توماس بيكيتي لـ"العربي الجديد":الغرب لا يريد اقتصادات عربية عادلة

07 يونيو 2016
الصورة
الباحث الفرنسي توماس بيكيتي
+ الخط -
"إنه نجم روك في الاقتصاد، إنه ماركس الجديد"، هكذا تم وصف الباحث الفرنسي توماس بيكيتي، بعدما أصدر كتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، الذي يبحث الخلل الكبير في العلاقة ما بين النمو وتوزيع الدخل القومي منذ القرن الثامن عشر. وقد صنّفه النقّاد بأنه "الكتاب الأخطر في العالم"، وكذا تمت المراهنة عليه لإطلاق نظريات اقتصادية جديدة لمرحلة ما بعد الرأسمالية، ليصبح الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم اليوم... 

"العربي الجديد" أجرت مع بيكيتي مقابلة شاملة، استعرض فيها ما جاء في كتابه، وكذا رأيه بالانتقادات التي طالته، وفي حين يؤكد أنه قرأ كارل ماركس، يشير إلى أن كتابه يتضمن بيانات أكثر من إنتاج الأخير وطريقة استعراض المعلومة أسلس من أسلوب ماركس، ويعتبر أن سياسات الكراهية ومعاداة المسلمين والمهاجرين ينتجها الأثرياء ليحرضوا الفقراء ضد بعضهم. وبيكيتي لا يأخذ صندوق النقد الدولي على محمل الجد، حين يتحدث الأخير عن تأثير النيوليبرالية على تعميق اللامساواة...

أما عربياً، فيؤكد بيكيتي إن "الشرق الأوسط هي المنطقة الأكثر معاناة مع اللامساواة في الكوكب، بسبب التركّز الذي لا يصدق في الثروات والموارد"، وكذا يشرح عن النفاق الغربي في الخطاب الموجه إلى الشعوب العربية، من بن علي ومبارك وصولاً إلى الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي...

وهنا نص المقابلة:


1-بداية، ما هي الدوافع التي كانت خلف مباشرتك في بحث العلاقة ما بين النمو والعدالة في توزيع الثروة؟
عند إلقاء نظرة إلى تاريخ تطور الاقتصادات بشكل عام، ننظر إلى نمو الناتج المحلي، ولكن علينا أيضاً أن ننظر إلى من يستفيد من هذا النمو. إذا كان النمو متفاوتا جداً وقطاعات كبيرة من السكان لا تستفيد من هذا النمو فما هي فائدة وجوده. لذلك علينا حقا أن ننظر إلى النمو ارتباطاً بالمساواة في توزيع الثروة الوطنية. ونحن تابعنا حصة المجموعات الاقتصادية المختلفة في الدخل القومي على نطاق واسع ونسب النمو وآلية توزيع الدخل القومي، وتمكنا من جمع البيانات على فترات طويلة للوصول إلى معرفة العلاقة بين النمو وتوزيع الدخل.

2-شكك صندوق النقد الدولي بالنيوليبرالية على اعتبار أنها تساهم في زيادة اللامساواة، ما تعليقك؟
أنا سعيد أنهم يدركون ذلك، ولكن لأكون صادقاً، لديهم طريق طويل ليقطعوه في هذا المجال، فالصندوق لا يزال بعيداً تماماً عن الهدف، خصوصاً عندما نرى ما يفعلونه في برامج إعادة الهيكلة مثلاً ما حدث في اليونان، وما سيفعلونه في مصر في السنوات القليلة المقبلة (آمل ألا يتم ذلك). فالإصلاح الضريبي الذي يريدونه مثلاً رجعي جداً، ولا أعتقد أن سياستهم فيها أي تغيير. صندوق النقد الدولي لا يزال مؤسسة محافظة جداً. الصندوق ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD يحاولان التظاهر بأنهما يهتمان بقضية عدم المساواة، وبالشفافية، وبأنهما يريدان محاربة الملاذات الضريبية. صراحة، أنا لا آخذهم على محمل الجد.

