تطبيع وارسو و"صفقة القرن"

17 فبراير 2019
الصورة
+ الخط -
بعد إصرار إسرائيل، بقيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو واليمين العنصري، على رفض المبادرة العربية للسلام، لم تسحب الحكوماتُ العربية تلك المبادرة، بل مدَّ بعضُها جسرًا من التطبيع الفعلي، إلى محطَّة أخرى، أكثر انتقاصا، وإجحافا بالحقوق الفلسطينية والعربية، وهي "صفقة القرن"، هذا ما نطقت به أجدَدُ المواقف العربية في مؤتمر وارسو، (كما عبر عنه وزيرا الخارجية الإماراتي والبحريني) الذي ابتهج له نتنياهو كثيرا، ورآه (وهو المقبل على انتخابات، باتهامات جدّية بالفساد) علامةً على تراجُع القضية الفلسطينية لدى دولٍ عربيةٍ، أعرب له مسؤولوها عن تقدّم الخطر الإيراني عليها، وأعربوا عن تضامنهم مع دولة الاحتلال في الدفاع عن نفسها في سورية.
تمهّد هذه النقلة المهمة في العلاقات العربية الإسرائيلية لصفقة القرن التي تقترب كثيرا من رؤية الاحتلال، بالإصرار على الاحتفاظ بالسيادة على كامل فلسطين، من دون أن تُفضي إلى دولةٍ فلسطينيةٍ، ذات سيادة، في حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967. كما فُهِم ممَّا رشح منها. وقد قال أخيرا جاريد كوشنير، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق ما نقل نتنياهو: "كانت مبادرة السلام العربية مهمةً في ذلك الوقت، ولكنها لم تعد ملائمة لوقتنا الحالي؛ لأن الواقع قد تغيَّر".
حقَّق مؤتمر وارسو لإسرائيل، ضمنا وفعليا، جزءا مهمَّا ممَّا تطمح إليه، وهي في أوج تطرُّفها، واستخفافها، بالحقوق الفلسطينية، وفي أوضح درجات تواطئها مع التغوُّل الاستيطاني، وتغوّل المستوطنين، في الضفة الغربية، قتلا، منظَّما، واعتداءاتٍ سافرة، وبحماية قوَّات الاحتلال، على البلدات والقرى العربية. حقَّق "وارسو" اعترافا بالاحتلال دولةً طبيعيةً، يحقُّ لها المشاركة المباشِرة في قضايا المنطقة، وأزماتها، بل أن يسود شعورٌ بأنها أقرب، من دولةٍ كإيران، على ما قامت، وتقوم به إيران، من أدوار استحواذية، كما في العراق وسورية ولبنان واليمن. وعلى الرغم من بشاعة تورُّطها في مساندة نظام الأسد الذي ظلّ مُصِرًّا على الاحتفاظ بأسباب الظلم والقهر، والدموية، في علاقته بشعبه.
بهذه الانتقائية الظالمة؛ دموية الاحتلال، ومستوطنيه، لم تعد مَدْعاة للاستنكار، أو حتى مدعاة للتفكير فيها بوصفها أزمة مُلِحّة، تهدِّد ليس استقرار المنطقة فقط، بل حتى استقرار العالم، 
أصبح الهاجس الأكبر حفظ استقرار تلك النُّظُم الخائفة التي باتت أكثر قلقا على استمراريتها، بعد تحرُّكات الشعوب العربية وثوراتها. ولا نقول استقرار المنطقة، وإنما استقرار النُّظُم، تحديدا؛ لأن المنطقة، فعليا، لم تعد مستقرّة، مع هذه الحروب الممتدة، من سورية إلى اليمن إلى ليبيا، فضلا عن دولٍ تعاني حالة خطيرة من عدم الاستقرار الداخلي، كما مصر والعراق وغيرهما.
وعدوانية الاحتلال ودمويته، وهي المستمرَّة، بل المتمادية، والمُشَرْعَنة، بقوانين عنصرية، كما "قانون القومية" الذي لا يعترف بغير الشعب اليهودي في فلسطين، وإلا به، مستحقا لتقرير المصير، هذه العدوانية يجري التغطية عليها، أو التخفيف منها، بعدوانية تنظيمٍ كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي لا يحظى بأيِّ اعتراف، دولي، أو حتى شعبي، والذي ليس له مستقبل، ماديا، ولا فكريا، فالمسألة، هنا، لا تعدو ضربا من المغالطة المكشوفة، إذ أزمات المنطقة، وتوتُّراتها، وحتى صراعاتها، لا تُنْكَر، وهي ناجمة إما عن استحقاقات داخلية، أو منافسات إقليمية، تتفاقم، بسبب الضعف النسبي لتلك القوى الإقليمية، أمام القوى الدولية المهيمنة على أكبر النفوذ والأدوات. وتكمن المغالطة في تصوير إسرائيل كأنها دولة نجحت في الاندماج في المنطقة، وأنها قد تجاوزت أزمتها، وأصبحت مؤهلةً للمشاركة في حلّ أزمات المنطقة.
وهنا تنكشف الدول المتلهِّفة على التطبيع، بموقفٍ ضعيف الشعور بالمسؤولية القومية، أقرب إلى التجزيئية الضيّقة، ويزداد حرَجُها وضوحا، في ظلّ مقاطعة السلطة الفلسطينية المؤتمر، واستنكارها له، بوصفه تطبيعا للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ومع أنَّ "صفقة القرن" تتحقَّق، تدريجيا، بالاعتراف، بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبخطوات ضمّ الضفة الغربية، وبتكريس الانفصال عن غزة، وبغيرها، إلا أنها تبقى منقوصةً، ما لم تتوَّج بتأييد رسمي، فلسطيني عربي. وفي مؤتمر وارسو، تحقَّقت خطوة فعلية عربية، نحو دمج إسرائيل، لكنها تبقى رسمية جزئية، لا سند لها شعبيا. ولنتنياهو أنْ يرى أنَّ مؤتمر وارسو يهيِّئ الرأي العام في العالم العربي للتطبيع مع إسرائيل. ولكن لا نستطيع أن نتجاهل سحب مكتبه مقاطع الفيديو التي تضمنَّت أقوال وزيري الخارجية الإماراتي والبحريني عن حقِّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها، وقول الثاني إن مواجهة تهديد إيران أهمّ من القضية الفلسطينية. ولا نستطيع إغفال هروب وزراء خارجية عرب من أسئلة الصحافيين بشأن لقائهم المباشر مع المسؤولين الإسرائيليين، فليس كلُّ ما (يتمنَّى) نتنياهو يدركه.