تسمّم غذائي... الفساد في لقمة المواطن اللبناني

04 ابريل 2019
الصورة
لا بدّ من الانتباه إلى مصدر الأكل (حسين بيضون)
+ الخط -

"تسمّم عائلة بدجاج فاسد ووفاة الأب"، خبر ليس غريباً في لبنان، إذ تتكرر الحالات المرتبطة بالتسمّم الغذائي، سواء تلك التي تسببها مصادر غذاء فاسدة، أو التي تعود إلى ضعف الوعي الصحي، فما الذي يقوله الناس والجمعيات والطبّ عن هذه الحالات؟

مشهد متكرر في لبنان، سواء بين أفراد عائلة في منزلهم، أو بين زملاء في شركة، أو طلاب في جامعة، وغيرها من الأماكن، إذ يعلن أحدهم أنّه يريد أن يطلب أكلاً من أحد المطاعم، فيردّ آخر عليه أنّه أصيب بالتسمّم بسبب هذا المطعم بالذات. ربما يتفقون على مطعم آخر، وربما يصرّ الأول على المطعم نفسه.

المهم في الأمر، أنّ حادثة خطيرة كالتسمم الغذائي الذي يمكن أن يؤدي بمن يصاب به إلى المستشفى، لا تستدعي لدى اللبنانيين أكثر من الامتناع عن "مصدر التسمم"، وربما يكون ذلك إلى حين فقط. لا يخطر لهم على بال الإبلاغ عن الأمر إلى السلطات المختصة، فالثقة ليست كبيرة بأجهزة الدولة، وبحملات الصحة العامة التي تجريها الإدارات والوزارات، بل لعلّ كثيرين يعتقدون أنّها مجرد استعراضات سياسية لا أكثر. وهكذا تبقى مصادر الفساد الغذائي على نشاطها في معظم الأحيان، ولا تصل الأمور إلى مستوى العقوبات التي تنصّ عليها القوانين اللبنانية.




سلمى (57 عاماً) معتادة على إعداد الأكل في منزلها لها ولزوجها وأولادها، وأحفادها أيضاً. تشتري اللحم والدجاج والسمك والخضر من أماكن محددة لا تغيّرها أبداً. هي توازن ما بين الجودة والنظافة والأسعار الجيدة دائماً. تهتم بغسل المأكولات المطلوب غسلها وتعمل بأدوات نظيفة، لكنّها تسممت وأدخلت إلى المستشفى طوال ثلاثة أيام قبل شهرين، فما الذي حصل؟ تقول إنّ عقدتها الثوم، وهو الذي تسبب في تسممها. هي تحبّ الفروج المشوي على الغاز، المشهور في معظم مطاعم لبنان، والذي يقدَّم مع ثوم مطحون يخلط بعدة مكونات، منها المايونيز. تقول لـ"العربي الجديد" إنّها أحست لحظة ابتلاعها الثوم أنّ شيئاً غريباً بطعم كريه دخل إلى معدتها، ولم تطل المدة حتى بدأت في التقيؤ. لم تبلغ سلمى عن المطعم الذي ما زالت تشتري منه أحياناً، لكنّها باتت تعدّ خلطة الثوم في المنزل.

في هذا الإطار، تنصّ المادة 110 من قانون حماية المستهلك في لبنان، على "المعاقبة بالحبس من سنة إلى أربع سنوات، وبالغرامة من مائة وخمسين مليون ليرة (100 ألف دولار أميركي) إلى أربعمائة مليون ليرة (267 ألف دولار) إذا نجم عن الغش في المواد الغذائية إصابة أحد المستهلكين بالتسمم أو بمرض أدى الى تعطيله عن العمل مدة عشرة أيام على الأقل. ويعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة وبالغرامة من خمسمائة مليون ليرة (334 ألف دولار) إلى مليار ليرة (667 ألف دولار) إذا أدّى الفعل الى انتشار مرض وبائي أو التسبب بوفاة إنسان. وتطبق هذه العقوبات، وإن كان الشاري على علم بالغش أو الفساد الغذائي". غني عن الذكر أنّ شيئاً من هذا لا يطبق، وإذا طبق كان خاضعاً للمساومات السياسية.

في السنوات الأخيرة، نشطت مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، وجمعيات المستهلكين في لبنان، وأبرزها "جمعية المستهلك". لكنّ متابعة الجمعيات والأفراد والمبادرات التي تقوم بها بعض الوزارات والبلديات بين فترة وأخرى لا تكفي وحدها في ظلّ غياب المتابعة وعدم اعتماد استراتيجية متكاملة.