3-هل ترى أن هذا يتعلق بأيديولوجية الصندوق القائمة على النيوليبرالية؟
نعم، الصندوق لا يزال إلى حد كبير في مرحلة ارتباط إيديولوجي قوي، مع اعتقاد غير محدود بالأسواق ذاتية التنظيم، واعتقد أن هذا الأمر يقترب من نهايته ببطء وتدريجياً، ولكنه سيحتاج إلى بعض الوقت. إذا نظرتم إلى هذا الأمر من منظور طويل الأجل، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وصعود رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، دخل العالم في مرحلة من الأسواق ذاتية التنظيم. الآن وقعت الأزمة المالية في عام 2008 وتغيرت المنظومة بشكل محدود، لأنه في النهاية رغم ما يقوله صندوق النقد الدولي أو منظمة OECD  أو مجموعة الدول العشرين G20 لم يتم التحرك سوى بشكل بطيء جداً فيما يتعلق بمحاربة اللامساواة. 


4- لعل الانهيار لم يكن كبيراً كفاية في العام 2008 ليؤسس لتغييرات بنيوية؟
نعم ربما. لكن أيضاً، وكما قلت في الكتاب الفارق كبير في مقارنة مع أزمة العام 1929. إذ إن أزمة الـ2008 جاءت في وقت يستطيع أي شخص بوضوح ان يتهم السوق بأنها غير منظّمة بشكل مفرط، وفي الآن نفسه أن يقول إن الحكومة كبيرة جداً. الأمر الذي لم يكن متاحاً في 1929 لأن الحكومات آنذاك كانت صغيرة جداً. لهذا السبب، نرى هذا النقاش المعقّد الدائر اليوم. وبعض الناس ما زالوا يناقشون بأن الأولوية تكمن في منح المزيد من السلطة للأسواق. كذا الأمر بالنسبة الى تكبير الحكومات، الذي لا أرى أنه جيد دائماً، لكن في هذه المرحلة لا تستطيع توفير تدفق غير محدود للرأس المال من دون شفافية مالية وتنظيمات. فإذا كل دولة لا تعرف من يملك مؤسساتها وأبنيتها بفعل الملاذات الضريبية وشركات الأوفشور، فهي لن تستطيع في النهاية رسم السياسات التنظيمية والضريبية الضرورية، وستنتهي بفرض الضرائب المفرطة على الذين لا يستطيعون تحملها كالطبقات الوسطى وما دون، التي لا تستطيع وضع أموالها في الملاذات الضريبية. وهذا امر خطير جداً لعقدنا الاجتماعي ولنسيجنا المجتمعي لأن هؤلاء لن يقبلوا بدفع أكثر مما يدفع الذين يقبعون في أعلى السلم الاجتماعي.

5-ولكن عندما تكون الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أكبر الملاذات الضريبية في العالم، وأكبر قادة للنظام المالي العالمي في آن، فمن الصعب أن نتوقع منهما التحرك ضد نخبهما ومصالحهما الخاصة...
نعم أوافق، ولكن لا أستطيع أن أقول إن هذا الموضوع بهذا الوضوح. فما هو مثير للاهتمام في الصراع السياسي والديمقراطي في هذه البلدان، هو أنه حتى عندما تكون بقبضة المصالح الخاصة، لا تستطيع تقديم الوضع بهذه الصراحة. فهم يقولون الأمر بطريقة مختلفة. فالخطاب الرسمي يركز على محاربة الملاذات الضريبية، في المقابل لا نرى على أرض الواقع إجراءات حاسمة في هذا الإطار. اعتقد أنه في النهاية أن اللوبيات التي تستفيد من انعدام الشفافية أقوى من أي خطاب. ولكن اعتقد أنه من الممكن، إذا كان هناك تعبئة سياسية كافية، أن تتم مواجهة تناقض هذه الحكومات.



6- ألا تجد أن الخطر الكبير بدأ يتحقق مع خطابات دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والاستفتاء البريطاني حول استمرار عضوية المملكة في الاتحاد الأوروبي، مع احتمال أن يفوز اليمين في كلا البلدين؟
نعم هذا أمر خطير جداً، وفرنسا أيضاً قد تدخل مربع الخطر في حال فوز اليمين. في كل بلد لديك رد فعل قومي أو أكثر تقدمية كنتيجة لتفاقم اللامساواة. ردود الفعل القومية تأخذ أشكالاً مختلفة ولكن الدافع يتشابه، ففي حال لا توجد قدرة على المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، يمكن دائماً العثور على أشخاص آخرين لإلقاء اللوم عليهم: العمالة الأجنبية والمهاجرون والمسلمون، أو المكسيكيون في حالة دونالد ترامب مثلاً... الإستراتيجية هي القول للفقراء البيض أن عدوكم ليس الأغنياء البيض وإنما الفقراء السود أو الفقراء المكسيكيّون. أو بمعنى إنها استراتيجية مثالية ليقول الثري الأبيض: أنا لست عدوك فلا تحاول أن تجعلني أدفع المزيد من الضرائب مثلاً.
وكذا، يوجد رد فعل يساري، مثل المرشح الأميركي المثير جداً للاهتمام بيرني ساندرز. في حين أن رد الفعل اليساري في أوروبا لا يأتي دائماً مع خطاب مقنع. والرد اليساري يمتد إلى اليونان وإسبانيا، ولكنني اعتقد أنه أقل خطورة بكثير من اليمين المتطرف. اعتقد أن قادة المفوضية الأوروبية، قادة فرنسا وألمانيا، يجب أن يتعاونوا مع هذه الحالة بدلاً من دفعها إلى التطرف، وبدلاً من أن ينتهي الأمر في هذه الدول لتصبح تحت سلطة اليمين المتطرف، والتي هي أكثر خطورة بكثير من اليسار المتطرف. عند نقطة ما سيكون عليهم الاختيار. وأنا حزين أن مواقف فرنسا وألمانيا تجاه اليونان ليست جيدة حتى الآن.

7-تطرقت إلى الشرق الأوسط وأفريقيا في دراسة مع فاكوندو ألفاريدو، ولاحظت أن زيادة معدلات تركز الثروة في يد القلة في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر في العالم، فبماذا تنصح الدول التي شهدت ثورات في ما يتعلق بطبيعة النظم الاقتصادية التي يجب اتباعها؟
اعتقد أن المؤشرات المتوافرة لا تعطي صورة حقيقية عن حالة عدم المساواة في منطقة الشرق الأوسط.

أولاً: هناك افتقار للشفافية حول الدخل والثروة في بلدان الشرق الأوسط. إذا كنت تأخذ بلداً مثل مصر، تستطيع معرفة حجم ضريبة الدخل ولكن لا توجد إحصاءات عن ضريبة الدخل. حتى إذا كنت تريد أن تعرف الأرقام وليس الأسماء. إذ كم من الناس يتقاضون ما بين مليون ومليوني جنيه مصري؟ ما هو حجم الدخل الناتج عن الأجور؟ دخل مشاريع الاعمال والريع؟ والحال نفسه في لبنان. لا يوجد بلد في الشرق الأوسط ينشر هذه البيانات. فماذا ستستفيد فعلياً إذا كان لديك قوانين ضريبة الدخل والبرلمانات، ووسائل الإعلام، إذا كنت لا تعرف هذه الأرقام ...
اعتقد أن بيانات ضريبة الدخل التي نحصل عليها من الحكومات والبنك وصندوق النقد الدوليين لقياس اللامساواة في منطقة الشرق الأوسط، لا تمتلك الكثير من الصدقية، وهي أقل بكثير من مستواها الحقيقي.
ما وجدناه هو أن الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر معاناة مع اللامساواة في العالم. هو أكثر تفاوتاً من البرازيل، وحتى من جنوب أفريقيا. لماذا؟ لأنه حتى وإن لم يكن لديك إرث الفصل العنصري والعبودية، لديك تركّز لا يصدق في الثروات والموارد، في دول صغيرة جداً وعدد سكانها قليل جداً. هذا ما يخلق مستوى عالياً جداً من عدم المساواة على صعيد المنطقة.
فلو أخذت الشرق الأوسط كله ستجد أن هناك تركزاً كبيراً جداً للثروة في الدول النفطية. في كتابي أشير إلى ان إجمالي الموازنة التعليمية لمصر - التي يبلغ عدد سكانها اليوم 90 مليوناً وسيفوقون المئة مليون قريباً - أقل بمئة مرة من الموازنة التعليمية في قطر والإمارات اللتين لا يزيد عدد سكانهما مجتمعتين عن المليون. وهما تقعان على بعد مئات الكيلومترات فقط من مصر.



