تسرّب مدرسي مستمر في المغرب

02 يونيو 2017
الصورة
التسرّب محدود جداً في الابتدائية (عبد الحق سنّا/فرانس برس)
+ الخط -
بالرغم من بذل الحكومات المغربية المتعاقبة جهوداً لا يستهان بها في سبيل محاربة ظاهرة التسرّب المدرسي، وضمان تعليم التلاميذ، ما زالت الظاهرة حاضرة بقوة خصوصاً في البوادي والأرياف، ولدى الفئات الاجتماعية الفقيرة.

تقول إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة التربية الوطنية المغربية إنّ نسبة التسرّب المدرسي تبلغ 1.9 في المائة في المرحلة الابتدائية، وترتفع إلى 10.8 في المائة في الإعدادية، وإلى 11.5 في المائة في الثانوية. إذاً، فأكبر نسبة للانقطاع عن التعليم هي في المرحلة الثانوية التي تمتد على ثلاثة فصول، ثم الإعدادية ومن بعدها الابتدائية.

كان التسرّب المدرسي حتى سنوات خلت يبلغ معدلات أعلى بكثير، لكنّ عدة مبادرات حكومية ومدنية أدت إلى توعية العائلات لا سيما في الأرياف حول خطورة الانقطاع عن الدراسة على مستقبل الأطفال والشباب.

يعزو مراقبون استمرار التسرّب المدرسي في المرحلتين الثانوية والإعدادية مقارنة بالابتدائية خصوصاً لدى الفئات الفقيرة في البوادي، إلى بعد المؤسسات التعليمية الثانوية عن البوادي، ما يضطر التلاميذ لا سيما الفتيات إلى مغادرة مقاعدهم الدراسية، بالإضافة إلى تكاليف التعليم التي ترتفع كلما تقدم المستوى الدراسي للتلميذ.

يقول الدكتور محمد بولوز، المكوّن (المدرب التأهيلي) في المركز الجهوي لمهن التربية، وممثل النقابة المغربية للتعليم العالي، لـ"العربي الجديد" إنّ "آفة الهدر المدرسي مؤشر على اختلالات عميقة في بنية النظام التعليمي للمغرب، كذلك هي مؤشر على هشاشة اجتماعية تثبت بعد البلاد عن العدالة الاجتماعية المنشودة".

يستطرد بولوز أنّ التسرّب عبارة عن ثقوب تضيع معها جهود تعميم التعليم المدرسي، وتستدعي سياسة مستمرة ومفتوحة في تفعيل برنامج محو الأمية، وليس للكبار فقط، إنّما للصغار أيضاً ممن يعودون إلى الأمية بفعل الانقطاع المبكر عن الدراسة. وحول العوامل المفضية إلى التسرّب المدرسي، يشير بولوز إلى أنّها عوامل تتعلق بالمدرسة نفسها لجهة بعدها عن التلاميذ خصوصاً في الأرياف والبوادي، ولجهة تنفيرها التلاميذ بسبب قلة وضعف الموارد البشرية والإدارية والتربوية، ولجهة عدم توفر التأهيل المناسب للتعامل الحسن والمفيد مع التلاميذ.


يضيف أنّ هناك عوامل أخرى تؤدي إلى التسرّب، من قبيل عدم توفر المرافق الصحية والماء الصالح للشرب والكهرباء، وعدم توفر وسائل النقل والمطاعم المدرسية، وعدم توفير وجبات غذائية للتلاميذ المعوزين، وعدم توفير أماكن إقامة (داخليات) لمن يتعذر عليهم التنقل اليومي، وضعف توفير الأمن للتنقل لمسافات بعيدة خصوصاً الفتيات، مع استحضار الخوف على الأعراض واستحضار عمق التقاليد والأعراف، واعتبار سمعة العائلة وكرامتها فوق كلّ اعتبار.

يشدد بولوز على أنّ عامل الفقر يعتبر محدداً جوهرياً في التسرّب المدرسي بسبب العجز عن توفير أبسط الإمكانات للمتعلمين من أدوات وكتب مدرسية وملابس مناسبة ووسائل نقل إلى المدرسة لمن يسكنون على مسافات بعيدة. كذلك، يحتاج بعض الفقراء إلى تشغيل الأطفال في الرعي، أو السقي أو داخل المنزل وغيرها.

يضاف إلى كلّ ما سبق وغيره، بحسب بولوز أنّ جاذبية مخرجات المدرسة ضعيفة. فالأخيرة تؤدي إلى بطالة متزايدة لدى الخريجين: " قد تجد في القرية خريجاً من التعليم الأساسي أو الثانوي أو حتى الإجازة، وحاله غير مغرية، فلم تتحقق النتيجة المرجوة من تعليمه على عكس غيره من غير المتعلمين". يشرح بولوز أنّ أهل القرية يرون غير المتعلمين أكثر اندماجاً ونفعاً من المتعلمين وأنصاف المتعلمين: "كلّ هذا وغيره يضعف حماس الأسرة الفقيرة لتعليم أبنائها، فيحصل التسرّب المدرسي خصوصاً في مستوى الإعدادي والثانوي".

يستدرك بولوز أنّ هناك جهوداً كبيرة بذلت من طرف الجهات المسؤولة عن إدارة قطاع التربية والتعليم، وجهات حكومية أخرى، بهدف معالجة آفة التسرّب المدرسي بتوزيع مليون محفظة، وتشجيع برنامج "تيسير" الذي يهدف إلى الدعم الرمزي للأسر المعوزة. كذلك، هناك جهود رسمية أخرى، لتوفير بعض الوجبات الغذائية وبعض المطاعم، وجهود من الجماعات القروية وبعض المتدخلين المحليين الآخرين لتوفير سبل النقل وكذلك بناء بعض دور التلميذات.

لكنّ بولوز يخلص إلى أنّ كل هذه الجهود لا تكفي لمعالجة مشكلة التسرّب المدرسي من جذورها، بسبب ازدياد الحالات التي تستوجب التدخل وتستوجب استراتيجية شاملة، وسياسة عامة صادقة، وعزيمة لإيجاد الحلول المناسبة.

المساهمون