جدران ناطقة في غزة

جدران ناطقة في غزة

22 اغسطس 2017
الصورة
لم يلتفت إلى ما كتب (محمد الحجار)
+ الخط -

ملأ الغزيّون جدران شوارعهم بالشعارات السياسية وغير السياسية. وبعد انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لغزة في عام 2005 باتت الشعارات تفريغاً لما في نفوس الشباب، بعضها سياسي واجتماعي وأحياناً فكاهي، لكنّها تعكس يأساً من الحياة في غزة.

يعدّ شارع عمر المختار أحد الشوارع المركزية في غزة. بعضُ الشعارات التي كتبت على الحائط تنادي بالحرية، فيما تدعو أخرى إلى الحب. إلّا أنها تزعج عدداً كبيراً من أصحاب المحال المكتظة في الشارع، وقد فشلت محاولات إزالتها. ومع الوقت، بدا بعض أصحاب المحال أكثر تقبلاً لتلك الشعارات على الجدران، منها "بحبك أوعك تواخذني"، و"الحب أن أحبك وما احكيش"، و"عيناك جميلة ك جحش".

يقول أحد أصحاب محال الملابس في سوق الرمال في شارع عمر المختار، أحمد النونو، لـ "العربي الجديد": "في كل موسم، نجدد شكل المحل من الخارج، ونطلي الباب بسبب الشعارات التي يكتبها بعض الشبّان، وهي تزعجنا كثيراً. لكن في الوقت الحالي، أصبحت مثل شيء مفروض علينا، ومعظمها عن الحرية أو الحب".

ويرى النونو أنّ الرغبة في التعبير تجعل الشباب يكتبون تلك الشعارات. ويلفت إلى أنه في إحدى المرّات، رأى شاباً يكتب شعاراً في الصباح الباكر، وأراد تسليمه إلى الشرطة قبل أن يغير رأيه. يضيف أنه لاحظ أنه لدى الشاب طاقة كبيرة، وهو يرغب في التعبير عن نفسه. "ربّما لو كنت في مثل سنه، وفي هذا الزمن، لتصرفت مثله. فهذه الحياة التي يعيشونها في ظل الاحتلال، تجعلهم في حاجة إلى التعبير".

ولا ينكر عدد من الشباب كتابة الشعارات، مثل مصطفى الذي يكتب شعارات عن الحرية. يقول إنه كتب شعارات على جدران كورنيش غزة، وقد شعر بالمتعة وهو يكتب تلك الشعارات، من دون أن يفكر في موقف البلدية منها. أحد الشعارات التي كتبها هي: "خوضي بعيني حتى دمي أقيمي عمارات زهوك بين عظامي"، و"الحرية عمرها ما اجت على لسان سياسي"، ساخراً من بعض القادة الفلسطينيين الذين يرددون شعارات عن الحرية على منابرهم. ويوضح لـ "العربي الجديد" أن بعضهم يلاحق من يكتب الشعارات في الشوارع بحجة أنهم يسبّبون إزعاجاً للآخرين، مستغرباً الأمر. فلو كان أحدهم يكتب شعارات لمصلحة حزب سياسي أو فصيل مقاومة، لصمت الجميع، لأنهم يصنفون أنفسهم في مرتبة معينة، ما يجعل انتقادهم صعباً.

شعار عاطفي (محمد الحجار) 


من جهة أخرى، فإن أكثر الشعارات شيوعاً هي تلك الموجودة في المخيمات، خصوصاً مخيم الشاطئ. يقول أحدها: "الحارة للعمل مش للزيارة". وعن سبب كتابة هذا الشعار، يوضح مؤيد، وهو من سكان المخيم، أن بعض الناس يسهرون في الليل ويزعجون الآخرين. كان مؤيد قد كتب شعاره الأول وهو في الخامسة من عمره. في ذلك الوقت، كان يقلد المقاومين في الانتفاضة الأولى، عندما كان الجيش يحاصر المخيم. كتب شعارات داعمة للمقاومين من أبناء المخيم. كذلك، كتب شعارات مع بداية أزمة الكهرباء، منها: "قرفتونا عيشتنا، حلو عنا"، في إشارة إلى القيادة الفلسطينية في غزة والضفة.

أما جيفارا، وهو من مخيّم جباليا، فلا ينكر كتابته الشعارات التي تفرغ مما في داخله، في ظل اشتداد الأزمات في القطاع. ويرى أن "الشعارات السياسية في غزة تحظى باهتمام كبير ولا يمكن لأحد منعها. صحيح أنها قد تزعج البعض، إلا أنها تفريغ لما في داخل الشباب المكبوت في غزة، إذ إن بعض اليافطات والشعارات تزيد من الانقسام، مثل يافطة السرايا التي تتهم السلطة الفلسطينية دائماً بالسرقة".



إلى ذلك، يرى أستاذ علم النفس مدحت صالح أن الشعارات بالنسبة للشباب العربي، خصوصاً في فلسطين ومصر، هي "أسلوب تفريغ متطور، وهذا ناتج عن تراكمات نفسية في داخلهم، نتيجة تسلط الحكام، وبالتالي منعهم من التعبير عبر الوسائل المتاحة، ليلجأوا إلى الكتابة على الجدران".

وفي دراسة أجراها صالح في نهاية العام الماضي، بعنوان "وسائل التفريغ النفسي المقلقة عند المراهقين والشبان بعد سنوات الحصار على غزة"، خلص إلى أن 70 في المائة من الحالات التي شملتها الدراسة لجأت إلى وسائل تفريغ نفسي تعد سلبية في نظر المجتمع، منها الكتابة على الجدران. ويقول لـ "العربي الجديد": "الكتابة على الجدران وسيلة تفريغ يمكن استيعابها في المجتمع".