8- ماذا عن العلاقة بين عدم المساواة واندلاع الثورات في الدول العربية؟
أعتقد أن هناك ارتباطاً. خلال حكم مبارك وبن علي تركزت الثروة بيد مجموعة صغيرة قريبة من النظام، في حين كان السكان يعيشون في ظروف مروعة ليس فقط بالمقارنة مع هذه النخب المحلية ولكن أيضاً بالمقارنة مع العالم.
هنا، موقف الأنظمة الغربية يحتوي على الكثير من النفاق، فرنسا مثلاً تقول للناس في تونس أو مصر، إنه ربما حكم زين العابدين بن علي وحسني مبارك ليس جيداً ولكن هذا أفضل ما يمكن أن تحصلوا عليه، وإذا حاولتم التغيير سيكون واقعكم أسوأ من ذلك. وهذا ما تقوله فرنسا للناس اليوم في مصر في ما يتعلق بحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي: هذا هو أفضل ما يمكن أن تحصلوا عليه. أنا لا اعتقد أن هذا هو أفضل ما يمكنهم أن يحصلوا عليه. الحكومات في الغرب تحمي هذه النماذج الاقتصادية غير المتكافئة في الشرق الأوسط، ولا تدفع للوصول إلى نماذج أكثر عدالة، لا بل تستفيد من هذا الواقع. مثلاً تحاول دول الغرب الحصول على المال من الدول النفطية من طريق بيع أندية كرة القدم.
لقد ولدت في العام 1971، وأصبحت راشداً مع سقوط جدار برلين. والحدث التاريخي الآخر كان الحرب بين العراق والكويت. أنا لا أقول كان هناك ما يبرر غزو العراق للكويت ولكن إرسال الملايين من الجنود لمجرد أن يعيدوا النفط إلى عدد قليل جداً من السكان من دون التفكير في توزيع أكثر عدالة للموارد النفطية، كان خطأ كبيراً. أعتقد انه يجب العمل على التكامل العربي السلمي، حيث يتقاسم الناس في الاتحاد العربي الموارد لاستثمارها، خصوصاً في التعليم والبنية التحتية.

9-لم تعلن صراحة أنك معاد للرأسمالية، وقلت في أكثر من مناسبة أنك لم تقرأ ماركس، هل هذه هي بطاقتك للدخول إلى عقول الرأسماليين بصفة محايد؟ وإن كنت لم تقرأه فعلاً، ألا يعتبر ذلك نقصاً معرفياً لتحليل تأثير الرأسمالية على اللامساواة؟
أعتقد أن كتابي هو أسهل بكثير من قراءة ماركس. أعمال ماركس نظرية جداً واستشرافية للغاية، مع وجود بيانات قليلة جداً، وبالطبع قرأت إنتاجه.

أريد أن أذهب إلى ما بعد الرأسمالية. أريد أن نساهم في التفكير في أشكال جديدة من المنظومات الاجتماعية، لا سيما طرق جديدة لتنظيم علاقات الملكية. نحن بحاجة إلى مزيد من الأملاك العامة، والمزيد من أشكال الحكم الديمقراطي. طرق جديدة لتنظيم أشكال وسيطة بين الممتلكات العامة والخاصة. وأود أيضاً الحد من استمرار التركّز الشديد في الملكية الخاصة من خلال مثلاً الضرائب التصاعدية وضريبة الإرث في آن، بما هي وسيلة لجعل الملكية الخاصة الكبيرة مؤقتة وليست دائمة.