تقول نائبة رئيس "جمعية المستهلك"، الدكتورة ندى نعمة، لـ"العربي الجديد"، إنّ المطلوب في جميع الأحوال أن يبلغ المواطن عن حالات التسمم، إذ لا بدّ من معرفة أسبابها ومعرفة مصادر التسمم، فهي أهم من العلاج، لأنّ المواطن قد يشفى لكن قد تكون للتسمم عوارض لاحقة، كما قد يؤدي مصدر التسمم نفسه إلى إصابة آخرين. تقول إنّ في لبنان غياباً للرقابة على المؤسسات: "لدينا نقص في تطبيق القوانين، ونقص في المعرفة، ونقص في الكوادر الفنية في الإدارات والبلديات، بالإضافة إلى أنّ القوانين قديمة لا بدّ من تحديثها". تضيف: "عندما تقع المشكلة لا بدّ من تقييم المخاطر والأسباب، وقد حصلت خضّات إيجابية من خلال حملات وزارة الصحة على الغذاء، لكنّنا نشدد على الحاجة إلى قوانين جديدة، إذ يذهب وزير ويأتي آخر ونعود إلى الصفر. لذلك، فالمطلوب من الحكومة الحالية تعيين الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء والتمكن من الوصول إلى ضابطة صحية"، ما يعني تمكين مفتشي الصحة من ضبط المخالفين وصولاً إلى حدّ إحالتهم إلى النيابة العامة.

من جهته، يكشف الطبيب المتخصص في طبّ الأطفال وحديثي الولادة، الدكتور ربيع سبيتي، لـ"العربي الجديد"، أنّ أبرز حالات التسمم الغذائي التي صادفته أخيراً كانت بسبب الأكل الملوث بالجراثيم: "هو طعام مطبوخ أو محضّر بطريقة لم تستخدم فيها إجراءات النظافة، إذ لم يُغسل قبل إعداده، أو لم يَغسل من يعدّه يديه، أو لم يُغلَ جيداً، علماً أنّ الغلي يقتل الجراثيم، بالإضافة إلى حالات لم يعقم فيها المرضى أيديهم أو يغسلوها على الأقل قبل الأكل، وبذلك تدخل البكتيريا عبر اليدين".

يتحدث عن تفاصيل التسمم وعوارضه: "التسمم هو دخول المواد المسممة من خارج الجسم إلى داخل الجسم عبر الفم إلى الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى عوارض ضمن الجهاز الهضمي، وعوارض عامة، منها: الغثيان، وارتفاع الحرارة، والآلام في الجسم، وفي العظام، وفي العضلات، والمعدة والبطن، والتقيؤ، والإسهال. ثم تؤدي إلى جفاف الجسم. وأحياناً تدخل الجرثومة إلى الدم وتؤدي إلى التهابات فيروسية أو بكتيرية وقد تصل إلى مشاكل أكبر".

أما النصائح التي يوجهها سبيتي للمواطنين فهي: "الأكل في البيت، بعد غسله وتحضيره، مع الالتزام بمعايير النظافة، وإذا اضطروا للأكل في المطاعم، فعليهم أن يختاروها بعناية مع الامتناع تماماً عن تناول الأكل من المطاعم المكشوفة المعرضة لالتقاط الجراثيم من الهواء ومن المارة. وكذلك، يجب أن تكون الأيدي نظيفة أثناء الأكل، ويجب أن يكون الأكل - القابل للتبريد - في براد ذي حرارة مثالية ولا ينقطع التيار الكهربائي عنه. بالإضافة إلى ذلك، لا بدّ من شرب كميات كافية من السوائل للهضم جيداً، وتساعد السوائل أيضاً في امتصاص الجسم للعناصر الغذائية".




من جهته، يقول حسين (43 عاماً، صاحب متجر كتب قريب من بيروت) إنّ معدته "حديد" أي قوية، لكنّه عندما كان في مدينة صور (جنوب) في الصيف الماضي، للسباحة على شاطئها، كانت درجة الحرارة مرتفعة جداً، و"خبّصت بالأكل (تناولت عدة أنواع)... تناولت لحمة بعجين في سينيق (إلى الجنوب من صيدا) وأنا ذاهب، وبعد ساعتين من تجوالنا في سوق صور القديم، أكلنا اللحم المشوي، وعند الخامسة تقريباً، أكلنا السردين المقلي والمتبّلات على الشاطئ". يهزأ من حاله: "أصبت بإسهال حادّ، لكنّني لم أدخل إلى المستشفى، بل اكتفيت بالدواء من صديقي الطبيب الذي استغرب من فعلتي وقال المثل الشهير: واوي بلع منجل عند الليل بتسمع عواه".