جامعة حلمي شعراوي!

19 أكتوبر 2019
+ الخط -
كنت أناديه أحيانا: يا "عمي حلمي"، فيقول لي: "إيه عمي دي يا ولد؟"، أرد: "لا أقول عمي سوى لعدد محدود جدا"، أنا صعيدي وأقدر الود وأن أعمامنا في الحركة "اليسارية"، لهم تقدير يتجاوز مسألة حفظ الألقاب.. لهم التقدير والاحترام..

وفي الحقيقة إن العم حلمي لا يحتاج إلى ألقاب، وهو الرجل متعدد الأدوار في مسيرته الطويلة والثرية، من البحث العلمي في مجالات الأنثروبولوجيا والفولكلور، وكونه متخصصا في الشأن الأفريقي، وممارسا ومعلما في مجال الدراسات، والتعليم والتحريض الثوري، والدفاع عن الثقافة الوطنية، وهو الذى دفع الثمن راضيا منذ أن اختار هذا الطريق، مثل إجباره على ترك العمل في مؤسسات الدولة أحيانا، أو التخلص منه أحيانا بطرق ملتوية، كما حدث حين أبعد عن الرابطة الأفريقية أو وزارة شؤون السودان.

أول وأهم شخصية مصرية تولت مسؤولية دعم حركات التحرر الوطنى في القارة الأفريقية، فبمساندته ورعايته ساهم في تغيّرات في عدة بلاد أفريقية، حتى بعد أن أزيح من تلك المسؤولية عن قصد، ثلاث مرات على الأقل (مكتب الرئاسة، شؤون السودان، الرابطة الأفريقية)، لكنه ظل محتفظا بدوره النضالي والسياسي بل والإنساني.. ولمَ لا؟ وهو الحالم دوما والمتفائل بطبيعة الحال والصبور أيضا.


كل من يهتم بالشأن الأفريقي لا بد أنه سيمر على الأستاذ، وكل من مر سيعرف اهتمامه بطلابه والباحثين، وهذا لا يحتاج إلى شهادة، هو أمر لصيق الصلة بتكوين الأستاذ حلمي الذي يري شباب العشرين زملاء وربما أصدقاء، وقد أصبح مئات منهم باحثين جادين، ومنهم أعلام ورموز مصرية وأفريقية في مجالات السياسة والعلوم والبحث العلمي.

يمكن أن يكون كتابه الأخير "سيرة مصرية أفريقية" ملخصاً للسيرة الذاتية، وربما تتاح الفرصة لعرضه والنقاش حوله. الاطلاع على الكتاب الذي يتجاوز 600 صفحة، مهم، والمعرفة بمن كتب ضرورية أيضا.. نشاط متقد على مدار سنوات، يرويها شعراوي ويحاول تجاوز السيرة الذاتية، ليصف ويروي فصولاً من تاريخ أفريقيا، ليكون الكتاب/ السيرة الذاتية الموضوعية، مرجعا في تاريخ أفريقيا ومصر على مستويات سياسية واجتماعية متعددة..

يتضح خجل عم حلمي في الحكي أو نسب فضل لنفسه، يتوارى بتعبيرات مثل كنا، حاولنا، عملت الوحدة، المكتب، تتوارى كلمات الاحتفاء بالذات أو تصوير أنك مركز الحدث أو الكون التي تملأ السير الذاتية..

تعبر السيرة مناطق المنوفية الزراعية إلى حواري السيدة زينب، مدرسة السعدية إلى كلية الآداب، من حارة عبد الديم إلى أكسلسيور، ومنها للزمالك حتى العودة إلى وسط المدينة من عند كوبري قصر النيل، ومنها إلى ميادين مصر، وميدان طلعت حرب، الذي حرص الأستاذ أن يربط الكلمة بالفعل ويتظاهر فيه ويتحدى السلطوية في عصور مختلفة.. من حلقات الإخوان المسلمين إلى حلقات ماركسية في الخمسينيات، ثم للحركة في ميلادها الجديد منتصف السبعينيات، وحتى ثورة يناير وما بعدها.