10-ماذا تعني مؤقتة؟ أنه لا ينبغي أن تكون موروثة؟
يجب علينا فرض ضريبة ضخمة في زمن الإرث، فإذا كانت لديك الضريبة التصاعدية على ميراث يتجاوز المليون دولار بنسبة 5 و10 في المئة سنوياً، فهذا يعني أن المجتمع يسترجع خمسة أو عشرة في المئة سنوياً من ثروتك. إذا أنشأت مشاريع تقدم لك عوائد فسيكون الأمر جيداً، ولكن إذا كنت لا تستثمر بالثروة، بعد مرور عشر سنوات ستنتهي، ما يجعلها مؤقتة.

11-تقول إن اللامساواة هي سمة أساسية للرأسمالية وتعطي نصائح لضمان استمرارية الرأسمالية عبر إصلاحها، وجوزف ستيغليتز يحاول التفرقة ما بين الرأسمالية الحقيقية والوهمية ويعتبر أن أزمة 2008 ناتجة عن الرأسمالية الوهمية؟ لماذا لا تقولون بوضوح إن الرأسمالية ظالمة ببنيتها؟ هل تخافون من إعلان هكذا خلاصات؟
أؤمن ببعض أشكال الرأسمالية وببعض أشكال الملكية الخاصة، لكننا نريد الرأسمالية والملكية الخاصة أن تكون تحت سيطرة الديمقراطية وليس العكس، لذلك أدعو إلى مؤسسات ديمقراطية قوية قادرة على التحكم بالرأسمالية التي يمكن أن تضع قوى السوق في خدمة المصلحة المشتركة للناس. لا ينبغي لنا أن نبدأ من افتراض أن قوى السوق هي بطبيعة الحال معادية للمصلحة المشتركة، هناك قوى قوية للغاية مرتبطة بالملكية الخاصة. بعض هذه القوى جيد، بعضها يمكن أن يكون سيئاً بشكل رهيب. علينا أن نكون حذرين للغاية وعلينا أن نكون على استعداد لنعيد توجيه هذه القوى إذا لزم الأمر. ولكن الخطر هو أن نترك رأسمالية "دعه يعمل"، تأخذنا إلى أي مكان يريدونه.



12-قال بول كروغمان وجوزف ستيغليتز إن كتابك زاد الوعي حول اللامساواة وتركز الثروات، وسوف يغير طريقة تفكيرنا في دراسة الاقتصاد. هل نحن أمام تطوير نظرية جديدة في الاقتصاد ما بين الاشتراكية والرأسمالية؟ وهل يوجد أمل لتبلور نظم اقتصادية جديدة؟ وأين يمكن أن تكون انطلاقة تطبيقها، في أي دولة برأيك؟
جميعنا معجبون بنموذج السويد والدنمارك، ولكن الطقس هناك بارد، لذلك الأفضل أن ينطلق النموذج الاقتصادي الجديد من لبنان (يضحك). علينا ابتكار نماذج جديدة، ولكن تجربة الدنمارك والسويد تبين أنه يمكن أن يكون هناك حكومة كبيرة وتكون مثمرة للغاية وفعالة وتؤمن التوزيع المتكافئ للدخل الوطني. فلو كانت الحكومة الصغيرة كافية لضمان غنى الدول، لكانت بلغاريا ورومانيا أكثر ثراء من الدنمارك والسويد. باختصار إذا كان لديك حكومة فعالة وخدمات عامة جيدة، سيكون الوضع مريحاً، ولكن هذا ليس نموذجاً مثالياً.

هناك تحديات جديدة اليوم مع الملاذات الضريبية المالية العالمية، وهناك حاجة لتنظيم المجتمعات السياسية الكبيرة بطريقة ديمقراطية، على المستوى الأوروبي، المستوى العربي، مستوى أميركا الشمالية ومستوى أميركا الجنوبية، هذا هو التحدي. إذا كنت تريد أن تبقي العولمة لن تتمكن من تنظيم الرأسمالية المعولمة مع الدول الصغيرة، تحتاج إلى أن تكون الكيانات أوسع. ولكن في الوقت نفسه كنت تريد لها أن تكون ديمقراطية.


13-تقترح سن ضريبة عالمية تضامنية على الثروة لحل أزمة التفاوت الحاصل، هل تعتبر فعلاً أنه يمكن الوصول إلى تطبيق اقتراح كهذا، في اشتداد قبضة الأوليغارشية في الدول وكذا على صعيد المشهد العالمي؟

اعتقد أنه يمكن أن نتحرك تدريجياً في هذا الاتجاه، بدءاً من الضرائب القومية (مثل الاتحاد الأوروبي مثلاً) على الثروة مع زيادة التعاون بين حكومات هذه الدول، وكذا تأمين التبادل التلقائي للمعلومات، بحيث تعرف كل إدارة ضريبية بيانات أي بلد آخر عضو في الاتحاد القومي. وهكذا، نستطيع إقرار ضريبة مشتركة إذا أردنا، على سبيل المثال إذا كنا نريد تمويل مشروع من أجل الصالح العام مثل الاحتباس الحراري أو تحد عابر للحدود الوطنية...
في المستقبل المنظور، هذا ما يدور في ذهني. بالطبع لا يمكننا أن ننتظر الأوليغارشية أو مجموعات الأثرياء لتأييد هذا الموضوع. الضرائب ليست تبرعات، وإنما يتم إقرارها عبر ديمقراطية الأكثرية، ومن ثم يتم فرضها لكي تطبّق.


14- هذا يعني إقناع الناخبين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للاتجاه نحو اليسار؟
هذا يأخذنا إلى بيرني ساندرز. الناس تعبوا حقاً مع تزايد اللامساواة، ومن المؤثر جداً أن بيرني ساندرز يعمل بشكل جيد. تقريباً يحصل على مناصفة في الأصوات بينه وبين هيلاري كلينتون على الرغم من أنه لم يكن هناك أي دعم إعلامي كبير لساندرز، فقد كان الدعم ينحو صوب كلينتون بطريقة متطرفة. وعلى الرغم من ذلك، فقد تبين أن الشباب يدعمون ساندرز، أو بالأحرى الأشخاص الذين هم دون الـ45 عاماً، وهذا أمر لافت.

15- تنطلق اقتراحاتك من حسن نية في التعامل مع الأقلية التي تتحكم بالسياسات الاقتصادية العالمية، هل الأمر حسن نية فعلاً، أم محاولة لخلق التفاؤل في عالم يبدو أنه يسير نحو الأسوأ؟
اعتقد أن القوى المتشائمة والقوى القومية لا تحتاج إلي، فهي لا تحتاج إلى المثقفين، هي قوية بما فيه الكفاية. اعتقد أن هذا جزء من دوري بصفتي مثقفاً لوصف الطريق المعقول من أجل التقدم والأمل. هل سيفكرون أو يحاولون تغيير سياساتهم؟ أنا لا اعرف. التاريخ يعلمنا أنه هناك دائماً بدائل، وليس هناك ما هو حتمي ونحن لا نعرف ما الذي سيحدث مسبقاً. إذا نظرتم إلى تاريخ الضرائب في القرن العشرين، في 1910 مثلاً لم تكن هناك ضريبة على الدخل في الولايات المتحدة أو فرنسا، الكثير من الناس لم يتوقعوا فرض مثل هذه الضريبة، ولكنها فرضت... أنا لست مأخوذاً بالذين يعرفون مسبقاً ما سوف يحدث أو ما لن يحدث.


16- إذا لم تحل قضية عدم المساواة، هل يمكن القول إنه يمكن أن نرى انهياراً بنيوياً أو حتى حرباً عالمية؟
التهديد الرئيس بالنسبة إلي هو صعود الحركة القومية، ومعاداة المهاجرين والمشاعر المعادية للمسلمين، وغيرها من سياسات الكراهية، والتي اعتقد أنها نتيجة ارتفاع عدم المساواة في نواح كثيرة. في بلدي فرنسا، فإن صعود ماري لوبان واليمين المتطرف، هو أمر مخيف وخطير جداً. هذه ليست حربا، ولكن هذا يشير إلى الكثير من التوتر الذي يمكن أن يتطور...


