حاول فيها توضيح فكرة رئيسية هي أن العلمانية في مجتمع كاليمن لم يحن وقتها بعد، ثم توقف عن المتابعة، لأنه رأى أن أكثر من كتبوا عن العلمانية لا يدركون دلالة المفهوم جيداً، وأن عليهم تطوير معارفهم عنها قبل الخوض فيها، واستشهد بمن يتحدث عن مخرجات الحوار الوطني كأساس للدولة العلمانية بينما هي تحتوي مضامين دينية كمصادر التشريع وتقسيم المواريث.
الغفوري أيضاً كتب مطوّلاً عن تاريخ تطور العلمانية وعوامل ظهورها، بعدما اعتبر أن بيان هيئة علماء اليمن الرافض للعلمانية "مجرد استعراض شجاع للجهل المقدس، كمثل تعريفه للعلمانية بالصهيونية العالمية والإباحية والإلحاد".


لم يرد على هؤلاء الكتّاب كتّاب مثلهم، ولم تناقش الردود الفكرة منطقياً، بل جاءت بأحكام دينية من رجال دين لهم موقف مسبق وناجز حول العلمانية كمفهوم، له دلالته الخاصة لديهم باعتباره إلحاداً وحرباً ضد الإسلام والمسلمين، كما جرى مع محمد عبدالمجيد الزنداني، ومحمد الحزمي وعبدالله العديني والحزمي أبو المقداد وفضل مراد، وآخرين ذهبوا إلى استعراض أحوال الغرب وأوضاع دوله كدليل على أن العلمانية "إباحية تهدم المجتمعات"، وأنها أيضاً تجلب الفقر، كما قال نجل الزنداني.

في الوقت نفسه، قابل كتّاب آخرون جدل العلمانية بين مؤيديها ورافضيها بالسخرية أو التذمر، كالكاتب ريان الشيباني، الذي كتب "المهم في الأمر أن الكثير من اليمنيين أجّلوا ذبح أضاحيهم هذا العام، تخوّفاً من أن يتم إقرار النظام العلماني بالطريقة الأتاتوركية". كما كتب الصحافي عبدالسلام الفقيه "اللي يبشروا بالعلمانية، مش عايشين معنا، هم دخلوا آلة الزمن ونقلتهم إلى 2118". بينما قال الصحافي عبدالقادر سعد "أنا مواطن بسيط، أريد أن أعود إلى البيت وأضغط الزر تولع الكهرباء، وعندما أفتح الحنفية يخرج ماء وليس هواء، وعندما يذهب ابني للمدرسة يتلقى تعليماً جيداً بوسائل تعليمية حديثة، وفّروا لي هذه المطالب البسيطة بالعلمانية أو الإسلامية، أو حتى بالجن". بينما رأى الصحافي عمار الأصبحي أن العلمانية "ليست عباية يمكن أن تقتنيها متى شئت أو سلعة من بقالة الهدى، العلمانية مفهوم إنساني ناتج عن تراكمات ثقافية لمراحل من الزمن".

انقسامات كبيرة
هيئة علماء اليمن التي شكّلها عبدالمجيد الزنداني كواحدة من كيانات عدة تؤطر علماء الدين في اليمن بعد 2011 بناء على اعتبارات سياسية أكثر من الاعتبارات الدينية، أصدرت بياناً ضد العلمانية ودعاتها، اعتبرت فيه الدعوة لإقامة دولة مدنية علمانية في اليمن أمراً تقف وراءه "جهات وشخصيات تنفذ أجندات أجنبية تستهدف دين الشعب اليمني المسلم"، لأن العلمانية "تجعل نظام الدولة السياسي والتشريعي والقضائي والاجتماعي خاضعاً لتشريعات وقوانين تناقض التشريعات السماوية، كما تجعل رغبات الناس وأهواءهم المرجع الوحيد لتحديد الصواب والخطأ، والحق والباطل، والمصلحة والضرر، ومن ثم ترفض دور الدين في تقرير الحلال والحرام".

