تصاعد الغضب في الجزائر بعد استجداء بن صالح لبوتين والتهجم على الحراك

25 أكتوبر 2019
الصورة
يواصل الجزائريون التظاهر أسبوعياً (فرانس برس)
+ الخط -

أثار لقاء جمع بين الرئيس الجزائري، عبد القادر بن صالح، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، جدلا متصاعدا في الجزائر، على خلفية ظهور بن صالح وهو يقدم لبوتين شرحا عن الأوضاع السياسية في الجزائر ويهاجم الإعلام والحراك الشعبي، وهو ما اعتبره جزائريون تدويلا للأزمة ودعوة للتدخل الأجنبي في الشأن الداخلي للجزائر.

وقال بن صالح لبوتين في الفيديو الذي بثته قناة "روسيا اليوم": "إذا كنت قد طلبت منكم المقابلة فالغاية التي أسعى وراءها هي أني أريد أن أطمئنكم أن الوضع في الجزائر متحكم فيه في هذه المرحلة الدقيقة".

واتهم بن صالح "وسائل الإعلام بتضخيم حقيقة ما يجري في الجزائر وترويج معلومات تنقصها الدقة"، وقال مخاطبا بوتين "يمكن أن نقول لكم إننا رسمنا تصورا ونسير عليه، والخطة تعتبر في مراحلها الأخيرة، اعتمدنا الحوار مع الشركاء ومع ممثلي المجتمع المدني وشكلنا لجنة تتولى التحضير والإشراف على الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل".

ووصف بن صالح المظاهرات الأسبوعية المتصاعدة التي تشهدها العاصمة وعدد من المدن الجزائرية للمطالبة بإلغاء الانتخابات الرئاسية، واستبعاده هو وحكومة نور الدين بدوي بصفتهم رموز النظام السابق بالقول: "بعض العناصر تخرج أسبوعيا ودوريا إلى الشارع وترفع شعارات". وبدا بن صالح مسترسلا في كلمته لكن قناة "روسيا اليوم" اكتفت ببث هذا المقطع فقط.

سقطة دبلوماسية
وعدت تصريحات بن صالح هذه تصديرا مجانيا للأزمة الجزائرية، ووصف المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية زهير بوعمامة ما حدث بـ"السقطة الدبلوماسية"، وقال بوعمامة لـ"العربي الجديد" إن "ما حدث خطأ دبلوماسي، وحتى وإن كان الهدف طمأنة شريك مهم للبلد فقد يكون متفهما، لكن الطريقة والمفردات والمعاني المتضمنة فيما قاله بن صالح كانت غير مناسبة مطلقا، حيث كان بالإمكان الاكتفاء بالإشارة إلى قدرة الجزائريين على الخروج من مأزقهم من دون تدخلات خارجية، وكان يمكن اللجوء إلى التطمين بالتأكيد على استمرار الدولة وحرصها على ترقية علاقاتها المميزة مع موسكو".

وأضاف بوعمامة أن "القادة المحترمين لا يتحدثون عن شأن بيتهم الداخلي بتلك الطريقة التي فيها استصغار وتسفيه للمنجز التاريخي في الجزائر، والذي جعل العالم ينظر إلينا بعين الاحترام والتقدير"، موضحا أن "بن صالح كشف من حيث يدري أو لا يدري عن موقفه من الحراك عندما وصفه بأنه نفس موقف بقايا المنظومة السابقة، وتصريحاته كشفت محدودية رموز السلطة في التعامل مع مواقف وملفات غاية في الدقة والحساسية".


ولفت بوعمامة إلى أن بوتين واجه حديث بن صالح بضحكة ساخرة ظهرت بوضوح، وهو ما اعتبر في الجزائر إهانة وسخرية سياسية، وقال بوعمامة إن "ضحكة الرئيس بوتين التي جمعت بين الاستغراب والسخرية، كانت كافية لنكتشف مدى سوء ولاصوابية ما قاله رئيس الدولة الجزائري بن صالح"، لافتا إلى أن اتهام بن صالح لوسائل الإعلام بتضخيم الأحداث أثار سخرية بوتين "كما لو أن بن صالح كان يعتقد أن بوتين يعتمد على وسائل الإعلام لتكوين صورة عن حقيقة ما يحدث في الجزائر ويبني موقف موسكو من خلال ذلك".

وقود لمظاهرات الحراك
وفي السياق نفسه قال أستاذ العلوم السياسية، بومدين معاش، لـ"العربي الجديد" إن "تصريحات بن صالح لبوتين تلخص حال الهوان والارتباك الذي تعيشه السلطة واستجداءها للقوى الكبرى، وخيبتها في إدارة الأزمة، وهذا الاستجداء هو عار سياسي يجعل من رحيل بن صالح أمرا لا مفر منه، ويجب مسح هذا العار في أقرب وقت"، مضيفا أن "هذا الأمر يبين أن السلطة الجزائرية عارية في الوحل وتستبيح للآخر الملف الداخلي، وهذا يمثل انكشافا داخليا وخارجيا لم تمر به السلطة الجزائرية منذ الاستقلال".

وتوقع معاش أن يمثل تودد بن صالح لبوتين ونقل الأزمة الجزائرية إلى موسكو "وقودا لمظاهرات الجمعة المقبلة والجمعة التاريخية التي يستعد لها الجزائريون في أول نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فالشعب الجزائري يبحث عن تخلص السلطة المتهالكة من الارتهان والإملاء الخارجي".

ومن شأن هذه التصريحات التي تأتي عشية مسيرات الحراك في الجمعة 36، أن تؤجج حالة الغضب الشعبي ضد بن صالح وضد رموز النظام السابق والسلطة بشكل عام، خاصة وأن تهجم بن صالح على الحراك الشعبي صريح وواضح، إضافة إلى أن السلطة التي تعمد في خطابات ممثليها إلى اتهام مجموعات سياسية ومدنية بالاستمرار في معارضة الانتخابات تنفيذا لاستشارات سياسية أجنبية، هي نفسها التي تبادر إلى تدويل الأزمة الجزائرية واستعطاف مواقف الخارج في صورة ما حدث في روسيا.

وكان الحراك الشعبي قد أعلن منذ الجمعة الأولى في فبراير/شباط الماضي أن أي نوع من التدخل الأجنبي خط أحمر، ورفض أية تدخلات من موسكو وواشنطن وباريس، ورفع المتظاهرون في كل جمعات الحراك ومظاهراته لافتات بهذا المعنى السياسي.