تداعيات أوسلو على العلاقات الفلسطينية

30 سبتمبر 2018
الصورة
ساهم مسار أوسلو بتأجيج الانقسام (محمود همص/فرانس برس)
لم تكن علاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وطيدة بالحركات الإسلامية الفلسطينية، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، قبل توقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر/أيلول 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.
جفاء العلاقة بين التيارين كان بسبب التباين الفكري والتوجهات السياسية الراجعة لاختلاف المرجعية الأيديولوجية لكل منهما، فحركة فتح حركة علمانية تسعى لإقامة دولة فلسطينية على أي جزء محرر من فلسطين، وحماس والجهاد حركتان إسلاميتان تنظران لفلسطين على أنها وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن أي جزء منها.
اقتصر الصراع بين التيارين قبل أوسلو على الحشد الجماهيري واستقطاب الأنصار وزعامة القضية والتمثيل الدولي، شأنهما في ذلك شأن الأحزاب المتناوئة في دول العالم كافة، فيما كانا يجتمعان على خط الكفاح المسلح ويتخذان من البندقية طريقًا وحيدة وواحدة في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي ويسعيان إلى إزالة إسرائيل من الوجود.
فتح، ومن خلال هيمنتها على منظمة التحرير الفلسطينية والسيطرة على كل مؤسساتها ولجانها، استطاعت أن تنصب نفسها الحَكم والقاضي في كل ما يخص القضية الفلسطينية في كافة بقاع الأرض وأن تسقط رؤيتها وتوجهاتها على كل القضايا الفلسطينية، وأغلقت أبواب المنظمة في وجه من يخالفها الرأي والتوجه، مع تهميشه وإقصائه، وقد طاول ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي وأدى إلى تصاعد حالة النفور بينهما.
انطلاق شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987م، أدى إلى صعود نجم حركات المقاومة الإسلامية التي قادت الجماهير الغاضبة وعملت على استمرار الانتفاضة وتصاعدها وإذكاء شعلتها، وظهرت بالرغم من حداثة عمرها كبديل لفتح والمنظمة يمكن المراهنة عليه، ومنحها ذلك إمكانية تأهلها لقيادة الشعب الفلسطيني، وهذا لم يَسر فتح التي وجدت نفسها معزولة عن ميدان الانتفاضة الشعبية المشتعلة في الداخل الفلسطيني نتيجة ما حل بها في حرب لبنان في 1982م وما ترتب عليها من إنهاء وجودها في جميع دول الطوق المحيطة بفلسطين وتشتت قادتها وقواتها العسكرية في أكثر من مكان.
وجدت حركة فتح في الانتفاضة فرصة ذهبية لكسر العزلة التي وصلت إليها، ومخرجًا لم يكن في حساباتها المتوقعة يخرجها من التهميش الدولي الذي تواجهه ولكن هذه المرة للمناورة السياسية والبحث عن تسوية سلمية للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود، فتصدرت المشهد وفرضت نفسها على الانتفاضة بكل وسيلة توفرت لها ولو عبر المنصات الإعلامية والخطابات الثورية، واستثمرت أحداث الانتفاضة والنتائج المترتبة عليها في صالحها، وقد عملت على كبح جماح الحركات الإسلامية، وشهدت تلك الفترة بعض المناوشات الميدانية بين أنصار الحركات الإسلامية وأنصار حركة فتح، التي استطاعت في نهاية الأمر التوصل إلى حل سلمي مع دولة الاحتلال ونقلت وسائل الإعلام مشاهد المصافحة التاريخية في باحة البيت الأبيض بين رئيس منظمة التحرير وحركة فتح ياسر عرفات وبين رئيس الوزراء الاسرائيلي إسحاق رابين.
