تغيير العقيدة الأمنية: نتاج الاتفاق المأساة

30 سبتمبر 2018
الصورة
الارتباط العسكري بالتسعينيات تناقض مع الشخصية النضالية (فرانس برس)
قبل الذهاب بعيداً في البحث عن الأبعاد الأمنية لأوسلو وما فعلته، فإن واحدا من أهم التساؤلات المشروعة والمشفوعة بالتجربة كيف حولت أوسلو المطاردين في فلسطين والفدائيين القادمين من الخارج إلى ضباط أجهزة أمنية؟ بمعنى آخر، عاش الفلسطينيون ظاهرة تحول فيها المطارد إلى ضابط في جهاز أمني، وبعدما كانت مهمته مواجهة الاحتلال في أزقة غزة ومخيماتها والاشتباك معه، أصبح ضابط تحقيق في الأمن الوقائي أو المخابرات يحقق ويستجوب كل من يفكر في مواجهة الاحتلال، بل ويطلب منه تسليم سلاحه أيضا.
ما زالت الذاكرة الفلسطينية تحتفظ بأسماء وحالات وملاحقات، بل ربما أن واحدا من أسباب الانقسام وتعثر المصالحة هو ذاك الميراث من الممارسات الأمنية القمعية التي استفحلت منتصف سنوات التسعينيات أي عقب عامين فقط على اتفاق أوسلو، الذي أنتج أجهزة أمنية أصبح من أهم مهامها ملاحقة ومتابعة كل من فكر أو سعى لمواجهة الاحتلال. لا في فلسطين بل وصلت الملاحقات والمتابعة حتى الطلبة في جامعات الخارج. حتى بات الاقتراب من الإسلاميين أو تبني فكرة مواجهة الاحتلال أو الاعتراض على أوسلو مدخلا للملاحقة والمتابعة والاعتقال والاستجواب. لم يكن الأمر مجرد انعكاسات أو تغيير فقط في العقيدة الأمنية للثورة الفلسطينية وثوارها ومناضليها وفدائييها بل أصبحت الممارسة القمعية جزءاً من النشاط اليومي لهذه الأجهزة. وأصبح هؤلاء الضباط الذين كانوا بالأمس أسرى ومناضلين يقومون بمهمة التنسيق الأمني وفق كل ما تريده إسرائيل، لم يكن الأمر مسحا للذاكرة بقدر ما هو غسل للدماغ الأمني الفلسطيني.
تغير العقيدة الأمنية لم يكن في عقيدة الضباط، بمعنى أنه لم يكن فردياً بل رسمياً ومؤسساتياً يعبر عنه رأس السلطة الفلسطينية، ففي 22 يونيو/حزيران 2005 لم يكن حينها مضى أكثر من عام على رحيل الرئيس ياسر عرفات، كانت انتفاضة الأقصى في أوجها والاجتياحات الإسرائيلية في أعنف مراحلها، قال رئيس السلطة محمود عباس في لقاء جمعه مع أرييل شارون: "كل رصاصة توجه ضد إسرائيل هي رصاصة موجهة ضد الفلسطينيين أيضا".
لقد أصبح التنسيق الأمني واحداً من أبرز مخرجات أوسلو، بعدما ألزمت اتفاقية طابا الموقعة عام 1995 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بمنع الإرهاب بل قالت الاتفاقية بمسؤولية السلطة عن منع الإرهاب والمنع يقتضي إجراءات استباقية والإرهاب مصطلح فضفاض، ولم تكتف اتفاقية طابا بذلك بل قالت بأن على السلطة اتخاذ الإجراءات المناسبة بحق الإرهابيين. ثم ماذا؟ ثم تتبادل إسرائيل والسلطة المعلومات حول تحركات خلايا المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها كتائب القسام، التي حدثني أحد قادتها أنه في العام 1996 أي بعد عام على الاتفاق الأمني في طابا لم يبق أحد من عناصرها خارج سجون السلطة.
إن الانعكاسات الأمنية التي أنتجها اتفاق أوسلو لم تتوقف عند حدود التنسيق الأمني فقط بل أصبحت شراكة عملية بين سلطات الاحتلال وسلطة أوسلو بعدما أصبحت المقاومة الفلسطينية الهدف الأساسي لهذا الاتفاق لمنع مهاجمة قوات الاحتلال ومستعمراته من خلال اعتقال كل من يشتبه به التفكير أو التخطيط لتنفيذ مثل هذه العمليات وزجه بالسجون دون محاكمة لحماية الأمن الإسرائيلي.