17-استخدمت الأرقام والبيانات في عملية الوصول إلى الاستنتاجات، وتم توجيه الكثير من الانتقادات خصوصاً لبعض الأخطاء في الأرقام وكذا اتهمت بالمبالغة وعدم نشر مصادر لبعض الأرقام، فهل بعد هذا النقد فكّرت بتعديل الأخطاء؟ وهل يمكن أن تغير الاستنتاجات التي وصلت إليها؟
أنا لا أتذكر أنه توجد أخطاء. الكتاب كان ناجحاً بشكل لا يصدق. الأمر الذي أثار الكثير من الجدل. هذا أمر جيد تماماً. والمشكلة هي أنه عند نقطة معينة كان الكتاب ناجحاً لدرجة أن الجميع يريد أن يكتب عنه، بما في ذلك الناس الذين لم يقرأوا الكتاب. هذا أدى في بعض الأحيان إلى استنتاجات خاطئة. صحيفة "فايننشال تايمز"، التي قالت إنه هناك أخطاء في الأرقام، عادت وقدمت لي جائزة أفضل كتاب اقتصادي لهذا العام، وهذا ما جعلني في حيرة من أمري.
بعد ستة أشهر، أنا ممتن جداً لهم على الدعاية المجانية، ولكننا وضعنا على الإنترنت جميع البيانات التي كانت في الكتاب منذ البداية. وفي موقعنا "The World Wealth and Income Database" توجد بلدان جديدة كل أسبوع تقريباً، لم تكن مشمولة في كتابي. أعتقد أن أفضل تأثير لنشر الكتاب ونجاحه، هو أن المزيد من البلدان نشرت بياناتها المالية، منها البرازيل والمكسيك، كما تم الإفراج عن بيانات جديدة في كوريا وكذا في الهند حيث أعلن رئيس الوزراء أنه تم نشر الأرقام بناء على طلبي. أما في الشرق الأوسط، فموضوع نشر البيانات صعب جداً، ولكن يوجد مساعد في لبنان يعمل على بيانات هذا البلد.
وبالتالي، لا اعتقد أن هناك أخطاء في الكتاب، ولكن من المؤكد أنه لم يكن كاملاً. هذا في حين أننا لا نزال نجمع البيانات. وأنا أتفق مع كل الناس الذين يعتقدون أننا ما زلنا لا نعرف إلا القليل.
أحاول قصارى جهدي معرفة المزيد عن واقع الدول في المستقبل. إذا كان أي شخص لديه خلفية مالية يريد أن يساهم في المساعدة سأكون سعيداً، ولكن لم تكن هناك أي مساهمات بناءة حتى اليوم.
وأيضاً، ليست هناك نتيجة واحدة في كتابي. كل بلد له قصة مختلفة عن عدم المساواة. أنا لا أقول إن اللامساواة تزيد دائماً في كل مكان وفي كل بلد، إذ إن هذا سيكون غبياً. والموضوع لا يرتبط بالحتمية. إذ إن طبيعة اللامساواة في البرازيل مثلاً مختلفة عن مثيلتها في جنوب أفريقيا... إلخ.


18-كيف تنتقد كتابك بعد نشره؟

هو محدود، حيث يمكن القول إن البيانات والتحليلات الأساسية ركزّت على الدول الغربية، في مقارنة مع بقية دول العالم. إذ إن الكتاب لم يتطرق كثيراً إلى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا الجنوبية، وهذا جزئياً بسبب عدم وجود بيانات، هذا عذري الرئيسي. الأمر ليس مجرد عذر، إنه واقع حقيقي. كما أنني تأثرت جداً في بحثي مع ما حدث خلال الثورة ضد عدم المساواة في القرن العشرين خصوصاً آثار الحرب العالمية، والثورة البلشفية، وروزفلت، وريغان ودولة الرفاه... هناك أيضاً دروس مهمة أيضاً بالنسبة للشرق الأوسط وأفريقيا، وكذا ما يحدث في آسيا اليوم. أنا أعمل الآن أكثر في أجزاء أخرى من العالم، وآمل أن عملي المقبل سيكون أقل تركيزاً على الغرب.

19-هل تعتقد يوجوب تعزيز الثقافة الاقتصادية للأطفال وصولاً إلى الشباب؟ أليست جزءاً من المشكلة أن معظم الناس لا يفهمون الاقتصاد والسياسات الاقتصادية؟

أعتقد أنه ينبغي اعتماد آلية مختلفة لتعليم الاقتصاد، ليكون أقرب إلى العلوم الاجتماعية. وفي رأيي أن نجاح الكتاب يبين أن هناك الكثير من الناس في العالم الذين تعبوا، والذين يرغبون في معرفة المزيد حول القضايا الاقتصادية، إلا أنهم يجدون أن هذا أمر معقد جداً بالنسبة لهم. أحياناً، الاقتصاديّون لديهم ميل إلى استخدام الكثير من المصطلحات التقنية ونماذج رياضية معقدة، ولكن على هذا الواقع أن يتغير إذا كنا نرغب في المساهمة في محو الأمية الاقتصادية.



بطاقة تعريف:

توماس بيكيتي، فرنسي من مواليد العام 1971 هو خريج المدرسة العليا للأساتذة وحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد. في 2013، ألف كتابه (رأس المال في القرن 21)، الذي حقق انتشاراً عالمياً مذهلاً بعد ترجمته للإنكليزية في العام 2014، بعدما ألف تسعة كتب مبنية على أبحاث حول النمو والتفاوت والسياسات الضريبية. نالت أطروحته للدكتوراه "مقالات حول نظرية إعادة توزيع الثروات" جائزة أفضل أطروحة لسنة 1993، الممنوحة من طرف الجمعية الفرنسية للعلوم الاقتصادية. عمل في مجال الأبحاث والتعليم حتى العام 2000، حين أصبح مديراً للدراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS). في 2006، أنشأ مؤسسة جامعية فرنسية جديدة، قادرة على مضاهاة كلية لندن للاقتصاد، وهي مدرسة باريس للاقتصاد. في 2012، اختارته مجلة فورين بوليسي، ضمن لائحة الـ 100 مثقف الأكثر تأثيراً في العالم.


الكتاب الأخطر في العالم... 

يدرس كتاب "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" الديناميات العالمية لتوزيع الدخل والثروة منذ القرن الثامن عشر في عشرين دولة، مستفيداً من بيانات تاريخية تم تجميعها خلال 15 عاماً بمساعدة أكثر من 30 باحثاً. وقد أثار الكتاب جدلاً عالمياً واسع النطاق، خصوصاً عند صدور ترجمته الإنجليزية في عام 2014 بعد عام واحد من صدور طبعته الفرنسية الأصلية. وكذا لاحقت الكتاب والكاتب مقالات نقدية، إلا أنها لم تشكك بأهمية الكتاب، الذي حصل على أعلى مبيعات في العالم، والذي وصف بـ "أخطر كتاب في العالم"، وذلك بسبب استخدامه البيانات والأرقام لإثبات إنتاج الرأسمالية للامساواة. ويتألف الكتاب من أربعة أقسام: الجزء الأول: الدخل ورأس المال. الجزء الثاني: ديناميات معدل رأس المال / الدخل. الجزء الثالث: بنية اللامساواة. الجزء الرابع: تنظيم رأس المال في القرن الواحد والعشرين. وقد اشتهر الكتاب بدراسته الواسعة لواقع تركز الثروة في الغرب خصوصاً، من خلال المقارنة بين صافي معدل الضريبة على عائد رأس المال مع النمو الاقتصادي (GR)، معتبراً أن تزايد الأولى على حساب الثانية يعني مزيداً من اللامساواة. كما عرف الكتاب بدعوته إلى اعتماد ضريبة تصاعدية، فضلاً عن زيادة معدل الضريبة على الإرث عبر التنسيق بين مختلف دول العالم. وقد صدرت خلال العام الحالي طبعة عربية للكتاب من 656 صفحة، عن دار التنوير، ترجمة كل من وائل جمال وسلمى حسين. وقد زار بيكيتي مصر خلال الأيام الأخيرة لتوقيع أولى نسخ كتابه باللغة العربية، إذ ألقى أكثر من محاضرة. كما زار بيروت يوم الخميس الماضي، حيث ألقى محاضرة في الجامعة الأميركية، بدعوة من "معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية"، بالتعاون مع المعهد الفرنسي ودار التنوير تلاها توقيع نسخ من كتابه باللغة العربية.

المساهمون