تاجرات شنطة... جزائريات يسافرن بسلع متنوعة

02 أكتوبر 2019
الصورة
يعرضن البضائع في الأسواق الشعبية أحياناً (العربي الجديد)

البداية كانت مرتبكة وصعبة، لكنّ الربح من وراء تجارة عابرة للدول بواسطة شنطة، أي حقيبة، دفع كثيرين إلى المجازفة، خصوصاً النساء اللواتي احترفن المهنة في الجزائر، بغية رفع الغبن عن أنفسهن والوصول إلى مكسب وإن بعد تعب

تقول الجزائرية نعيمة من ولاية تيارت لـ"العربي الجديد"، وهي في مطار الجزائر الدولي، إنّها تعمل تاجرة شنطة، منذ سبع سنوات، فتسافر إلى الخارج وتأتي بالسلع المتنوعة لتبيعها في البلاد. تشير إلى أنّ هذه المهنة أراحتها، وكانت بمثابة حظ جيد لها، بعدما تنقلت كثيراً من وظيفة إلى أخرى بعقود محدودة ومن دون ضمان اجتماعي، منذ تخرجها من كلية الاقتصاد في وهران. تعلق: "أنهكت صحتي مقابل أجر شهري زهيد تبدده مصاريف النقل وطعام الغذاء. التجارة كسب حلال ومتعة أيضاً وقد منحتني الثقة وأتاحت لي مساعدة عائلتي". تتابع: "تعلمت كثيراً في السفر، بل إنّي آخذ من كلّ رحلة درساً أستفيد منه في الرحلة التالية، بداية من طريقة الشراء في البلد الأجنبي إلى طريقة التسويق في الجزائر".




في البداية، كانت نعيمة تقتني بعض الهدايا لأفراد الأسرة، ولم تخطر في بالها فكرة الشراء والبيع، حتى تعرفت إلى إحدى الفتيات التي أشارت إليها بأن تحترف التجارة، وتجرّب حظها ببيع أشياء بسيطة في الجزائر، سواء لأفراد العائلة أو الجيران أو في محلات الحلاقة. وهكذا تعرفت إلى كثيرات ممن دخلن عالم هذه الحِرفة، خصوصاً المترددات على تركيا. تقول: "في إسطنبول تستأجر جزائريات يحترفن تجارة الشنطة بيوتاً طوال مدة إقامتهن بأسعار منخفضة، وقد تعلمت منهن أسماء الشوارع والمناطق التي تتوفر على السلع معقولة الأسعار لاقتناء الأكثر رواجاً والأقل سعراً". عقدت نعيمة عدة صداقات مع فتيات أخريات تعلمت منهن كيف يمكنها أن تقتني "سلعة يمكن ترويجها في الجزائر بحسب الفصول والمناطق وما تطلبه النساء وما يطلبه الرجال، وكذلك الأطفال، وما يلبي أذواق الجميع".

بهدف تحسين مستواها المعيشي، اختارت نسيمة، وهي طالبة جامعية في إحدى جامعات الشرق الجزائري، أن تجرّب حظها في التجارة، فهي أكبر أشقائها من أبيها، بعدما توفيت والدتها. وقد ذاقت المرّ، كما تقول، حتى نجحت في الثانوية العامة: "كانت معجزة غير متوقعة، إذ اشتغلت في عدة وظائف بسيطة لأتمكن من جمع المال لإتمام دراستي، فضلاً عن مواجهة صعوبات الحياة، لكنّي وجدت عملاً في الصيف، بائعة في محل للملابس النسائية، فتفطنت لفكرة أن أبدأ رحلة التجارة من الجزائر نحو المغرب". بدأت هذه الفتاة ذات الثالثة والعشرين من عمرها الرحلة في عالم تجارة الشنطة بعدما زارت مدينة الدار البيضاء المغربية، حيث خاضت أولى تجاربها التي أخذتها نحو الدخل الوفير، بالرغم من كلّ العقبات التي واجهتها، إذ صارت تسافر شهرياً إلى المغرب لاقتناء فساتين الأعراس التي يتزايد عليها الطلب وبعض الإكسسوارات والعطور والملابس النسائية. وباتت تبيعها في محلات الحلاقة النسائية والحمامات. تشدد على أنّها احترفت التجارة وتمكنت من شراء محل تعرض فيه سلعها وتأخذ الطلبيات فيه أيضاً من عدة مناطق في الجزائر.

لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لكثيرات في هذا المجال، إذ واجهن صعوبات بداية من "رفض العائلة"، بحسب فاطمة (34 عاماً). تقول لـ"العربي الجديد" إنّها في بداياتها قبل تسع سنوات واجهت أشقاءها ووالدها الذي عارض فكرة السفر في حدّ ذاتها، لكنّها تحدتهم جميعاً ما دامت "تجارة بلا خسارة"، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، خصوصاً في مجتمع محافظ ينظر إلى الفتاة "بعين ناقصة" كما تقول. كذلك، واجهت صعوبات في المطار من الجمارك والتفتيش، فضلاً عن طمع البعض في استغلالها، وحاول غيرهم استدراجها إلى تجارة الممنوعات.




غالباً ما نسمع أنّ معظم تجار الشنطة هم من الشبان الذين يعرفون كيف تدار التجارة في الجزائر، ومنهم من صار بالفعل محترفاً في شراء بعض المستلزمات الخفيفة التي تلقى رواجاً واسع النظير، وبعضهم بات اليوم يدير محلات بأكملها في الأسواق الجزائرية، خصوصاً في منطقة باب الزوار والحميز وبلكور، وحتى في الأحياء الراقية، لا سيما محلات بيع مستحضرات التجميل والعطور التي تستقطب النساء أكثر، لكنّ للشبان منافساً بارزاً الآن. فالفتيات دخلن إلى الساحة، وتفوقن في مسارات تأخذهن إلى وجهات عالمية عديدة، فاحترفن تجارة الشنطة، التي باتت تدرّ أموالاً طائلة عليهن. كذلك، تمرّسن في تجارة الشنطة بين الجزائر وتونس، خصوصاً في أحياء معروفة أبرزها سوق العلمة، بولاية سطيف، وعين مليلة بولاية أم البواقي في الشرق الجزائري، وهي أسواق تعرض بضاعة من مختلف أرجاء العالم، يحترفها تجار الجملة الكبار، وباتت ملاذاً لتجار الشنطة بين تونس والجزائر، في رحلات ظاهرها سياحي وباطنها ترويج السلع التي تجذب الزبائن في الدولتين، من دون العبور على البوابات الجمركية شأن البضائع المستوردة بالشكل التجاري القانوني.