تلويحة محبّة إلى بلال فضل

04 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
عَرضت شاشة تلفزيون العربي، قبل بدء شهر رمضان، آخر حلقات برنامج الكاتب والسيناريست المصري، بلال فضل، "عصير الكتب"، فاكتملت بذلك 180 حلقة أسبوعية منه، في نحو أربع سنوات. ومع اكتمال الشهر المبارك أمس، يودّع رفاق الشاشة نفسِها برنامجه الآخر "الموهوبون في الأرض" بعد 150 حلقة في خمسة مواسم رمضانية. والمأمول ألا يطول غياب الزميل الحاذق عن شاشة "العربي"، فيعودُ إليها ببرنامجٍ ثالث، في الوسع أن يقول واحدُنا، بثقةٍ فائضةٍ، إننا، نحن النظّارة، سننشدّ إليه، وإن متعةً وإفادةً وفيرتيْن سنُحرزهما منه، أخذا بقياس الشاهد على الغائب، فالبرنامجان، الأسبوعي والرمضاني، شاهدان يدفعاننا إلى انتظار جديدٍ آخر، مبهج ومفيد، من مثقفٍ وإعلاميٍّ شغوف بالحكاية، اسمُه وحده، بلال فضل، بطاقةُ ضمانٍ لنجاحٍ مؤكّدٍ لهذا البرنامج المرجو. وفي وسع كاتبنا أن يحمل عدّة بطيخاتٍ في يد واحدة، ففيما كان يعدّ البرنامجين، ويقدّمهما، كان يواصل كتابة مقالاته، القصيرة سابقا، ثم المطوّلة إلى حدٍّ مهول (ثلاثة آلاف كلمة أحيانا!) لاحقا. وإذ من المرتقب أن تصدُر له رواية ومجموعة قصصية قريبا، فالمرجّح أنه كان يكتبهما في غضون مشاغله التلفزيونية. وبذلك لا تصير أوْبته إلى الكتابة الصحافية في مدوّنات "العربي الجديد" ذريعةً للاستنكاف عن تهيئة جديدٍ تلفزيوني، يتوفّر على شائقٍ كثيرٍ، كالذي ألفناه في برنامجي تلفزيون العربي المودّعيْن. 
قال عادل إمام، قبل سنوات، إن بلال فضل يكتب وكأنه قاعدٌ في صالةٍ، وكأن إيقاع الناس معه. يُخبرنا بلال نفسُه بأن صديقه النجم الشهير أبلغه بذلك في واحدةٍ من دردشاتهما. وأظنّها هذه العبارة يمكن أن تنسحب على أداء زميلنا (لم نلتق بعد) على الشاشة، متحدّثا عن كتابٍ أو كاتب، عن فنانٍ أو فنانة، عن أي شأن. يُؤْثِر أن يكون طلْقا في الحكي والاسترسال، بعفويةٍ وبساطةٍ لا حدود لهما، لكنهما لا تغفلان عن الجوهري في المسألة. لقد بسَط في "عصير الكتب" مئات الكتب العربية والمترجمة أمام المشاهدين، عرّف بها وبمؤلفيها، جال فيها، أضاء عليها، وصل بينها وبين غيرها. وفي هذا كله، وفي الطواف مع كل كتاب، أتقن جذب المشاهد، ولم يورّطه في مثل ذلك الإملال المعهود في برامج ثقافيةٍ تلفزيونية غير قليلة. وفي محاورات بلال، في البرنامج نفسه، مع نحو مائة كاتب عربي (وقليلٍ من الأجانب)، فلم يكن التباسط معهم غير واحدٍ من أدوات هذا الإيقاع الذي يحبّبك في أن تسمع، وأن تتعرّف على الضيف ومؤلفاته وترجماته، وتجربته الثقافية العامة. ولأسبابٍ مثل هذه، وأخرى غيرها، في الوسع أن يوصَف "عصير الكتب" بأنه من أهم البرامج الثقافية في الفضائيات العربية، سيما وأن هذه الفضائيات لا تحرص على توفير برامج مختصّة بالكتب ومؤلفيها.
أما "الموهوبون في الأرض"، فقصةٌ أخرى شرحها يطول. أرطالٌ من الحكايات عن فنانين وفنانات مصريين (وبعض العرب)، نجومٍ ومشاهير وآخرين متنوعي المنزلة الجماهيرية. يُدهشك بلال فضل في إحاطته بتفاصيل التفاصيل عنهم، يحكي عنها بحبٍّ وبدراية، بتعاطفٍ مع الأسى والمكابدة فيها. وفي الأثناء، يأتي على قضايا الشهرة والإنتاج السينمائي والصحافات الفنية والمصادفات وأجور الفنانين والتسويق ومسائل لا عد لها. تسمع في هذا البرنامج الشائق بعض "الحكاوي" والطرائف، ولكنها ضمن مروياتٍ عن تجارب إنسانية، فيها شقاءٌ وكدح، ومغالبةٌ وحفر في الحياة، وتسمع أيضا آراءً في أفلام ومسرحياتٍ ومسلسلات. سيتأكد لك أن الفنانين، في غالبيتهم العظمى، وأيا كانت مستويات منتوجهم وحضورهم، هم أولا وأخيرا "شغّيلة"، يعملون من أجل أن يعيشوا. أنفق بلال فضل مجهودا فائق الاستثنائية، في جمع مادّته الغزيرة المثيرة، المتنوّعة الإحالات، منذ أولى حلقات "الموهوبون في الأرض" عن أحمد زكي إلى آخر الحلقات عن صلاح السعدني. أفاد كثيرا من أرشيفٍ ثقيلٍ، بعيدٍ وقريب، ومن معرفته بكثيرين ممن تحدّث عنهم، فتوفرت لمشاهدي هذا البرنامج المتقن معرفة، لا بطلاقاتٍ وزيجاتٍ وخراريف مكايداتٍ بين هذه الممثلة وتلك، وإنما بتجارب في الحياة، لكثيرٍ منها حرارُتها وغناها. ..
أوجزت الأسطر أعلاه عن متعٍ ضافيةٍ في برنامجيْن تلفزيونين رائقيْن، وكل إيجازٍ مخلٌّ بداهة، وأرادت أيضا إرسال تلويحة محبّةٍ إلى بلال فضل.