ترامب وأجندة قوى التحرر

ترامب وأجندة قوى التحرر

25 فبراير 2017
+ الخط -
لماذا نشخصن أميركا في دونالد ترامب؟
ليس ترامب الأول وليس الآخر، هو مسيرة طويلة من الهيمنة تجسدت بأشكال متنوعة، لكنها ظلت ثابتة الهوية في الحيلولة دون نهضة شعوب الأمة ودون تحرّر إرادتها.
هلّل بعضهم لقدوم أوباما واستبشر خيراً أن تتغيّر سياسات أميركا تجاه الشرق الأوسط، فإذا بأوباما يأتي بسلعة لا تختلف في الجوهر عن مثيلاتها السابقة مع آل بوش وآل كلينتون وقبله آل ريغان: فيتو ثابت ضد أيّة إدانة لجرائم الصهاينة في فلسطين المحتلة، سياسة الترّقب التي تبقي على الحالة السورية من دون أي تحوّل ديمقراطي منشود، مع تسليح انتقائي لبعض القوى هناك من الأكراد لمواجهة "داعش"، تأكيد المسار الذي خطه بول بريمر في العراق، والسير على خطاه الطائفي، مع غض الطرف على توّغل إيران في المنطقة، ليس غباء بل إنعاشاً للحرب الطائفية وإيقاد جذوتها هناك.
إنها ثوابت السياسات الأميركية التي تقوم على: دعم لا مشروط للصهاينة وحماية مصالح كيانهم في المنطقة، وزرع بذور فوضى لإضعاف كلّ إرادة وحدوية تحرّرية عند شعوب المنطقة، وهي بذور قد تتخذ أشكال دعم قوى أو دول على دول أو قوى، أو تتخذ شكل إنبات بذور نشأة كيانات الغلو لتخلط الأوراق ولتبرّر التدخل للقضاء على هذه النبتات التي هي صناعة أميركية بامتياز.
للأسف، الذاكرة تخون أحيانا فتنسي صاحبها ما فعلته أميركا وحلفاؤها، لكي لا تقوم لهذه الشعوب قائمة، ولا تلتحق الدول التي تصنعها إرادتها الحرة بركب التنمية والحضارة والديمقراطية.
شهدناهم يدعمون الصهاينة ويفتحون لهم الطريق للسطو على الأراضي وللتغطية على القتل والإرهاب الصهيوني، وكانوا خير مدافع عن مصالح الصهاينة ومنها الدفاع عن مصالحهم الحيوية بالمنطقة، أيضاً دعموا أنظمة فاشية ومستبدة، وصمتوا على جرائمها اتجاه شعوبها، بل وجعلوها وقود معركة ضد كل إرادة حرّة قد تعلو صيحاتها هناك، ألم يتحالفوا مع شاه إيران للتصدي للثورة ضده، وتآمروا على ثورة مصدق؟ ألم يدعموا نظام صدام حسين في بدايته لمحاصرة إيران الثورة آنذاك؟
وفي المقابل، ألم يوّظفوا "نظام الملالي" في إيران لغزو العراق واحتلالها والإجهاز على مقدراتها العسكرية؟ أليس هم من شهدوا وشاهدوا القبضات الحديدية والبوليسية لأنظمة العار في المنطقة، ولم تتحرّك دعواتهم الرسمية باحترام الحقوق والحريات للضغط من أجل حلول الديمقراطية بها؟
ليس ترامب أميركيا في عتاقة خطابه العنجهي وعدوانية قراراته فقط، هو أميركي روسي أوروبي صهيوني، لا يفهم في السياسة سوى ثبات استراتيجية الهيمنة وعرقلة كل هبّة تحرّرية وتحريرية. فلا غرابة إذن أن يكون ضد مقاومة الصهاينة في فلسطين، ومع التحكم القبلي في كلّ تحوّل ديمقراطي محتمل، فعلها سابقاً حين احتل العراق وصفّق له "ثوار فنادق البريستيج"، وقبلوا أن يخط لهم خارطة طريقه لإقرار "ديمقراطيته المنشودة" هناك، فـ "منح" لهم دستوراً كله حقول ألغام طائفية ستنفجر مع الأيام، وقد انفجرت مع بروز التطاحن الطائفي القاتل، وعوض أن نحصل على تعدّدية سياسية وحزبية خلاقة، حصل العراق على تعدّدية داعشية هلاكة، ويفعلها الآن مع "الدستور الروسي الممنوح" لسورية التي "حرّرتها" روسيا من مناهضي آل الأسد، وتريد أن تنال ثمن مهمتها استراتيجيا وبغطاء أميركي.
ترامب أيضا موجود هناك في سورية بـ "عباءة روسية" وبـ "عمامة فارسية سوداء"، وقد كان من قبل بـ "عمامات بيضاء وسوداء" بالعراق، وكان في فلسطين المحتلة بكلّ العمائم وبكلّ العباءات وبكلّ ربطات أعناق حكام المنطقة.
ترامب تتويج للانتصار اللحظي للقوى المضادة لثورات شعوب المنطقة، بعد الهبات التي انطلقت في 2011، أتى ليتربع كرسي قيادة هذه القوى المضادة، وليهيمن عليها بحماقاته، لنكون أمام سؤال: هل ترامب تسويق لأطروحة نهاية تاريخ جديدة سرعان ما ستتلاشى كما تلاشت الأطروحة الفوكويامية؟
حتما ستتلاشى، فترامب قدر من السماء لتسريع عملية فرز تاريخية جارية بين من يريد تركيع شعوب الأمة وبين من يرغب في تحرّرها وتحرير أراضيها المحتلة، ولا سبيل إلى ذلك عند كل القوى التحررية المنحدرة من رحم مجتمعات المنطقة العربية والإسلامية إلا بتحري ثلاث سبل:
مواصلة النضال السلمي المدني من أجل محاصرة بنية الاستبداد والتقليص من حضورها على مستوى الدولة وإدارة الشأن العام. اعتبار التبعية والتدخل الّأجنبي الغاشم، سواء عسكرياً أو اقتصادياً وسياسيا من الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن تلطخ أجندة النضال التحرّري العام، فجدلية حرية الوطن والمواطن عليها أن تظلّ جدلية تفضي إلى التحرّر لا إلى الاستعباد أو الاستبداد. إشاعة كلّ فكر تنويري يحفظ الحق في الحياة الكريمة وفي التفكير الحر، ويحرّر التراث من أيّة نزعة تغلبية إكراهية، وأيّة نزعة قدرية مسلمة بهذا التغلب الإكراهي، إنّها عملية تجديدية فكرية شاملة تنفض الغبار عن تراث الأمة التنويري المناهض للإكراه وللتغلب وللقبول بهما.
كلّ القوى التحرّرية الحية للأمة الآن أمام تحدي ثالوث معيق لكلّ تحرّر ونهضة منشودتين لشعوب هذه الأمة، ثالوث الطغاة والغزاة والغلاة، وهو الذي شكل العمود الفقري للقوى المضادة لثورة ربيع لم يأفل بعد.
25C093D8-E25F-4DF6-B727-65EF741F7627
أحمد بوعشرين الأنصاري (المغرب)