تنبيه من البنك الدولي

15 مارس 2019
+ الخط -
"الرأسمالية المتوحّشة"؛ عبارة استهلكت حتى أصبحت بلا معنى تقريباً. أصبحت تحيلُفي الغالب إلى مسائل مثل تدمير غابات وتلويث بحار، أو قد تحيلُ إلى مصائر بلدان كالعراق وليبيا يدهس تاريخها وشعبها ضمن ضرورات مواصلة الرأسمالية لمشروعها الممتدّ منذ أكثر من خمسة قرون.

المفارقة أنه كلما كان الأثر أضخم، كان من الممكن أن يشعر الفرد بأنه في مأمن من "توحّش الرأسمالية". عندها فهو في حاجة إلى مثال حي ومباشر كي يستوعب الأمر، علماً أن الرأسمالية، بفضل معادلاتها الداخلية – بحسب مصطلح عالم الاقتصاد النمساوي الأميركي فريدريش هايك - تسهر على توجيه هذا المثال في رسالة، تكاد تكون اسمية، لكل من يعيش فوق الأرض: كوكبها.

حدث في تونس، منذ أيام، خطأ طبّي في مستشفى عمومي راح ضحيته 12 مولوداً حقنوا بمصل انتهت صلاحيته، بحسب قراءات أوّلية. لعلّه أحد الأيام الأكثر سوداوية في تاريخ البلاد، من ناحية عدد الضحايا على الأقل. أما إذا تتبعنا خيوط المأساة، فسنجد ما هو أكثر سوداوية لا شك. لقد بلغ الإهمال درجة الغليان (نفضّل ألا نتجّه صوب احتمال أن تكون الجريمة مقصودة)، علماً أنها حادثة ليست معزولة، هي فقط الصدمة الكبرى (إلى حد الآن)، فمنظومة الصحة العمومية في تونس باتت منذ سنوات طويلة تقدّم مثل هذه الأخطاء الكارثية بلا استحياء. وفي كلّ مرّة تنهض سجالات، بين منتقدين ومبرّرين، والنتيجة واحدة؛ صناعة رأي عام موحّد حول قطاع الصحة في تونس. 

ملخّص ما تقوله جميع هذه الأخطاء هو أنه لم يعد ممكناً اليوم الاطمئنان إلى خدمات المستشفيات العمومية، وبالتالي فلا مناص من الذهاب إلى المصحّات الخاصة، حيث الرعاية والنظافة واللطافة (هي الأخرى تحدث فيها أخطاء طبّية لكن تبقى مصنفة كحالات خاصة بسبب عدم الالتفات الإعلامي المكثف). فإذا كان لأحدهم النية أن يكون أباً أو أماً، فهو اليوم غير مخيّر تقريباً؛ عليه التوجّه إلى مصحة خاصة. وإذا كان في حاجة إلى تدخّل جراحي، فعليه أيضاً التوجّه إلى هناك كي تكون له حظوظ للخروج حياً، أو على الأقل سيكون مطمئناً أكثر.

بشكل موازٍ، يمكننا أن نقرأ ما يحدث في قطاعات الخدمات العمومية الأخرى في تونس، التعليم والنقل، كلاهما أصبح مسرحاً للعبث، وأحياناً للرعب. تتغيّر المفردات والعناصر والوجوه، أما المخرجات فهي ذاتها: إقناع المواطن بأنه لا بديل سوى خصخصة هذه القطاعات كعلاج أخير.

كانت الدولة التونسية فاشلة في الغالب في تمرير خطاب الخصخصة منذ سنوات طويلة. بقي الوعي الشعبي حجر عثرة في سبيل هذه الأجندة المسلمة جاهزة من النظام المالي العالمي بالاسم الإصلاحات الضرورية لتحديث الاقتصاد. لا يحتمل السياسيون أن يقال لهم إنهم دمى تحرّكها الإملاءات، وبذلك توقّف هذا الخطاب لسنوات، لكن يمكن لهم أن يقفوا "محايدين" في الوقت الذي يهيّئ آخرون التربة والمناخ لظهور وحوش (يقال إنها من خارج الدولة) تصنع سيناريوهات المستقبل. 

الجالسون في مكاتب البنايات الضخمة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن يعرفون أن الرأسمالية، ومنذ أن يفسح لها المجال كما ينبغي، ستبلغ أهدافها (بفضل معادلاتها الداخلية). هم الآن مطمئنون: تونس في الطريق الصحيح، لقد وصلت رسائلهم إلى صندوق بريد كل مواطن تونسي: التلفزيون.