كما وصف البيان العلمانية بأنها "نظامٌ وضعيٌّ يقومُ على أساسٍ من الإلحاد يُناقض الإسلام في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونيّة العالميّة والدعوات الإباحيّة والهدّامة، لهذا فهي مذهب إلحادي يأباه اللهُ ورسوله والمؤمنون". ورأت أنها "تصادم عقيدتنا الإسلامية، وهي شرك في التوحيد" باعتبار أنها "نظام وضعي كفري ودعوة خبيثة تستهدف أصول الدين وأحكام الشريعة".
ونبّهت الهيئة "أبناء الشعب اليمني المسلم إلى الحذر من مقولات العلمانيين المخادعة والمضللة، لأن ذلك استدراج للمسلمين ليبدلوا دينهم ويسقطوا في أوحال الكفر"، داعية في ختام بيانها الجماعات والأحزاب والجمعيات الدعوية اليمنية إلى التصدي والتحذير من "الدعوات الهدامة وفي مقدمتها الترويج للدولة المدنية العلمانية"، وأن "لا يقروا في عضويتهم من يدعو إلى ذلك ويروج له".

رداً على بيان هيئة علماء اليمن، صدر بيان عن تيار "القومية اليمنية"، وهي مجموعات على "فيسبوك" تدعو لاستعادة اليمن التاريخية كقومية وهوية جامعة لليمنيين، يبلغ عدد أعضائها (بتياريها أقيال، وعباهلة) قرابة 211 ألف عضو، وتهدف حسب بياناتها، إلى إعادة ضبط مفهوم الهوية اليمنية الذي يقوم على أساس اعتبار اليمن أولاً وقبل أي انتماءات أخرى، و"تأسيس الدولة القومية الوطنية لليمنيين بمضامينها الحديثة، جمهورية، دستورية، علمانية، ديمقراطية، اتحادية". وتستمد تسميتها "أقيال" من لقب يمني قديم يوازي "أمراء"، و"عباهلة" مستمد من عبهلة (الأسود العنسي) الذي يرمز لمواجهة اليمنيين لقريش في حروب الردة.

وصف هؤلاء هيئة علماء اليمن بـ"تجار الدين"، واعتبروا بيان الهيئة حملة تكفير وتخويف وإرهاب فكري، جاء "امتداداً لحملات ترهيب باسم الدين ودعوات تكفير سابقة بحق قطاعات كبيرة من اليمنيين من نشطاء وحقوقيين وعلمانيين وقوميين يمنيين وصحافيين من الذين يعبّرون بطرق سلمية عن آرائهم من وقت لآخر بشأن مستقبل اليمن، والمطالبين بشكل من الحكم والدولة المدنية الديمقراطية الدستورية التي تفصل الدين عن الكهنوت وتحكم بقوانين عصرية حديثة". وعبّروا عن رفضهم التام لكل محاولات ما وصفوه بـ"خصخصة الإسلام" واحتكار الدين، ودعوا الجهات المختصة إلى إحالة هؤلاء (مُصدِري بيان هيئة العلماء) إلى المحاكمة، وإلى إدراج هيئة علماء اليمن ضمن الكيانات الإرهابية المحرضة على العنف والداعية للإرهاب، ومراقبة تحركاتها ومصادرة وتجميد أموالها وأموال أعضائها.

وصدر أيضاً بلاغ إلى النائب العام عن أعضاء مجموعة "من أجل دولة علمانية" التي يقترب عدد أعضائها من 12 ألف عضو، لما اعتبروه تهديداً شكّله بيان هيئة علماء اليمن ضدهم، لاحتوائه على "التكفير وتهم الإلحاد الواردة في البيان"، والتي "تدخل ضمن التحريض المباشر على القتل". وطالب البلاغ بالتحرك في "ملاحقتهم أمنياً وقضائياً، وإصدار مذكرات بالقبض الفوري عليهم وتقديم جميع أعضاء هذه الهيئة إلى المحاكمة، عملاً بواجباتكم في حماية أرواح الناس من هذه الأفكار والكيانات الإرهابية".

دلالات

المساهمون