تجارة البشر في القرن الأفريقي... دروب العبودية تمرّ بالخرطوم

الخرطوم
هبة عبد العظيم
07 يونيو 2020
 
 
 
 
لم يستجب سائق سيارة "البوكس" التي تقل المهاجرين لتوسلات الطفلة الإثيوبية سلام أجيالو، (16 عاما)، لأن يتوقف لتعرف ماذا حل بشقيقتها ألم (تعني باللغة الأمهرية عالم الضوء أو الجنة)، بعد أن سقطت من السيارة المسرعة بشكل جنوني، بينما تعبر منطقة الفاو الجبلية في ولاية الجزيرة وسط السودان، خلال عملية تهريب 14 إثيوبياً إلى الخرطوم جرت وقائعها في مايو/أيار من عام 2019.

تصف أجيالو لـ"العربي الجديد" مشقة رحلة التهريب من مدينة قوندر في الشمال الغربي لإثيوبيا إلى العاصمة السودانية، قائلة: "كنا 14 شخصاً بينهم 9 فتيات لم ينجُ من بينهنّ سواي، أثناء نقلنا كنا نركب بالصندوق الخلفي لسيارة البوكس المعروفة وسط مهربي البشر بـ"البخاخ"، والتي أقلتنا من مدينة القلابات السودانية على الحدود مع إثيوبيا عبر طريق وعر لا حياة فيه، فقط ظلام دامس تسير فيه العربة بسرعة جنونية من دون مراعاة لوجودنا ونحن نتكوم في صندوقها الخلفي المفتوح، تصبّرنا أحلامنا بعمل لائق ومال وفير، وعند منعرج جبلي رأيت شقيقتي ألم وآخرين يطيرون في الهواء، ويسقطون على الأرض بعد مطاردة الشرطة السودانية، لم يبق داخل البوكس سوى 5 أشخاص، ولم يستجب السائق لتوسلاتنا بالتوقف لنرى ما الذي حلّ بمن سقطوا".

وتتابع أجيالو سرد قصتها بألم لتقول: "بعد الوصول إلى الخرطوم احتجزني المهرب 5 أيام حتى تمكن زوج شقيقتي من دفع المبلغ المتفق عليه، 19 ألف جنيه سوداني (تعادل 344 دولارا أميركيا)".





وعود براقة بحياة مترفة

مضت سلام وشقيقتها إلى الخرطوم بعد أن أقنعهن سمسار يعمل مع المهربين بأن فرص العمل متوفرة لهن في السودان، وأن رحلة الوصول سهلة ولا مخاطرة فيها، كما تروي، مشيرة إلى أن الانتقال من مدينة المتمة الإثيوبية في السابع عشر من مايو/أيار 2019 وحتى القلابات السودانية كان سهلاً فعلاً، إذ عبرت المجموعة، التي ضمت الفتيات و5 أطفال أكبرهم لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، الحدود سيراً على الأقدام، وفي القلابات انتظروا موعد نقلهم إلى الخرطوم، وبعدها وقعت الحادثة التي راح أغلبهم ضحيتها.

في السابع والعشرين من مايو 2019، تلقى زوج ألم العشريني تسفاي المو، والذي يعمل في التعدين التقليدي للذهب بمنطقة أبو حمد في ولاية نهر النيل السودانية، اتصالاً في الخامسة صباحاً من سمسار سوداني، يطالبه بتحويل بقية المبلغ المتفق عليه لإيصال سلام وألم، مهدداً إياه بعدم رؤية زوجته وشقيقتها مرة أخرى إن لم يفعل، بحسب ما يقول، متابعاً: "جمعت المبلغ المطلوب خلال 5 أيام، وحولته عبر خدمة التحويل الهاتفي، ولم يخبرني في ذلك الحين أن زوجتي ألم سقطت من العربة". وعندما اتصل المو بالسمسار لمنحه النقود، أخطر السفارة الإثيوبية في الخرطوم مسبقاً، وكانت تتابع الأمر معه بالتعاون مع الشرطة السودانية، وحدد السمسار نقطة اللقاء في شارع الثورة بمدينة أم درمان غرب النيل، وسلمه سلام التي انهارت بمحرد رؤيته وأخبرته حينها أن زوجته توفيت لدى سقوطها في الفاو، كما يقول، مشيراً إلى أن الشرطة ألقت القبض على السمسار وفتحت بلاغا بحقه في القسم الأوسط بأم درمان، وتعتبر سلام شاهدة الإثبات الأساسية في القضية.

وتنشط شبكات الاتجار بالبشر في القرى النائية بإثيوبيا، وتتكون من سودانيين وإثيوبيين، وتتسم بالخطورة الكبيرة لكونها مسلحة، بحسب ما أكده لـ"العربي الجديد" المدير السابق لإدارة مكافحة الاتجار بالبشر التابعة للإدارة العامة للمباحث والتحقيقات الجنائية بالشرطة للسودانية، العقيد عوض السيد جبارة، والذي أحيل للتقاعد في إبريل/نيسان الماضي، مشيراً إلى أن العصابات تستغل جهل وفقر الأسر هناك، وتستعين بسمسار من المنطقة ليقوم بإقناع الأسر بعرض صور لبعض الفتيات اللائي ذهبن إلى بيروت أو الإمارات وغيرها من دول الخليج أو العراق، ويدّعي أنهن استطعن نقل أسرهن من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش، لتحفيز الأسر على إرسال بناتهن، فيلجأون إلى بيع منازلهم لتأمين سفرهن، وبعضهم يضطر للاستدانة من السمسار نفسه، على أمل السداد عقب حصول ابنتهم على الوظيفة الموعودة.

وترتبط ظاهرة النصب بالاتجار بالبشر، إذ وصل الحال بأحد السماسرة إلى خداع مجموعة من الفتيات الإثيوبيات بأنهن وصلن إلى بيروت، وهن فعليا في الخرطوم، بعدما أخذهنّ من ميناء الخرطوم البري (مخصص للحافلات) إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأكبر في مركز العاصمة، وادعى أنهن وصلن إلى بيروت، لكن واحدة من الفتيات تمكنت من قراءة لوحة على جدار الكنيسة كتب عليها العنوان لتنهار هي وبقية المجموعة بعدما عرفن أنهن لا يزلن في الخرطوم.بحسب ما رواه لـ"العربي الجديد"، محمد توفا، المسؤول عن متابعة حالات الاتجار بالبشر في الجالية الإثيوبية بالسودان. 
 

 

تصاعد ظاهرة الاتجار بالأطفال

تتصاعد ظاهرة الاتجار بأطفال القرن الأفريقي الحالمين هم وأسرهم بالخلاص من الفقر، إذ اتسم عدد ضحايا التهريب والاتجار بالبشر من الأطفال بالارتفاع في عام 2018، بعد أن وصل عدد من تم إنقاذهم إلى 110 حالات، منهم 44 صوماليا، و45 نيجيريا و21 طفلاً إثيوبيا وإريتريا، بحسب إفادة عضو اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر بوزارة العدل السودانية، إسماعيل تيراب، لـ"العربي الجديد".

لكن في عام 2019، حررت شرطة مكافحة الاتجار بالبشر السودانية 500 فتاة إثيوبية من حاوية كانت في منزل في شرق النيل بولاية الخرطوم، أغلبهن فتيات في سن المراهقة، وتمت العملية في يونيو/حزيران، بحسب ما كشفه لـ"العربي الجديد" مدير إدارة مكافحة الاتجار بالبشر العقيد عوض السيد جبارة.

وتمكنت الشرطة السودانية من تحرير 70 طفلا، و14 طفلة (تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاما)، من الإثيوبيين والإريتريين، من قبضة عصابات الاتجار بالبشر كانوا محتجزين في منزل بمدينة الحاج يوسف شمال شرقي العاصمة خلال عام 2019، وفقاً لتقرير "جهود التصدي لقضايا تهريب الأطفال في السودان"، الصادر عن المجلس القومي السوداني لرعاية الطفولة، والمقدم إلى اللجنة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر العام الماضي.

ويبدو التصاعد أكثر من عدد ضحايا الاتجار بالبشر الحاصلين على مساعدة مركز ( MRRC) التابع لمنظمة الهجرة الدولية المعني بالاستجابة لاحتياجات المهاجرين بالخرطوم، والذي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منه، إذ وصل العدد إلى 3638 شخصا خلال الفترة من يناير/كانون الثاني حتى سبتمبر/أيلول 2019، تشكل النساء 45% منهم، و34% من الرجال، والفتيات 11%، أما نسبة الفتيان 10%، ويضاف إليهم 607 من الضحايا الذين تم وضعهم في البيوت الآمنة التابعة للجاليات.

ويشكل الإثيوبيون 71% من إجمالي الضحايا، وفقاً لتقرير مركز ( MRRC)، مبينا أن 3509 من الضحايا احتاجوا للمساعدة الطبية.

وتعد نسبة النساء هي الأعلى ضمن ضحايا الاتجار بالبشر في العالم، إذ تبلغ نسبتهن 49%، بينما تبلغ نسبة الفتيات 23%، ويتعرض 60% من ضحايا الاتجار بالبشر للاستغلال الجنسي، وبحسب تقرير منظمة الأمم المتحدة لرعاية الأمومة والطفولة ( يونيسيف)، الصادر في يونيو/حزيران 2019، فإن 28% من ضحايا الاتجار بالبشر في جميع أنحاء العالم من القاصرين.


 



دروب الألم والأمل

يتدفق المهاجرون من ثلاث دول، هي إثيوبيا، وإريتريا والصومال، عبر بوابة السودان الشرقية، في مسار يبدأ من مدينة المتمة الإثيوبية مشيا، ثم يصلون إلى مدينة القلابات السودانية الحدودية، ويقيمون في منازل من القش حتى دفع جزء من المال الذي يبلغ 20 ألف جنيه سوداني (361 دولارا أميركيا)، قيمة عملية التهريب من داخل إثيوبيا حتى الخرطوم، ثم يتحركون عبر طريق وعر إلى منطقة الفاو الجبلية بين ولايتي الجزيرة والقضارف، ثم إلى مدينة الباقير على حدود ولاية الجزيرة مع ولاية الخرطوم، ثم إلى ضاحية سوبا جنوب شرقي الخرطوم، بحسب مسار التهريب الذي يرصده العقيد عبد الشكور حسن، الضابط بالمكتب المعني بالجريمة المنظمة والمخدرات، موضحا لـ"العربي الجديد" أن المسار الثاني يبدأ بتسيير المجموعات البشرية على الأقدام من موطنها الأصلي، حتى تصل إلى الحدود السودانية شرقاً عن طريق منطقة اللقدي الإثيوبية، خلال فترة من 25 إلى 30 يوما، يتزودون خلالها بالعصيدة، التي تصنع من مسحوق الذرة المخلوط بالماء، ومن بين كل مئة شخص هناك 15 طفلاً تتراوح أعمارهم بين عام واحد وحتى 17 عاما، كما يقول الضابط الخبير في مجال مكافحة تهريب البشر.
 

 

مساكن القطاطي 



ولدى وصولهم إلى قرية سرف سعيد الإثيوبية على الحدود السودانية، يأخذون قسطاً من الراحة، قبل أن يتسللوا إلى عمق ولاية القضارف الزراعية شرقي السودان، والتي تنتشر فيها مساكن القطاطي، ويستخدمها المهربون لحجز البشر، ومن هناك يتولى أمر نقلهم بسيارات البخاخ مهربون إثيوبيون وسودانيون، ينقلونهم إلى سهل البطانة ثم إلى الخرطوم، بحسب حسن، الذي قال إن المهاجر الواحد، يدفع للمهربين 5 آلاف جنيه سوداني (90 دولارا)، مقابل نقله إلى داخل الحدود السودانية فقط، ويكشف أنه مع أزمة الوقود الطاحنة والقبضة الأمنية أصبح المهربون يأخذون التكاليف مقابل الخدمات التي يوفرونها للمهاجرين بالعملة الصعبة، لذلك يحمل المهاجرون معهم مخدر (الشاشمندي) ويبيعونه في الطريق ليتمكنوا من السداد للمهربين، وفق تأكيده.

 

سيارة البكاسي المعروفة باسم البخاخ بين مهربي البشر


استغلال معسكرات مفوضية شؤون اللاجئين

يبدأ المسار الثالث من داخل معسكرات اللاجئين التابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين UNHCR بولايتي كسلا والقضارف، وهي معسكرات (أم قلجة، الشجراب، أم قرقور، كرورة)، والتي تتسم بكونها مفتوحة يسمح للمقيمين فيها بالحركة داخل الولاية، وهو ما يستغله المهربون، كما يقول العقيد حسن، مضيفا أن المهربين يدخلون إلى تلك المعسكرات ويجري نقل اللاجئين بطرق فردية تستخدم فيها الدراجات النارية، وبعدها تبدأ رحلة التهريب الجماعية عبر السيارات المعروفة بـ"البكاسي" بواسطة العصابات من كسلا والقضارف مرورا بسهل البطانة شرقي ولاية الجزيرة، ثم إلى أطراف محلية في شرق النيل بالخرطوم. وتبدأ عملية تخزينهم في بيوت مخصصة لاستقبالهم وإطعامهم مقابل ألف جنيه سوداني تعادل 18 دولارا في اليوم للشخص الواحد، وفي حال عجز الضحايا عن السداد يتحول الأمر من تهريب مهاجرين إلى اتجار بالبشر بحجزهم وتعذيبهم حتى سداد مديونيتهم، بحسب ما رصده الضابط حسن.


تدخل عمليات الاتجار بالبشر السابقة ضمن المخالفات المرصودة في المادة السابعة من قانون مكافحة الاتجار بالبشر السوداني لسنة 2014، والتي تنص على أنه "يعتبر مرتكباً لجريمة الاتجار بالبشر كل شخص يستدرج أشخاصاً طبيعيين، أو ينقلهم أو يختطفهم، أو يرحلهم، أو يؤويهم، أو يستقبلهم، أو يحتجزهم أو يعدهم بغرض استغلالهم أو استخدامهم في أعمال مخالفة للقانون، أو أي أفعال أخرى تنتقص من كرامتهم أو تحقق أهدافاً مخالفة للقانون، في مقابل أي من المكاسب التالية: أ- أي عائد مادي، ب- أي مكسب معنوي أو الوعد بذلك، ج- منح أي نوع من الفوائد"، بالإضافة إلى بروتوكول باليرمو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الذي وقع عليه السودان في عام 2004.

 



نمط الفدية الأكثر شيوعاً

في عام 2018، اخترقت عصابة للاتجار بالبشر أحد البيوت الآمنة المخصصة للضحايا بمنطقة شرق النيل شمال شرقي الخرطوم، وتمكنت من اختطاف عدد منهم رغم الحراسة المشددة، لمنع وصولهم إلى المحكمة كشهود إثبات في القضايا المرفوعة ضدهم، بحسب مصدر أمني رفيع، تحفظ على ذكر اسمه، وهو ما يضرب القضية، إذ تعتبر جريمة الاتجار بالبشر صعبة الإثبات، وضحاياها هم الشهود الأساسيون، كما يوضح قاضي محكمة الاستئناف مولانا محمد الأمين مختار، مؤكداً أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار حالة الصدمة التي يدخل فيها معظم ضحايا الاتجار بالبشر، ويوافقه الرأي العقيد جبارة، كاشفاً أن العصابات يجري رصدها من خلال استخلاص المعلومات من الضحايا، مشيرا إلى أن 22 ملفاً لقضايا أحيلت إلى المحكمة عام 2019، وتم البتّ في ثلاث قضايا منها، وثلاث تم شطبها لعدم كفاية الأدلة، والباقية ما زالت منظورة أمام القضاء.


وعقب اختطاف الضحايا تطلب العصابات فدى من عائلاتهم، إذ تلقت الشرطة السودانية 25 بلاغاً لطلب الفدية عام 2019، غالبيتها تتعلق بإثيوبيين، وتم تحويل بعضها إلى جهاز المخابرات، وفق تأكيد العقيد جبارة، بينما تم تحرير 45 مختطفا من الجنسيتين الإثيوبية والصومالية، بينهم 33 طفلا دون الثامنة عشرة، من قبضة عصابات الاتجار بالبشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، من داخل الحدود الليبية المتاخمة للسودان، وفق ما كشفه توفا قائلا: "هؤلاء كانوا يبحثون عن الفردوس الأوروبي، وأفراد العصابة أرسلوا مقاطع مصورة إلى ذويهم وهم يصبون مواد حارقة على أجساد أبنائهم بهدف استعجالهم في دفع الفدية".

وفي حال عدم الدفع يتم تهديد الأسرة بقتل الضحية أو استغلاله في عمل قسري أو تجنيده، كما يقول توفا لـ"العربي الجديد"، مضيفا أنهم تمكنوا من جمع قيمة المبالغ المطلوبة بالتعاون مع أسر الضحايا والجالية والسفارة الإثيوبية بالخرطوم، ودُفعت فدية قدرها 2500 دولار للفرد الواحد، وأعيدوا إلى بلدانهم عقب تحريرهم.

ويوضح تيراب أن المهربين يستغلون الأطفال للضغط على ذويهم، غالباً في إطار لم شمل الأسر التي هاجرت لأوروبا أو أستراليا وحتى السودان، لطلب فدية بمالبغ كبيرة قد تصل في بعض الحالات إلى 100 ألف دولار مقابل تحريرهم، وإلا استغلتهم في الجنس وترويج المخدرات ونزع الأعضاء والتسول، بالإضافة إلى تجنيدهم، أما الشبان ذوو البنية القوية فيعملون بالسخرة في مناجم الذهب على الحدود المتاخمة لليبيا تحت تهديد السلاح، وبعضهم يموت وترمى جثته في الصحراء. وفقاً لحديثه.
 

 


الدخول بتأشيرة مزورة

ينتقد توفا السفارة السودانية في أديس أبابا، إذ تستمر في منح تأشيرة دخول للفتيات الإثيوبيات إلى السودان، رغم مخاطبتها رسمياً من قبل السلطات الإثيوبية بوقفها، بينما ينفي مصدر دبلوماسي رفيع في السفارة السودانية تلقيهم أي خطاب من السلطات الإثيوبية تطالبهم فيه بوقف منح التأشيرات للفتيات، رغم إقراره بوجود تأشيرات مزورة ظهرت في أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، كاشفاً لـ"العربي الجديد" عن فتح بلاغات ضد مزورها الإثيوبي، وهو معلوم لدى الشرطة الفدرالية الإثيوبية، لكنها لم تتمكن من القبض عليه حتى الآن، ويؤكد أن 85% من الفتيات تدفع بهنّ أسرهنّ إلى السفر للعمل خارج البلاد لمجابهة الفقر المدقع الذي تعاني منه.

وتصدر القنصلية السودانية ما بين 100 إلى 150 تأشيرة دخول يومياً إلى السودان، وتبلغ رسوم الفيزا المخصصة للزيارة العادية لمدة شهر 50 دولارا، وفقاً للمصدر ذاته.

السودان دولة عبور

يوضح جبارة أن أبرز أنماط الاتجار بالبشر وسط الأطفال والنساء هو نمط "التسفير"، إذ يتم تجهيز الضحية للسفر والعمل في دولة أخرى، عبر استخراج جواز سفر لها وتأشيرة دخول إلى السودان، وعادة ما يكون الدخول قانوني، وتأشيرة نافذة إلى الدولة المقصد، بحيث تكون السودان دولة عبور فقط، وغالباً ما تفتقر الضحية للمال ليجري استغلالها  لأبعد حدّ ممكن في كافة أشكال الاتجار بالبشر، كالاستغلال الجنسي والعمل القسري، حتى تصل الضحية إلى وجهتها وقد تكون دبي، أو أبو ظبي، أو بيروت.

واستناداً إلى تحريات المكتب المعني بالجريمة المنظمة والمخدرات في الشرطة السودانية فإن الفتيات الإثيوبيات غالبيتهن لم تتجاوز أعمارهن 15 عاماً، على خلاف العمر المدون في جوازات سفرهن، كما أن غالبيتهن حصلن على تأشيرة عمل كعاملات منازل في بيروت، وأخريات في دور الخليج العربي بناء على الجواز المزوّر، كما يوضح العقيد حسن، مؤكدا أن المسؤول عن النقل داخل شبكات الاتجار بالبشر يكون بانتظار وصول حافلة تنقل عادة ما بين 20 إلى 30 فتاة إثيوبية في ميناء الخرطوم البري.

هذا ما يؤكده جبارة بأن الضحايا يدخلون الخرطوم عبر المنافذ الرسمية بموجب تأشيرة نافذة، لكن الإجراء الخاطئ الذي يؤخذ على السلطات الإثيوبية على الحدودهو  أن ختمهم المستخدم  على جوازات سفر الخارجين يمكن تزويره من قبل أفراد عصابات الاتجار بالبشر، ولا يمتلك أفراد الأجهزة السودانية على الحدود إمكانية التحقق من تأشيرة الخروج للإثيوبيين، لافتاً إلى مخاطبتهم الداخلية الإثيوبية عدة مرات عبر وزارة الخارجية السودانية لتأكيد صحة الختم.

وفي انتظار حل تلك الإجراءات الإدارية تتواصل الظاهرة وتتسع ويتزايد ضحاياها من مختلف دول القرن الأفريقي يوما بعد يوم، وهو ما يتطلب تعاون جاد لوقف عبودية الأطفال واستغلالهم وتدمير مستقبلهم كما تؤكد مصادر التحقيق.