تونس .. أزمة هيكلية للنظام السياسي

01 اغسطس 2020
الصورة

كما كان متوقعاً، اختار رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيّد، تكليف شخصية من خارج القائمة التي رشحتها الأحزاب لمنصب رئاسة الحكومة. لم يكن الأمر من قبيل المفاجأة، كما يحاول بعضهم تصوير الأمر، بل هو جزء من التماشي العام الذي اختاره سعيد، منذ وصوله إلى قصر قرطاج.

منذ توليه المنصب، لم يكن رئيس الجمهورية يخفي عداءه للأحزاب وللمنظومة الديمقراطية التمثيلية (بفضلها وصل إلى السلطة)، وهي مواقف كشفت عنها خطبه المتعدّدة التي كان فيها مجلس النواب في مرمى نيرانه الخطابية. ولذا لم يكن مستغرباً أن يحاول، في كل مرة، تقزيم الأحزاب وإضعاف دورها بما يمنحه الفرصة لمزيد من تثبيت موقعه باعتباره المتحكّم الرئيسي في المشهد السياسي. وقد جاءت الفرصة للرئيس سانحةً مع فشل حركة النهضة في تمرير حكومة الحبيب الجملي، حيث أصبح قرار تكليف رئيس الحكومة الجديد بيد الرئيس الذي وقع اختياره على شخصية سياسية باهتة، إلياس الفخفاخ. وكان الهاجس الوحيد الذي يتحكم في هذا التكليف، مدى ولاء رئيس الحكومة لمن كلّفه، بغضّ النظر عن الأداء والكفاءة والجدارة. وإذا كان الفخفاخ قد انتهى مستقيلاً، تلاحقه شبهات الفساد وقضايا تضارب المصالح، فإن الرئيس، في اختياره الثاني، كان أكثر وضوحاً، فقد جاء بشخصية غير سياسية ذات تكوين إداري، ولا تملك بالتأكيد أدنى خبرة في التعامل السياسي مع الأحزاب في تشعباتها وصراعاتها.

وضع غير مستقر في تونس أصبح معه بعضهم يستشعر الخطر على الديمقراطية التونسية الناشئة التي لم تشتد مؤسساتها بعد

ومن الواضح أن الأحزاب تخشى العودة إلى صناديق الاقتراع، حيث الأكيد أن غالبية الكتل النيابية الحالية ستختفي من على ركح (مسرح) مجلس النواب، فإن سيف ديموقليس المصلَت على الرقاب، أعني التهديد بحلّ البرلمان، سيكون المدخل الذي ستنال من خلاله حكومة هشام المشيشي الثقة النيابية. 

باستعراض مواقف الأحزاب السياسية ذات الحضور النيابي، يُلاحظ أن أحزاب النهضة وقلب تونس والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وكتل أخرى رحبت بتكليف هشام المشيشي، وهي في هذا تسعى إلى المشاركة في الحكومة، غير أن هذا ليس أكيداً، فقد يكون توجه رئيس الحكومة المكلف نحو الاكتفاء بوجوه غير حزبية محسوبة على الدوائر القريبة من رئاسة الجمهورية، وحينها ستعود دائرة النزاع التي لا تتوقف بين حكومة الرئيس الذي يريد الاستئثار بالقرار والبرلمان الذي هو في الأصل يمثل مصدر السلطة الفعلية، حسب النظام السياسي في تونس.

كان واضحاً أن التجاذب السياسي في تونس لن يتوقف عند مجرد فوضى البرلمان وحالة التعطيل المستمر لأداء المؤسسة التشريعية، الذي تتعمده رئيسة الحزب الدستوري الحر، النائبة عبير موسي، تنفيذاً لأجنداتها المعلنة بوصفها استمراراً لنظام الاستبداد السابق، وعامل توتير وفوضى بغرض إفشال مسار الانتقال الديمقراطي.

واضح أن الأحزاب تخشى العودة إلى صناديق الاقتراع، حيث الأكيد أن غالبية الكتل النيابية الحالية ستختفي من على مسرح مجلس النواب

وقد شهدت الأشهر الماضية التي مرّت على الحياة السياسية التونسية من الأحداث والتجاذبات أكثر مما عرفته السنوات الخمس لحكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، حيث كان الوضع العام أكثر استقراراً نسبياً. أما ما يجري الآن من صراعٍ سياسيٍّ، فقد تجاوز حدّه، وأصبح يهدّد بنية النظام السياسي ذاته، هذا إذا أخذنا بالاعتبار الأزمة الاقتصادية الحادّة، وارتفاع نسبة البطالة بشكل صاروخي، وتهاوي سعر الدينار، بالإضافة إلى مؤشر التنمية الذي استقر دون الصفر. حالة من الاحتقان الاجتماعي والركود الاقتصادي تنذر بكارثةٍ فعلية، حيث تتضاعف مسؤولية من يتولى الحكم في مواجهة ملفاتٍ كثيرةٍ عاجلةٍ تنتظر الحل. ومهما كان الكسب من الناحية السياسية لرئيس الجمهورية، فإن هيمنته على الحكومة المقبلة ستجعل كل خياراتها محسوبة عليه، خصوصاً إذا استُبعِدَت الوجوه الحزبية من التشكيلة المقترحة، وهو ما يعني أن توزيع الفشل في حساب المسؤوليات سيكون، في قسطه الأكبر، راجعاً إلى خيارات الرئاسة. وفي المقابل، الكتل البرلمانية إذا سعت إلى استعادة المبادرة عبر إسقاط حكومة الرئيس بعد أشهر، فهذا لن يزيد الوضع إلا سوءاً وانزياحاً إلى التدهور الاقتصادي والاجتماعي.

مرّت تونس بوضعيات انسداد سياسي أشد وأنكى من قبل، واستطاعت بعدها أن تواصل طريقها في اتجاه دولة الحريات والحقوق المدنية

الأزمة التي تعرفها تونس اليوم، وحالة التجاذب بين مؤسسات الدولة التي أصبحت شبه معطلة، يطرحان السؤال عن مصير البلاد في غياب أصوات الحكمة والعقل والشخصيات الوطنية الجامعة القادرة على إدارة حوار وطني شامل، من أجل وضع خريطة طريق للخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. إنه وضع غير مستقر أصبح معه بعضهم يستشعر الخطر على الديمقراطية التونسية الناشئة التي لم تشتد مؤسساتها بعد، ولم تستقر بما يكفي، كي تتجنب سيناريوهات الردة والنكوص إلى زمن الاستبداد وحكم الطغيان. وتبقى دائماً إمكانية الخروج من الأزمات، والسير نحو الحل ممكنة، فقد مرّت تونس بوضعيات انسداد سياسي أشد وأنكى من قبل، واستطاعت بعدها أن تواصل طريقها في اتجاه دولة الحريات والحقوق المدنية.