إن واحداً من مخرجات أوسلو أنه أوجد حالة من الانفصام أو قل التناقض أو التضارب أو غياب الهوية الوطنية للأجهزة الأمنية الفلسطينية وكادرها البشري الذي عليه أن يواجه الإرهاب ويمنعه من المساس بأمن إسرائيل، وأن يحافظ على أمن المواطن الفلسطيني دون أن يصطدم أو يواجه أو يمنع الاجتياحات الإسرائيلية أو القصف والقمع والاعتقال لأي فلسطيني، وأن يكون أو يقدم نفسه للناس كجزء من المشروع الوطني التحرري.
لقد صاغ اتفاق أوسلو العقيدة الأمنية الفلسطينية وفق معادلة أو منظومة متناقضة جداً ولا يمكن أن تلتقي أبدا، عقيدة تطالبه بمكافحة الإرهاب أي مواجهة المقاومة وربما الاصطدام معها، وحماية المواطن طبعا لا يقصد بذلك حمايته من إسرائيل وممارساتها إطلاقا ربما حمايته من جاره، ثم أن يقدم الجهاز الأمني نفسه كجزء من مؤسسة وطنية تدور في فلك مشروع وطني تحرري، هذا الثالوث لم يكن ممكنا أن يتوافق أو يتطابق لكنه كان أحد أهم مخرجات اتفاق أوسلو وما زال رغم تلاشي أوسلو كلها.
لم يكتف اتفاق أوسلو بصياغة المعادلة المتناقضة السالفة بل تطور الأمر حتى بات التدريب على يد فريق أمني أميركي بهدف تجفيف منابع الإرهاب أحد مكونات العقيدة الأمنية الفلسطينية، ليصبح الهدف تكوين جيل جديد من الشباب الفلسطيني كأحد أبرز وأهم مهام فريق التنسيق والتدريب الأميركي بقيادة الجنرال دايتون الذي أشرف على صناعة العقيدة الأمنية لأجهزة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لتصبح فرضيات هذه العقيدة وفق خطاب قدمه ضابط أمني كبير في السلطة، أن هذا التدريب ليس من أجل قتال إسرائيل إنما لنتعلم كيفية العيش بأمان وسلام مع إسرائيل؛ وتطور الأمر حتى بات وقف انتفاضة الأقصى مطلبا للأجهزة الأمنية بعدما كانت شريكا فيها عند انطلاقتها وقبل رحيل عرفات، ثم لاحقا أصبح وقف عسكرة انتفاضة الأقصى الشغل الشاغل لهذه الأجهزة وعقيدتها الأمنية. هذه باختصار بعض ملامح الانعكاسات الأمنية لاتفاق أوسلو.
لم تقتصر انعكاسات أوسلو على العقيدة الأمنية للأجهزة فقط، بل امتدت لتطاول المواطن الفلسطيني العادي في تفاصيل يومه وحياته، ففي ثلاث سنوات فقط سجلت 30 ألف حالة اعتقال سياسي، وفصل أكثر من 3 آلاف موظف عمومي من وظائفهم بناء على تقارير أمنية تتحفظ على انتماءاتهم السياسية، وأصبحت السلامة الأمنية أحد أهم مقتضيات التقدم للوظيفة العامة والتي تعني أن تقول أو تفيد الأجهزة الأمنية بأنه لا مانع لديها من توظيف الشخص المتقدم، وكم من متقدم لم يحظ بفرصة التوظيف لأن ملف السلامة الأمنية الخاص به لم يكن كما تريد تلك الأجهزة.
لقد حلت العقيدة الأمنية المبنية على مقتضيات أوسلو والملتزمة بأمن الاحتلال بدلا من العقيدة الثورية للحركة الوطنية الفلسطينية كحركة تحرر، فخلقت حالة افتراق أفضت إلى ما هو عليه الحال الآن في المشهد الفلسطيني، بل إن هذه العقيدة كانت ولا تزال وستبقى من أهم معوقات اجتراح مصالحة فلسطينية حقيقية، وقد كانت تلك العقيدة من أهم مقدمات وصواعق تفجير المشهد في العام 2007 عام الانقسام الفلسطيني.
إن قراءة موضوعية في أدبيات وممارسات وخطاب الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، وربط الأمر بواقع ووقائع قطاع غزة ينتجان معادلة أنه لم يعد ممكنا إيجاد بيئة أو توافق ما بين شقي الوطن، هكذا حولت أوسلو الأجهزة الأمنية الفلسطينية من صمام أمان اجتماعي وإنساني وأمني إلى معيق وسد في وجه الوحدة الوطنية، وإن واحداً من أهم مقتضيات المصالحة الآن هو إيجاد توافق أو ملاءمة ما بين واقع غزة وواقع العقيدة التي تقوم عليها الأجهزة الأمنية بالضفة الغربية.
تعليق: