ترميم بعد استئصال.. يقهرنَ سرطان الثدي جسدياً ونفسياً

30 أكتوبر 2016
الصورة
تختلّ صورتها كأنثى (بهروز مهري/ فرانس برس)
+ الخط -

تُصاب المرأة بسرطان الثدي، فيُصار إلى استئصال العضو المريض لتختلّ صورتها كأنثى وإن كانت من الناجيات. ويأتي الترميم ليخفّف من الضغط النفسيّ عليها ويمكّنها من الشفاء بأقلّ "ندوب" ممكنة.

"عندما تخضع المرأة لعمليّة استئصال الثدي على خلفيّة إصابتها بالسرطان، تشعر بأنّ صورتها كامرأة قد استُهدفت مع بتر أحد أعضائها والتشوّه اللاحق"، هذا ما يؤكّده الطبيب المتخصّص في الجراحة النسائيّة وجراحة الأورام والترميم الدكتور شبل كريستيان عازار، الذي يشرح أنّ "الترميم يأتي بالتالي كجزء من عمليّة الشفاء".

ويشير عازار إلى أنّه "في أوروبا - هذا النوع من الإحصاءات صعب في لبنان - امرأة واحدة من بين ثلاث نساء مصابات بسرطان الثدي، تصل إلى الطلاق بعد استئصال الثدي. نسبة كبيرة! هل لأنّها أقلّ جمالاً؟ أو لأنّها تحمل ندوباً؟ في الغالب هي صورة الذات التي تغيّرت والتي تنتهي بمشاكل بين الأزواج. ثمّة أمور لا تُناقش، بالإضافة إلى أنّ المرأة تعاني الضغط النفسيّ المرتبط بكيفيّة رؤيتها لذاتها". يضيف أنّه "في كلّ استطلاع للرأي حول هذا الموضوع، ثمّة سؤال عن مشاهدة الجسد في المرآة. كثيرات هنّ النساء اللواتي لا ينظرنَ إلى أنفسهنّ في المرآة، حتى بعد خضوعهنّ إلى عمليّات ترميم ناجحة جداً". وإذ يشدّد على أنّه "من المفضّل أن يكون استئصال ناجح تتقبّله المرأة وشريكها والعائلة، بدلاً من ترميم رديء الجودة تنتج عنه مضاعفات ومشاكل على المدى البعيد"، يوضح أنّ "ثمّة نساء يفضّلنَ عدم الترميم. من الممكن العيش من دون ثدي، بطريقة طبيعيّة ومع حياة جنسيّة سليمة. هذا يرتبط برغبة المريضة. أمّا أخريات، فيقلنَ: في البداية أشفى من السرطان ولاحقاً أفكّر في الترميم".

ويتحدّث عازار عن "جانبَين للاستئصال، وهما ضغط المرض - أيّ السرطان - وضغط التجميل. لا بدّ من الموازنة بين الجانبَين وطمأنة المرأة بأنّ الواحد لا يعيق الآخر". ويقول: "نحن نؤدّي كذلك دور المتابعة النفسيّة. فالمرأة تتقبّل بطريقة سيّئة نصحها باستشارة متخصّص نفسيّ. كأنّما في ذلك شتيمة، خصوصاً أمام الشريك. لذا لا بدّ من تخصيص كلّ الوقت اللازم للمرأة المصابة. لا تجوز المعاينة السريعة في هذه الحالات، وإلا فإنّنا نعالج خلايا وليس مريضة". ويشدّد على "ضرورة الانتباه إلى أنّ المرأة التي لا تستوعب ما يجري، حتى ولو كانت نتائج علاجها جيّدة، إلا أنّ ندوبها الداخليّة لن تختفي".

ترميم آنيّ؟

"لا نجد توافقاً أو إجماعاً حول الترميم في الحال بعد الاستئصال، إذ ثمّة من يقول بتأجيلها"، بحسب عازار. يضيف أنّه "أكثر فأكثر، نتّجه اليوم إلى الترميم الآنيّ. في السابق، كانوا يفضّلون الانتظار، حتى تنجز المرأة حدادها على ثديها وتتقبّل الأمر نفسياً قبل اتّخاذ قرار الترميم. في المقابل، يقول الرأي المخالف بأنّ المريضة تفضّل عدم الخروج من المستشفى من دون شكلها الأنثويّ. وأنا أميل أكثر إلى هذا الاتجاه، إذ إنّ المرأة بذلك تغادر المستشفى مع ندوب أقلّ". ويشدّد: "عند الترميم، ليس علينا أن ننسى أنّ المرض هو في الخلفيّة. نحن لسنا في صدد عمليّة تجميليّة فحسب. كذلك، يُفضّل انتظار نتيجة عمليّة الزرع ونوعيّة العلاج، كيميائيّ أم إشعاعيّ. فذلك يؤخذ بعين الاعتبار عند اختيار تقنيّة الترميم، التي تختلف بين المريضة التي تحتاج إلى علاج إشعاعيّ وبين التي لا يتوجّب عليها الخضوع إلى هذا النوع من العلاجات الذي يؤثّر على الترميم ونتائجه واحتمالات فشله".

ويشير عازار إلى أنّ "الترميم من دون علاج إشعاعيّ، احتمالات فشله ومضاعفاته السلبيّة أقلّ من واحد في المائة. وهو أمر ممتاز بالنسبة إلى عمل جراحيّ". هل يعني ذلك تفضيل إجراء العلاج الإشعاعيّ قبل الترميم؟ يجيب: "هذا مثار جدال. إذا كانت المريضة مدخّنة أو مصابة بداء السكّري وما إلى ذلك، فإنّ مضاعفات الترميم قد تصل إلى 30 في المائة. هذا مخيف، والمضاعفات تشمل التهاب الرمامة ومشاكل في التئام الجروح وغيرها. نحن نحاول قدر الإمكان تخفيض هذه المخاطر، إن من خلال مطالبتها بالإقلاع عن التدخين أو عبر تحويلها إلى طبيب متخصّص في الغدد الصمّاء على سبيل المثال". ويتابع أنّ "العلاج الإشعاعيّ لا يمنع الترميم الآنيّ، بالنسبة إليّ. لكنّ ثمّة تقنيّات مختلفة من الواجب اتّباعها".

عند السؤال عن خطورة الورم وفقاً لحجمه أو للمرحلة التي بلغها، يقول عازار إنّ "التركيز اليوم هو على طبيعة الورم البيولوجيّة وليس على الحجم. من الممكن أن يكون حجمه عشرة سنتيمترات من دون حدوث أيّ نقيلة، ومن الممكن الشفاء منه من دون علاج كيميائيّ ولا إشعاعيّ. لكنّ حجم الورم قد يكون نصف سنتيمتر، مع نقائل في كلّ الجسد". يضيف: "الحجم مهمّ من دون شكّ. لكنّ الورم قد يكون صغيراً ولا نملك علاجاً له، وقد يكون ضخماً في حين أنّ علاجه متوفّر وممكن. الأمر يرتبط كذلك بنوع العلاج المتوفّر. على سبيل المثال، بالنسبة إلى سرطان الثدي المرتبط بالهرمونات، نصف علاجاً مضاداً للهرمونات يمنع تزايد الخلايا السرطانيّة ويحمي. هذا من الأورام التي يمكن علاجها بنجاح. إلى ذلك، نجد سرطان الثدي ثلاثيّ السلبيّة، الذي لا نملك علاجاً ناجعاً له. وبالتأكيد ثمّة أنواع أخرى".




قلق الانتظار

ما هي السنّ الفضلى لإجراء فحوصات الكشف المبكر لسرطان الثدي؟ يشرح عازار أنّ "التوصيات الأوروبيّة تختلف عن التوصيات الأميركيّة. من وجهة نظري، يجب الخروج من الكليشيه القائل بالبدء في سنّ الأربعين. يجب مقاربة الأمر من جهة المخاطر. أؤيّد البدء بالفحوصات في سنّ مبكرة عند وجود مخاطر عائليّة، لكنّني لا أؤيّد ذلك في الخامسة والثلاثين لمن ليس لديهنّ أيّ مخاطر عائليّة. تقييم المخاطر العائليّة مهمّ جداً في موضوع سرطان الثدي".

وكيف تتقبّل المرأة التشخيص، في حال الإصابة؟ "المسألة تبدأ قبل ذلك. من الصعب جداً أن نقول لها إنّنا وجدنا شيئاً في الصورة، وعلينا التأكّد من طبيعته. المسألة تبدأ خلال انتظار نتيجة الزرع بعد أخذ الخزعة التي تحتاج إلى خمسة أيام أو أسبوع. الانتظار في حدّ ذاته صعب جداً. في رأس المرأة، السرطان يساوي الموت. فأقول لها: أنت تفكّرين في ذلك، لكنّ العكس هو ما سوف يحدث. يجب البدء بالطمأنة حتى قبل الخزعة. القلق يبدأ هنا، باكراً جداً. لذا لا بدّ من تخصيص الوقت المناسب للشرح ووضع فرضيّات الاستراتيجيّات الواجب اعتمادها. لاحقاً، يكون الأمر أكثر سهولة. النتائج بين أيدينا، بالتالي يمكننا شرح الأمور".

أنا أنثى!

من جهتها، تؤكّد المعالجة النفسيّة نادين معلوف، المتخصّصة في علم النفس العياديّ وفي العلاج التلطيفيّ، على "أهميّة الترميم الكبيرة بالنسبة إلى المرأة التي خضعت لعمليّة استئصال الثدي. فهي، عندما تخسر ثديها الذي يُعدّ من الأشكال الأنثويّة، تكون قد خسرت جزءاً مهماً جداً من جسدها. بالتالي، تتغيّر صورة ذلك الجسد، الأمر الذي يحبطها ويدفع إلى الاكتئاب". وتوضح أنّه "قبل كلّ شيء، تعيش المرأة صدمة إصابتها بالسرطان. ثمّ تأتي خسارة الثدي كصدمة إضافيّة. لذا، يأتي الترميم بعد فترة زمنيّة، ليساهم في جعلها تثمّن نفسها من جديد. فهي استعادت أحد عناصر الإغراء لديها، نوعاً ما. وتقول: أنا أنثى".