مواجهة السلطوية وقوى الاستعمار، والحلم بعالم ديمقراطي عادل، مساندة قوى التحرر، مساندة الباحثين والثوريين، الاهتمام بفهم ما يجري وتحليله والسؤال الدائم ما العمل، هو ملخص أفكار شعراوي وتجربته الحياتية والسياسية والإنسانية، تجربة فريدة وإنسانية عميقة.

من المنوفية "الجمهورية" إلى زنجبار وإريتريا وإثيوبيا وجنوب أفريقيا والسنغال وغيرها من دول أفريقية، من العيش في القاهرة إلى السودان وتونس ثم العودة للقاهرة مرة أخرى.

ربما لا يكفي مقال عابر للاحتفاء بحلمي شعراوي، لكن ورغم ذلك فتسجيل الشهادات مهمة لرجل لم يسعَ لنيل مكاسب أو الحرص على جمع المال، بقدر حرصه على تنفيذ مشروع وطني وثوري، وإنشاء مراكز بحثية، وتطوير مهمة البحث ذاتها، وصولا إلى رعاية الباحثين، فضلا عن دعم حركات التحرر الوطنى في أفريقيا، وهي المهمة التي لم تتوقف عند خروجه على المعاش في سن (39 عاما) بعد مجيء السادات وفرض رؤية تتبنى الصلح مع إسرائيل، وتوقيع كامب ديفيد، والانسحاب من ملف دعم الحركات التحررية الأفريقية، والتذيل لأميركا.. كل ما سبق نتائجه معروفة الآن، يكفي بُعد مصر عن أفريقيا وخسارتها المتعددة سياسيا واقتصاديا وأمنيا..

يا ترى لو كان لدينا حلمي شعرواي آخر، هل كانت مصر ستستمر في وضعها الحالي أفريقيا؟ هل ستكون السودان بعيدة عنا، أو نفشل في التفاوض مع إثيوبيا بشأن تأثيرات سد النهضة على حصة مصر في مياه النيل؟

حلمي شعرواى لا يليق بنظام لا يحترم قيم العلم ويحبس أكاديميين يقولون كلمة حق، وهو ذاته النظام الذي لا يحترم خبرات سابقة، فكل من هم خارج دائرته مشكوك في وطنيتهم وجهلة، وهو ليس في حاجة إليهم، أو أصلا في حاجة إلى العلم والدراسات، خاصة دراسات الجدوى، وهو لا يرى جدوى من الحوار والقوى الناعمة، لغة التعالي والفظاظة تليق وتتسق مع نظام المقاولات وإنشاء الطرق السريعة، وهو ذاته ضيق الأفق بالتأكيد، هذه النظم لا تتعامل مع شعراوي، ولا يسمح أصلا من خلالها بتكوين نماذج مشابهة، والدوائر القريبة منه والموهومة به من باحثين، يستمع إليهم بوصفهم خبراء في الشأن الأفريقي، أغلبهم كتاب تقارير يسمعون محسن بيه ما يريد أن يسمع!

شخصيا حرضني أستاذ حلمي على دراسة الأنثروبولوجيا، وسبق أن دعمني وشجعني كما يفعل مع آخرين، ودعاني لمشروع بحثي مهم حول الحركة الاجتماعية وأنا في بداية مشوار الكتابة والبحث، بعد التخرج من الجامعة، لكن لم تسعفني الظروف للمشاركة حينها، نظرا لتفرغي للعمل السياسي، لكنّ هذه الدعوة/ الموقف، نموذج لاهتمام الأستاذ بالباحثين خاصة الشباب منهم، وتعامله معهم باهتمام وتقديم المشورة والعون، وهو الذي لم يمارس التدريس سوى مرة في جامعة جوبا، لكنه كان جامعة.. ويستطيع أن يقول عنه أصدقاؤه/ تلاميذه، إننا تخرجنا من جامعة حلمي شعراوي.

دلالات