تونس: الفخفاخ محاصر بالضغوط

08 يوليو 2020
الصورة
يحاول الفخفاخ إعادة دفع حكومته (فتحي بلعيد/فرانس برس)

يتواصل مسلسل الضغط على رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ. وقد يكون هذا الأسبوع حاسماً في تحديد مصيره السياسي إذا تمكّنت المعارضة من إثبات شبهة تضارب المصالح التي لا يزال ينفيها بقوة وإصرار. في الأثناء تتصاعد وتيرة الاحتقان الاجتماعي، إذ أخذت الإضرابات والاحتجاجات نسقاً تصاعدياً مثيراً للقلق. كما أن قوى الثورة المضادة تستغل الفرصة لتوجيه مزيد من الضربات تحت الحزام. أما الذي غذى الحيرة ورفع من سقف التوقعات فهو نص بيان المكتب التنفيذي لحركة "النهضة" الذي تضمّن أكثر من رسالة موجّهة إلى رئيس الحكومة، بما في ذلك التلويح ضمنياً بسحب الثقة، وهو ما جعل بعض الأطراف تشرع في الترويج لأسماء مرشحة لرئاسة الحكومة المقبلة.
يحاول الفخفاخ أن يخرج سفينته من منطقة الزوابع التي دخلتها بسبب الفائدة التي حصلت عليها إحدى شركاته. تحدث عن التوجهات المستقبلية للحكومة، وجمع رؤساء الكتل البرلمانية الخاصة بأحزاب الائتلاف الحاكم في محاولة لسد الفجوة بينهم. كما اتجه نحو قوات الأمن ليثمّن جهودها، ويؤكد من جديد أن الإرهاب لا يزال يشكّل خطراً حقيقياً. كل ذلك في محاولة منه لتطبيع الوضع، واستعادة الروح الإيجابية التي انطلقت بها الحكومة بعد تشكيلها.

اتهم "قلب تونس" أطرافاً من الائتلاف الحاكم بمحاولة عرقلة تشكيل لجنة تحقيق في البرلمان لإجهاض الجهود ضد الفخفاخ
 


في المقابل، اتهم حزب "قلب تونس" أطرافاً من الائتلاف الحاكم (التيار الديمقراطي) بمحاولة عرقلة تشكيل لجنة تحقيق في البرلمان بهدف تمييعها وإجهاض الجهود التي تنوي القيام بها ضد رئيس الحكومة، فرد عليه التيار بقوة باعتباره هو المقصود بذلك. هذا وقد شكّل "قلب تونس" لجنة خبراء توصلت فيما يبدو إلى إعداد ملف ضخم حول مختلف الإجراءات التي قام بها الفخفاخ منذ البداية للحصول على صفقات عمومية. ويؤكد بعض أعضاء هذه اللجنة وجود إخلالات في الإجراءات يرتقي بعضها إلى درجة تضارب المصالح. ويأمل هؤلاء في أن يستجيب رئيس الحكومة لطلباتهم قبل اللجوء إلى القضاء.

من جهتها، أكدت حركة "النهضة" في بيانها الأخير الموقّع من قبل زعيمها راشد الغنوشي متابعتها التحقيقات في شبهة تضارب المصالح التي تلاحق رئيس الحكومة، والتي حسب اعتقادها "أضرت بصورة الائتلاف الحكومي عموماً، بما يستوجب إعادة تقدير الموقف من الحكومة والائتلاف المكوّن لها، وعرضه على مجلس الشورى في دورته المقبلة لاتخاذ القرار المناسب". أي أنها لا تستبعد ضمنياً ثبوت التهمة، وهو ما جعلها تستعد لإعادة طرح الملف على مجلس الشورى تمهيداً لاتخاذ موقف جديد قد يكون التلويح بمغادرة الحكومة وسحب وزرائها. وهو موقف إن حصل سيضعف الحكومة بالتأكيد، لكن لن يسقطها في وقت قريب إلا في صورة عدم حصولها على أغلبية البرلمان بعد تعويض وزراء "النهضة".
في الأثناء، يتواصل التراشق بين مكونات الائتلاف الحكومي، إذ أعرب المكتب التنفيذي لـ"النهضة" عن قلقه "تجاه حالة التفكك التي يعيشها الائتلاف الحكومي وغياب التضامن المطلوب ومحاولة بعض شركائنا في أكثر من محطة استهداف الحركة والاصطفاف مع قوى التطرف السياسي لتمرير خيارات برلمانية مشبوهة، تحيد بمجلس نواب الشعب عن دوره الحقيقي في خدمة القضايا الوطنية". وهو ما يعكس أزمة الثقة المستفحلة والقائمة بين "النهضة" وشركائها في الحكومة مما يخشى أن يزيد ذلك في إضعافها سياسياً. ففي المقابل يتهمها "التيار الديمقراطي" بالعمل على فرض شروطها والتحكّم في شركائها ومحاولة ابتزازهم، وذلك من خلال التلويح بضرورة توسيع الحكومة، مما سيؤدي عملياً إلى تعميق التناقض بين الشركاء وتوسيع مجال الصراع بينهم.

أعربت "النهضة" عن قلقها تجاه حالة التفكك التي يعيشها الائتلاف الحكومي وغياب التضامن المطلوب
 


في هذه الأجواء المتوترة التي تتسم بالشكوك المتبادلة داخل الحكومة وداخل البرلمان، يواصل الحزب "الدستوري الحر" لفت انتباه الرأي العام من خلال تنظيم تجمّع محدود في قلب العاصمة، وذلك بعد رفض اللائحة التي قدّمها للبرلمان حول تصنيف "الإخوان المسلمين" حركة إرهابية. وهي خطوة جديدة يسعى من خلالها هذا الحزب لتعميق الاستقطاب الثنائي داخل الساحة السياسية، ووضع المواطنين أمام خيار وحيد، إما الاصطفاف وراء بقايا النظام القديم الذي يسعى نحو إعادة التشكل من جديد، أو اختيار حركة "النهضة" التي يصفها هؤلاء بأبشع الصور والصفات.
أما اتحاد الشغل فقد أصبح طرفاً مهماً داخل اللعبة السياسية. وقد عبّرت قيادته أخيراً عن قلقها من الصراع الذي يشق حكومة الفخفاخ. وحذرت بعض قياداته من النتائج السلبية التي ستترتب على ذلك، ومن أهمها الانعكاس الخطير على الوضع الاجتماعي المهدد بالانفجار والفوضى. هكذا يبدو المشهد في تونس، كل يحاول أن يدفع بالبلاد في اتجاه، بينما يسعى المناهضون للثورة والديمقراطية إلى مزيد من إرهاق الجميع.