في سياق متّصل، تلفت معلوف إلى أنّ "أوّل سؤال تطرحه المرأة المصابة بالسرطان للطبيب هو: هل سوف أفقد شعري؟ ثمّة نساء يُصَبنَ باكتئاب عند سقوط شعرهنّ. فإنّ المسّ بكلّ ما له علاقة بالأنوثة، يؤثّر سلباً على المرأة. وتُصاب بالاكتئاب عند خسارة الثدي". تضيف: "وفي حال كانت العلاقة بين المريضة وشريك حياتها هشّة بعض الشيء، فإنّ الأمر من شأنه أن ينعكس سلباً عليهما، وتنقطع حتى العلاقة الحميمة بينهما". وتشرح أنّه "في هذه المرحلة، تعيد المرأة تقييم نفسها فتطرح أسئلة وجوديّة كثيرة، فيما الرجل في كثير من الأحيان يتطلّع إلى نساء أخريات".



على حساب الوزارة

وكانت وزارة الصحّة العامة في لبنان قد بدأت العمل في الأوّل من شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل الجاري بقرار أصدره الوزير في سبتمبر/ أيلول الماضي، يقضي بتغطية تكاليف جراحة ترميم الثدي، "لكلّ امرأة لبنانيّة خضعت لاستئصال الثدي قبل فترة قصيرة أو حتى بعيدة أو سوف تخضع لجراحة قريباً"، بحسب ما توضح رئيسة دائرة التثقيف الصحيّ في الوزارة الدكتورة رشا حمرا، وهي المنسّق الوطنيّ للحملة الوطنيّة ضدّ سرطان الثدي. تضيف أنّ ذلك "شريطة عدم استفادتها من تقديمات صندوق الضمان الوطنيّ الاجتماعيّ وتعاونيّة موظّفي الدولة وباقي الجهات الوطنيّة الرسميّة الضامنة".

وإذ تأسف حمرا لعدم تغطية الضمان الاجتماعيّ والجهات الضامنة الأخرى وكذلك شركات التأمين الخاصة هذا النوع من الجراحات، تأمل أن "تحذو قريباً حذو وزارة الصحّة. فتلك الجراحة من شأنها أن تشجّع المرأة على استكمال حياتها من دون أن تشعر بأيّ نقص". وتشدّد على أنّها "ليست جراحة تجميليّة. إنّها أولويّة، لأنّها تساهم في شفاء المرأة الجسديّ والنفسيّ في الوقت نفسه. هذه جراحة جدّ مهمّة ولا يمكن إدراجها في إطار عمليّات التجميل فحسب".

وعن الآليّة، تقول حمرا "ما على المرأة إلا التوجّه إلى طبيب متخصّص في جراحة التجميل والترميم، شريطة أن يمارس في مستشفى متعاقد مع الوزارة. وبعدها، تكون الإجراءات العاديّة التي تتعلّق بأيّ استشفاء". وتؤكّد على أنّه "لا أفضليّة لعمليّات جراحيّة أخرى عليها. فقط، قد تواجه المريضة عدم توفّر مكان شاغر أو انتهاء السقف الماليّ للوزارة في مستشفى ما. وهو ما قد يواجهه المرء في أيّ جراحة أخرى".

والوزارة بحسب حمرا، "تهدف بذلك إلى تقديم خدمة متكاملة للمرأة التي تعاني من سرطان الثدي. في العام الماضي، طُرِح الموضوع بعدما كان الجميع يقول بأنّ هذه الجراحة ليست ضرورة بل مجرّد تجميل. فدرست اللجنة الوطنيّة المختصّة ذلك ورأت أنّ تلك الجراحة تساعد في شفاء المريضة الجسديّ والنفسيّ".

مساهمة في الشفاء

في هذا السياق، يرحّب الطبيب المتخصّص في جراحة التجميل والترميم، الدكتور رولان طعمه، بقرار الوزارة، قائلاً: "ممتاز!". ويوضح أنّه "في الغرب، الجهات الضامنة تغطّي هذه الجراحات، لأنّها تساهم في محاربة المرض في اللاوعي. فقط في بلدان العالم الثالث، الأمر لا يُعدّ أساسياً". ويشدّد على أنّه "من أجل الحفاظ على صورتها، لا بدّ للمرأة من أن تستعيد ثديها".

وطعمه الذي يلفت إلى أنّ المتخصّص في جراحة التجميل والترميم يشارك في عمليّات استئصال الثدي التي يُقال عنها "ما تحت الجلد"، يشرح أنّ "الأطبّاء المتخصّصين في الجراحة العامة والمتخصّصين في الأمراض النسائيّة هم الذين يقومون بجراحات استئصال الثدي في لبنان. والترميم يأتي في مرحلة لاحقة. أمّا في فرنسا، حيث مارستُ لبعض الوقت، فإنّ هؤلاء المتخصّصين يقومون في الوقت نفسه بعمليّات الترميم. العمل يكون متكاملاً في قسم متخصّص في جراحة الثدي على سبيل المثال".


المساهمون