تفجير القديح والتفسير الطائفي للصراع

25 مايو 2015
الصورة

مسجد علي بن أبي طالب بعد التفجير (22 مايو/2015/Getty)

في قرية القديح، شرق السعودية، فجّر انتحاري نفسه في جمعٍ من المصلين الشيعة، داخل مسجد الإمام علي، ليُستشهد 21 شخصاً، ويُجرح العشرات، وهي العملية الثانية من نوعها التي ينفذها تنظيم "داعش"، في غضون أشهر، بعد عملية قرية الدالوة في الأحساء. تلت الصدمة حملة استنكار من المؤسسات الرسمية، ومن النخب وعامة الناس، في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن خطورة الظرف تحتاج إلى حديثٍ صريح، تحديداً حول موقف بعض الدعاة والنخب الإسلامية، من السلفيين، والإخوان المسلمين، والدائرين في فلكهم، المنخرطين في التفسير الطائفي للصراع الإقليمي، فهؤلاء يستنكرون الحادثة، ثم يعودون إلى الاشتغال بالعدّة الطائفية، ويصل بعضهم إلى تحميل الضحايا مسؤولية قتلهم، بسبب موقفهم السياسي من الأحداث الإقليمية. 

نعايش صراعاً إقليمياً كبيراً، تقوم فيه دول وقوى سياسية، برفع راياتٍ طائفية، وحشد الناس وتعبئتهم طائفياً، لكن هذا التمظهر الطائفي للصراع لا يعبر عن جوهر الصراع في المنطقة، فالدول تتنافس على نفوذٍ سياسي واقتصادي، والأحلاف الإقليمية تتشكل في منطقتنا، منذ عقودٍ طويلة، ضمن مواقف سياسية معينة من أحداث الإقليم، ومن الحالة الاستعمارية والإسرائيلية، ومن القوى الدولية الكبرى، ما يعني أن عوامل الصراع ليست طائفية بالضرورة، وإن أخذ الشكل الطائفي بالبروز في العقود الثلاثة الأخيرة، نتيجة متغيرات عديدة.

وحتى في التفاصيل، لا يمكن القول إن صراعاً ينشب بين السنة والشيعة في المنطقة، إذ إن المشهد الإقليمي أعقد من هذه القراءة السطحية والاختزالية، وحين نلقي نظرة على مناطق الصراع، نجد اختلاطاً حقيقياً بين الطوائف، على الرغم من تسيّد اللغة الطائفية للمليشيات المتصارعة، ففي العراق، قاتلت عشيرة الجبور السنية مع الحكومة العراقية، ومليشيات الحشد الشعبي الشيعية، ضد تنظيم داعش وعشيرة البوعجيل المتحالفة معه. وفي سورية، يقاتل الجيش النظامي هناك، وعدد كبير من أفراده من السنة، ضد فصائل المعارضة السورية. أما في اليمن، فلا يتمكّن التحليل الطائفي من فهم تموضع القبائل اليمنية داخل معادلات الصراع هناك. بالإضافة إلى وجود صراعات في مصر، وشمال إفريقيا، لا علاقة لها بالمسألة السنية الشيعية. وفي المحصلة، لا يمكن اختزال الصراعات الإقليمية المعقدة والمتشابكة بالتفسير الطائفي الذي لا يلحظ إلا انقساماً سنياً شيعياً، على مستوى المنطقة والعالم.

يقرأ هؤلاء الإسلاميون، تفجير القديح، بوصفه جزءاً من المشهد الإقليمي المضطرب، ولا يمكن إنكار التأثير الإقليمي هذا، بل تؤكد الأحداث كل يوم وجود فضاءٍ عربي واحد، تتفاعل عناصره بشكل واضح، ويؤثر بعضها على بعض، لكن هؤلاء يستخدمون هذا العنوان، لتمرير سرديتهم الطائفية للصراع في المنطقة، ما يتجلى في أمرين: الأول التأكيد المتكرر على رفض خلط التفجير الأوراق، وتقديم "مظلومية الشيعة" إعلامياً، على حساب "المظلومية السنية"، إذ يتنافس هؤلاء مع الطائفيين الشيعة على احتكار المظلومية، في إطار انخراطهم جميعاً في الصراعات الأهلية العربية. لذلك، يحرص هؤلاء على التذكير بوجود مشهد إقليمي، يلعب "الإرهاب الشيعي" فيه دور المجرم، كي لا ينسى الناس "المظلومية الحقيقية".


الأمر الآخر مرتبط بالأول، وهو اعتبار شيعة السعودية جزءاً من كتلة شيعية سياسية عابرة للحدود، في مقابل كتلة أخرى سنية، بما يترتب على ذلك من عدم اعتبار المصلين في مسجد القديح مجرد ضحايا أبرياء، لعملية إجرامية غادرة، بل هم مسؤولون، بشكل أو بآخر، عن استهدافهم، إما لافتراض تبنيهم موقفاً سياسياً معيناً، من الأطراف الشيعية في الإقليم، أو لعدم استنكارهم مواقف تلك الأطراف، وفي الحالتين، لابد من مساءلة الناس، واستنطاق موقف من يسمونه "المثقف الشيعي"، من كل القوى الشيعية، فقط لأنه يشترك في الانتماء معهم للمذهب نفسه، والمطلوب منه أن يطابق موقفه موقف أولئك الإسلاميين، وإلا فإنه ينحرف عن بوصلة الأخلاق والشرف، ويصبح شريكاً في "الإجرام".

يشبه هذا مطالبة بعض الغربيين المسلمين باستنكار جريمة "شارلي إيبدو" في باريس، فقط لأن المجرم مسلم، وفي الحقيقة، فإن الشيعي في عُرف هؤلاء متهم، لأنه شيعي، وعليه إثبات براءته بتبني مواقفهم من دون نقاش، فهم لا يستطيعون قراءة موقف المرء، خارج إطار انتمائه المذهبي، كما أنهم لا يغادرون تعريف ذواتهم والآخرين طائفياً في المجال العام، ولا يستطيعون التفكير بأتباع مذهبٍ متنوعين، إذ لا يرونهم إلا كتلةً سياسية صماء. يضاف إلى ذلك أن بعض الإسلاميين يتبنى خطاباً طائفياً صريحاً، فيما بعض آخر، ممن يُصنِّفون أنفسهم "معتدلين"، يجبن عن مواجهة خطاب الكراهية المذهبي، داخل الحالة الإسلامية السعودية، مراعاةً لحسابات جماهيرية، بل وينخرط في القراءة الطائفية لمشكلات الإقليم، ولا يجيد سوى الهرب من خيبته إلى الأمام، عبر استنطاق مواقف النخب "الشيعية" من كل شيعة العالم، ورمي الكرة في ملعبها.

لا يصنع استنكار هؤلاء شيئاً، طالما استمروا في تقديم خطابٍ موتور، يعزز الحالة الطائفية، ولا بد من الإقرار بوجود صادقين من مختلف التيارات، في رفض الفتنة، لكن الخطاب الطائفي يشكل ظاهرةً عند الدُّعَاة ووسط "النخبة"، ومن لا يرى الأمور إلا بالعين المذهبية لن يكون سوى مشجع في المدرجات، يهتف للشعبوية والغرائزية، ويصب الزيت على نار الفتنة.
تعليق: