تونس تصطدم بتفاقم البطالة بعد عودة عمالتها من ليبيا

14 يونيو 2020
الصورة
عاطلون يطالبون بتشغيلهم (فتحي ناصر/فرانس برس)

 

تواجه العمالة التونسية العائدة من ليبيا صعوبات مضاعفة بسبب تزايد أعداد الفارين من الحرب بجيوب خاوية وحقوق اقتصادية واجتماعية مهدورة، ما ينبئ بزيادات كبيرة في نسب البطالة واحتقان اجتماعي في غياب سياسات حكومية لاستيعاب هؤلاء العائدين أو مساعدتهم على الاندماج في سوق العمل المحلية.

ومع ارتفاع وتيرة المخاطر الأمنية في ليبيا بسبب الحرب هناك يتوافد منها يوميا على المعابر البرية مئات التونسيين العائدين إلى بلادهم، فيما يشير خبراء اقتصاد إلى أن تونس بصدد فقدان معظم امتيازاتها في السوق الليبية، سواء فيما يتعلق بالشغل أو المبادلات التجارية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي التونسي المختص في الشأن الليبي، مصطفى عبد الكبير، أن ما لا يقل عن 4 آلاف عامل تونسي عبروا نحو بلادهم منذ ارتفاع وتيرة الاقتتال بين قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا ومليشيات خليفة حفتر، وسط تدهور الأوضاع الأمنية.

وأفاد عبد الكبير في تصريح لـ"العربي الجديد" أن تونس بصدد فقدان كل حظوظها في السوق الليبية، سواء في ما يتعلق بإمكانيات العمل والتبادل التجاري، مشيرا إلى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي نظرا لحالة الخصاصة والفقر التي تعاني منها العمالة التونسية وانسداد أفق الاندماج في سوق الشغل المحلية.

وأضاف أن الحرب أوقفت أشغال البناء وقطاع الخدمات والمنشآت النفطية في ليبيا، وهي قطاعات تمثل المشغل الأساسي لليد العاملة التونسية هناك.

وكشف في ذات السياق أن نحو 280 ألف تونسي فقدوا وظائفهم في ليبيا منذ اندلاع الثورة هناك، مشيرا إلى أن سوق العمل في ليبيا كانت توفر نحو 300 ألف موطن شغل للتونسيين بصفة مباشرة وغير مباشرة لم يبق منها إلا نحو 20 ألف حاليا وهم أيضا مهددون بفقدان وظائفهم في هذه الفترة.

وقال عبد الكبير إن سوق العمل في ليبيا لا تقتصر على الوظائف المباشرة بل تشمل أيضا التجارة البينية بين البلدين، مؤكدا أن هذه السوق توقفت بدورها منذ ما يزيد عن 3 أشهر بشكل نهائي، بعد أن شكت طويلا من الانقطاعات نتيجة الاحتقان المتكرر الذي شهدته المعابر الحدودية.

ولا يتوقع عبد الكبير انفراجا قريبا في الوضع، مشيرا إلى أن أزمة العمالة التونسية في ليبيا قد تتفاقم بسبب الصعوبات الداخلية هناك وتعطل المشاريع المشغّلة وشح السيولة.

وقال في سياق متصل إن نحو 500 شركة تونسية كانت تعمل سابقا في السوق الليبية لم يبق منها إلا 20 شركة فقط، وسط توقعات بخسارة تونس لهذه السوق المهمة في غياب استراتيجية حكومية لحماية المصالح الاقتصادية للبلاد هناك.

ويعمل تونسيون في ليبيا في الأنشطة الفلاحية والبناء والتمريض والتدريس وغيرها من المهن. وكانت ليبيا وجهة محبذة للعمالة التونسية، قبل اندلاع الثورة فيها، نظراً للارتباط التاريخي بين البلدين، وقربها الجغرافي وغياب حاجز اللهجة.

ويستمر آلاف التونسيين في التنقل بين تونس وليبيا، حسب تطور الأوضاع الأمنية، للحفاظ على أعمالهم مقابل آخرين اختاروا الاستقرار في تونس رغم البطالة.

ورجح الخبير الاقتصادي، محمد منصف الشريف، أن يزيد تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا من تعكير الوضع محليا بسبب تعطل التجارة البينية في الجنوب، ووفود أعداد كبيرة من العمال الذين سيرفعون من نسب البطالة في تونس.

وأضاف في تصريح لـ"العربي الجديد" أن تونس في وضعها الحالي لا تملك أي إمكانيات لاستيعاب هؤلاء العائدين أو مساعدتهم اجتماعيا، ما يشكل عبئا إضافيا على الحكومة التي تحاصر الفقر المنفلت في البلاد.

وأفاد في ذات السياق أن كل مغترب عائد دون وظيفة أو دخل هو شخص إضافي في سجل الفقراء في تونس البالغ عددهم نحو مليوني فقير، حسب بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية.

واعتبر الشريف أن الهشاشة الاجتماعية في تونس مرجحة للتفاقم بشكل غير مسبوق، مطالبا الحكومة بوضع سياسات خاصة لاستيعاب المسرحين من ليبيا أو الدول الأخرى، وحماية أسرهم من الانجرار إلى خانة الفقر المدقع والعوز التي قد يصعب معالجتها في وقت لاحق.

وبيّنت دراسة حديثة لمنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتونس (منظمة غير حكومية)، أن عدد الفقراء في البلاد يزيد بكثير عن الأرقام الرسمية، مشيرة إلى أن جائحة كورونا الصحية العالمية كشفت عمق الهشاشة الاجتماعية لدى التونسيين.

وفقاً للدراسة فإنّ 27.5 بالمائة من عموم التونسيين يعيشون في أوضاع هشّة أو هم مصنفون ضمن خانة الفقر، وأن جائحة كورونا ستزيد من التفاوت الاجتماعي على المدى القريب والمتوسط بسبب فقدان الوظائف ونقص الموارد الحيوية وتدهور ظروف المعيشة والسكن.

وكشفت الدراسة أن 3.22 ملايين تونسي مصنفون في حالة هشاشة أو هشاشة شديدة، ومن بينهم 806 آلاف شخص ينتمون إلى أسر معوزة.