تركيا تستعجل التفاهمات بشأن سورية: أفكار لتفكيك أزمة إدلب

16 فبراير 2019
الصورة
حذر أردوغان من كلفة أي ترنّح في المسألة السورية(الأناضول)
بعدما انتهت قمة سوتشي الثلاثية بين الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، والإيراني حسن روحاني، من دون أي اتفاقات عملية لحل القضايا الخلافية على الساحة السورية، ولا سيما ملف إدلب واللجنة الدستورية والمنطقة الآمنة، يُنتظر أن تُقدّم أنقرة في الاجتماعات التقنية مع موسكو وطهران خلال الأشهر المقبلة، مجموعة من الأطر لحل الوضع في إدلب، مع تركيز تركيا على موضوع شرق الفرات وإنشاء منطقة آمنة هناك بعد الانسحاب الأميركي، وهو ما يُشكّل أولوية لديها، مع وضعها خطوطاً حمراء حول هذه النقطة، لا سيما رفضها وجود أي قوات أخرى في تلك المنطقة.
وبدت من تصريحات المسؤولين الأتراك، أمس، أولوية ملف المنطقة الآمنة لأنقرة، بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الجمعة، أنه سيصدر إعلاناً بشأن سورية خلال 24 ساعة، من دون أن يقدم أي تفاصيل بشأنه وما إذا كان مرتبطاً باقتراب قضاء قوات سورية الديمقراطية "قسد"، المدعومة من التحالف الدولي، على آخر جيب لتنظيم "داعش" في شرق الفرات.

واعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الجمعة، أن أي ترنّح صغير في المسألة السورية ستكون تكاليفه باهظة في المستقبل، وذلك في كلمة له، أمس، أمام حشد من أنصار حزب "العدالة والتنمية" في أنقرة.
من جهته، كان وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أكثر وضوحاً في التعبير عن المخاوف التركية، قائلاً إن "إخراج تنظيم الوحدات الكردية من منطقة شمالي سورية، يشكّل القضية الأكثر أهمية بالنسبة لأمن حدودنا وشعبنا"، مضيفاً "يجب ألا يتحوّل الفراغ الذي سيحدث عقب الانسحاب الأميركي من سورية إلى منطقة آمنة للإرهابيين". وقال أكار، في كلمة له أمس، في اجتماع عن مكافحة "داعش" ضمن مؤتمر ميونخ للأمن، إن أنقرة يجب أن تكون وحدها في المنطقة الآمنة في شمالي سورية، معتبراً أن "قيام التحالف بتأمين المنطقة الآمنة لن يكون مناسباً ولا كافياً"، لافتاً إلى أن المنطقة الآمنة ليست مهمة لتركيا فقط وإنما أيضاً للاجئين السوريين الذين سيتمكنون من العودة لوطنهم بأمان.
في السياق نفسه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، إن بلاده "ستطهّر الجانب المقابل لحدودها مع سورية من إرهابيي وحدات حماية الشعب الكردية والعمال الكردستاني عاجلاً أو آجلاً". وفي كلمة له خلال فعالية انتخابية لحزب "العدالة والتنمية" في ولاية أنطاليا، أمس، قال الوزير التركي: "كنا أمس (الخميس)، مع الرئيس رجب طيب أردوغان، في مدينة سوتشي، حيث أبدينا موقفنا المؤكد على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار في سورية، وتشكيل لجنة دستورية لتحقيق الحل السياسي، والقضاء على الإرهابيين في الجانب المقابل لحدودنا". وشدد في السياق ذاته، على أن "لا فرق بين التنظيمات الإرهابية"، مثل "داعش" و"العمال الكردستاني" و"الوحدات الكردية" و"جبهة النصرة". وتابع أن تدخّل تركيا "لا مفر أو بديل" له، مؤكداً أنها تتمتع اليوم بموقع قوي على الأرض، وعلى طاولة المفاوضات. وأضاف أن عهد خسارة المكاسب الميدانية على طاولة المفاوضات "قد ولّى".

هذا الكلام يترافق مع نفي مصادر تركية مطلعة، تحدثت لـ"العربي الجديد"، تقديم الجانب التركي خلال قمة سوتشي أي عرض لحل أزمة وجود "هيئة تحرير الشام" (التي تشكّل جبهة النصرة عمودها الفقري) في محافظة إدلب، من أجل نزع فتيل الأزمة في المنطقة، بعد التهديدات الروسية الأخيرة حول المحافظة.
وأوضحت المصادر أن تركيا لم تقدّم خلال اجتماعات القمة أي خطة لحل الأزمة المتعلقة بإدلب، على الرغم من الضغوط الروسية والإيرانية المتزايدة، مرجعة ذلك لعاملين اثنين، الأول يتعلق بقضية المقاتلين الأجانب في "جبهة النصرة" وبقية التنظيمات المتشددة، مثل "حراس الدين"، إذ يشكّل هذا الموضوع خلافاً كبيراً، خصوصاً في ما يتعلق بمصير هؤلاء المقاتلين، والوجهة التي يمكن أن يذهبوا إليها، كما أن الموضوع خاضع للاتفاق النهائي، فهؤلاء يجب أن تتوفر بشأنهم حلول لنقلهم لأماكن أخرى وفق صفقات تعقد بين الدول الفاعلة.
أما العامل الثاني الذي أجّل العرض التركي، فيتعلق بتركيز تركيا على موضوع شرق الفرات، مع تأييد روسي تام لإنهاء الوضع في هذه المنطقة من خلال التفاهمات بين أنقرة وموسكو وواشنطن، إذ تسعى كل من تركيا وروسيا لملء فراغ انسحاب القوات الأميركية، وهذه من الأسباب التي تجعل إدلب في مأمن على المدى القريب وحتى المتوسط من أي عمل عسكري على هذه المنطقة، ودليل ذلك إعلان روسيا السابق أن اتفاق سوتشي يسير بشكل جيد.

ولفتت المصادر إلى أن الجانب التركي سيعرض في الاجتماعات التقنية خلال الأشهر المقبلة، مجموعة من الأطر لحل الوضع في إدلب، تتضمّن موضوع حل "هيئة التحرير الشام" نفسها، واندماجها مع فصائل المعارضة، خصوصاً مع سعي أنقرة لتوحيد القوى العسكرية المعارضة في المنطقة الممتدة من ريف حلب حتى ريف اللاذقية، ولكن العرض التركي لا يعني أنه اتفاق نهائي مع موسكو. وأضافت المصادر أن العرض التركي سيكون من أجل تموضع جديد لها في هذا الملف، للعودة والتفاوض مجدداً، خصوصاً أن تركيا استطاعت كسب الوقت وتجميد أي عمل عسكري في إدلب، بتحصين اتفاق سوتشي عبر الدول الغربية، منعاً لأي عمليات نزوح جراء العمليات العسكرية، قد يعاني العالم كله من تبعاتها.


ووفقاً لذلك، فإن تركيا تركز حالياً على موضوع شرق الفرات، مع تأييد روسي، ولذا لا يمكن تصنيف قمة سوتشي بأنها ناجحة أو فاشلة حول منطقة إدلب، بل الحديث هو عن موضوع شرق الفرات، وفشل الجانب التركي في إقناع الجانب الروسي بوجهة نظره. فعلى الرغم من تفهّم موسكو للمخاوف التركية، إلا أنها لا توافق على مدى عمق المنطقة الآمنة التي تطالب بها تركيا وتصل في بعض المناطق لنحو 60 كيلومتراً، لأن هذا العمق يمنح تركيا مساحات شاسعة إذا ما قورنت بطول الحدود، فضلاً عن طروحات أميركية غير مقبولة بالنسبة لتركيا كنشر قوة عربية في المنطقة.

ولخصت المصادر الوضع في إدلب وشرق الفرات بأن مصير إدلب لن يلقى الحل ولن يُبت بتفاصيله طالما لم يحل موضوع شرق الفرات، وإن كانت تركيا متفقة مع روسيا وإيران حول ضرورة مكافحة "جبهة النصرة"، ففي النهاية المنطقتان خاضعتان لحلول أبعد من الاتفاق السياسي والعسكري والأمني، بل تمتد إلى الموضوع التجاري، والطرق التي تمر في هاتين المنطقتين، لتشكل شريان الحياة فيهما، وهذه الطرق بالنهاية ترتبط بتركيا.

وفي ما يخص موضوع اللجنة الدستورية، أوضحت المصادر أن الخلاف حالياً يتعلق بالنسب حول القائمة الثالثة، وهو خلاف ليس بين الدول الضامنة، بل بين روسيا والأمم المتحدة، وحل هذا الخلاف سيتطلب مزيداً من الوقت قبيل الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية، فلا تزال الأمم المتحدة تعترض على النسبة التي تفرضها موسكو، وهي نسبة لصالح النظام، في ظل امتناع الأمم المتحدة عن قبول ذلك، وهو ما يعني عدم قبول الدول الغربية الداعمة لمسار جنيف، متمثلة بالمجموعة المصغرة، والتي من المفترض أن توافق على تشكيل هذه اللجنة.

في مقابل ذلك، وبعدما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد كرر عقب القمة القول إن "بؤرة الإرهاب في إدلب لا يمكن التسامح معها ويجب اتخاذ إجراءات للقضاء عليها"، إلا أن المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، قال إن "الاتفاقات الروسية - التركية الجديدة في إدلب في سورية لا توحي بوجود عملية عسكرية. لكن توجد خطوات تهدف إلى تطهير إدلب من الجماعات الإرهابية التي تسيطر الآن على جزء كبير من هذه الأراضي".

وتعليقاً على هذه التطورات، رأى المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض، التابعة للمعارضة السورية، يحيى العريضي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ما تقوم به الأطراف الثلاثة، روسيا وتركيا وإيران، هو إدارة الأزمة في سورية وليس محاولة حلها على أسس سليمة. ورأى العريضي أنه ستكون هناك دائماً مشكلة في الحل طالما لم يستند إلى القرارات الدولية ذات الصلة والقائمة على تشكيل هيئة حكم انتقالي تؤمن ظروف الانتقال السياسي نحو سورية ديمقراطية جديدة.
وبشأن اللجنة الدستورية، اعتبر العريضي أنها بحد ذاتها ليست حلاً، "بل هي جزء من عملية إدارة الأزمة، لكن مع ذلك نجد أن مماطلة النظام وتراخي روسيا يمنعان تشكيل هذه اللجنة حتى الآن". وأكد أن أي حلول منقوصة وعرجاء لا تلبي تطلعات الشعب السوري لن تحل المشكلة، ويجب تغيير المقاربات الحالية التي تركز على حلول ترقيعية، وتراعي مصالح ومتطلبات الدول أكثر من مصالح الشعب السوري.

وتساءل العريضي عن جدوى أي حلول طالما لم تتم معالجة القضية المركزية التي تسبّبت في كل الكوارث الحالية "وهي تغيير جوهر النظام الاستبدادي الديكتاتوري". وأضاف "ما فائدة وضع دستور إذا كان هذا النظام قادراً على خرقه وتمزيقه في كل وقت؟ وما فائدة عودة اللاجئين إذا كان قادراً على تشريدهم واعتقالهم في كل وقت؟". وختم بالقول إن الدول الثلاث مأزومة، فإيران تعاني من حصار ومحاربة المجتمع الدولي لها، وروسيا التي حققت إنجازات عسكرية في سورية لم تستطع حتى الآن ترجمة ذلك إلى إنجازات سياسية، بينما تركيا تعيش تحت هاجس المحافظة على أمنها القومي ومواجهة المخاطر عبر حدودها الأطول مع سورية.

من جهته، رأى الباحث السوري عبد الوهاب العاصي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأطراف الثلاثة تحاول كسب الوقت، مع حرص كل منها على عدم تمكين الطرف الآخر من تحقيق مكاسب على حسابه، بينما يترقب الجميع الموقف النهائي للولايات المتحدة. وأوضح العاصي أن تركيا غير مستعدة لأي مناورة تفسح المجال لروسيا بالتقدّم في المنطقة منزوعة السلاح بحجة مكافحة "هيئة تحرير الشام" و"التنظيمات الجهادية"، فيما روسيا غير مستعدة لأي مناورة تفسح المجال لتركيا بالتقدم في مناطق شرق الفرات، من دون تحقيق مكاسب ملموسة لها غرب الفرات.

أما المحلل السياسي شادي عبدلله، فقال في حديث مع "العربي الجديد"، إن العمل العسكري في إدلب أو التهديد به، يظل وارداً، لكن تركيا ربما تستخدم "هيئة تحرير الشام" من أجل القضاء على التنظيمات "الجهادية الأخرى" في إدلب، ومن ثم "تتفاهم" معها على صيغة لحل نفسها. وتوقع أن تتحلى الهيئة بمرونة كافية تمكنها من إنجاز مثل هذه التفاهمات مع تركيا.

ميدانياً، جددت قوات النظام، أمس، قصفها على مناطق مختلفة في أرياف إدلب وحماة وحلب. وقُتل ثمانية مدنيين نتيجة قصف صاروخي لقوات النظام ومليشيات تابعة لها على مدينة خان شيخون، جنوب إدلب. كما استهدفت قوات النظام بلدة تلمنس، شرق معرة النعمان، جنوبي إدلب، بالعديد من القذائف، ما خلّف أضراراً مادية. وفي تطور لافت، سيّرت تركيا وروسيا أول دورية مشتركة في قرى مرعناز وعين دقنة ومنغ، الخاضعة لسيطرة "وحدات الحماية الكردية" في ريف حلب الشمالي.