لم يرق اتفاق أوسلو لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهما اللتان تنتظران أن تقطفا ثمرة الانتفاضة لا أن تسارع إليها فتح وتخطفها أمام ناظريهما، هذا من جهة، والثانية قبول منظمة التحرير التنازل عن 78% من أرض فلسطين واعترافها بدولة الاحتلال الإسرائيلي وقبولها بالشروط الإسرائيلية المنصوص عليها في الاتفاق والمتعلقة بنبذ العنف ووقف أي عمل عسكري ضد الأهداف الإسرائيلية وملاحقة المقاومة، وهو ما اعتبرته الحركتان جريمة وطنية ودينية وخيانة عظمى لا يمكنهما القبول أو التسليم بها، وقد رفضتا الاتفاق وأعلنتا الاستمرار في العمليات العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
زادت الهوة ما بين الإسلاميين والفتحاويين، بفعل أوسلو ومن الممكن اعتبار أن اتفاق أوسلو أسس للانقسام الفلسطيني الراهن وأنه أول شرخ حقيقي في العلاقات الداخلية الفلسطينية، ليس فقط على مستوى الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية، بل وأيضًا على المستويين الاجتماعي والشعبي، وقد حاولت حركة حماس على وجه التحديد أن تتصدى لهذا الاتفاق بكافة الوسائل الممكنة، فبادرت برفقة عدد من الفصائل الفلسطينية الأخرى إلى تشكيل تحالف من الفصائل الرافضة والمعارضة للاتفاق عرف بتحالف الفصائل العشرة، وعملت على فضح الاتفاق وكشف خفاياه وتفسير بنوده وتجريمه بين جموع الشعب الفلسطيني، ولم يتوقف ذلك عند المحاولات السياسية بل تعداه إلى تصعيد العمل العسكري ضد الأهداف الإسرائيلية وانتهجت وسائل جديدة، منها العمليات التفجيرية لإيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى في صفوف الاحتلال الإسرائيلي بهدف خلط الأوراق على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية وتعطيل عملية التفاوض.
الأجهزة الأمنية الفلسطينية والتي تشكلت بفضل اتفاق أوسلو لم تكن يدها رحيمة على أنصار الحركات الإسلامية فقد شنت حملات اعتقالات شرسة في صفوفهم طاولت كافة مستوياتهم القيادية ولم يسلم منها أحد مهما كانت مكانته الاجتماعية أو درجته العلمية تعرضوا فيها لشتى أنواع التعذيب والإهانة، وفي ذات الوقت لم تفعل تلك الأجهزة ولا المستويات السياسية الفلسطينية الرسمية شيئا حيال انتهاكات الجيش الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني والمقاومين الفلسطينيين وعلى رأس ذلك اغتيال المهندس يحيى عياش في شمال قطاع غزة الخاضع للسيطرة الكاملة للسلطة الوطنية الفلسطينية، مما قطع حبال الود المتبقية بينهما ووأد محاولات تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
حاول الرئيس الراحل ياسر عرفات احتواء حماس تحت جناح أوسلو ومنحها بعض الامتيازات والصلاحيات وعرض عليها الدخول في انتخابات 1996، وقد تعاطى مع ذلك عدد من قيادات حماس من منطلق أن السلطة واقع لا بد من التعامل معه، وخرج إسماعيل هنية بمباركة من قائد حماس الشيخ أحمد ياسين لمشاورة كافة أجنحة الحركة خارج القطاع لكن نتائج المشاورات الحمساوية جاءت على خلاف ما كان يشتهيه عرفات الذي قابل ذلك بالتضيق على قيادة حماس واعتقال عدد منهم.
أحداث الاقتتال الداخلي في حزيران/يوليو 2007م بين حركة حماس وعناصر السلطة الفلسطينية وفتح بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية في 2006م كانت أشد موجات المواجهة بين التيارين وأكثرها دموية وخسارة على المستوى الوطني والأخلاقي، وتجلى في تلك الأحداث مدى التشاحن والتباغض المتراكم بين أنصار الطرفين.
ما زال الصراع بين فتح ومؤسساتها السلطوية وبين الحركات الإسلامية الفلسطينية قائمًا حتى الآن، وما زالت وجهات النظر متباعدة، رغم كل محاولات ترميم العلاقة وردم الفجوة بينهما، ويبدو إن فرص توافق الطرفين على وجهة واحدة في إدارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وإنهاء الخلافات المشتعلة بينهما ضعيفة للغاية على الأقل في الوقت الراهن إن لم نفرط في النظرة السوداوية، التأثير السلبي لهذا الصراع بين إخوة الدم والقضية بالغ الخطورة على القضية الفلسطينية، واستغلته إسرائيل لصالحها أعظم استغلال، وخصوصًا في ظل الانقسام الحاصل بين جناحي الوطن.
تعليق: