تأجيل ترامب زيارته إلى الدنمارك يوتّر العلاقات مع حليفه الاسكندنافي

21 اغسطس 2019
الصورة
ترامب فتح على نفسه هجوماً سياسياً وإعلامياً (Getty)
تسبّبت تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن "تأجيل الزيارة" إلى كوبنهاغن، أو بالأصح إلغائها، بُعيد تأكيد رئيسة وزراء الدنمارك، ميتا فريدركسن، أنّ جزيرة غرينلاند ليست للبيع، بمزيد من توتير للعلاقة، والذي بدأ خلال الأيام الماضية بين ترامب وكوبنهاغن، ما دفع بالدنماركيين إلى الإشارة إلى "جمود" في العلاقة بين الطرفين، ووصف الأمر بمشهد غير مسبوق بين الحليفين التاريخيين.

فحتى مساء أمس، الثلاثاء، كانت السفيرة الأميركية في كوبنهاغن، كارلا ساندس، تؤكد أن "الدنمارك جاهزة لزيارة رئيس الولايات المتحدة الأميركية (دونالد ترامب)، فهي (الدنمارك) شريك وحليف وصديق". لكن يبدو أن لترامب رأيه في ما خص رفض دولة "حليفة وصديقة" صغيرة الانصياع لرغبته بشراء جزيرة مأهولة. فلا نية لدى يسار أو يمين كوبنهاغن، أو لدى ممثلي شعب غرينلاند، بمجرد القبول بمناقشة ترامب بشأن القضية، ما أثار حفيظته، إلى جانب قضايا أخرى تتعلق بتشكيل معسكر دنماركي برلماني رافض لتمرير مشاركته عسكرياً في مضيق هرمز، في الخليج العربي، أو نشر قوات دنماركية في سورية.


ويبدو أنّ الرئيس ترامب ماضٍ في زيارته إلى بولندا، لكنه باستثنائه كوبنهاغن، فتح على نفسه هجوماً سياسياً وإعلامياً، محوره "إهانة الملكة مارغريتا الثانية"، صاحبة الدعوة الرسمية، والتي كان يفترض أن تستقبله في القصر الملكي على عشاء يقام على شرفه.

وأصدر القصر الملكي في كوبنهاغن، صباح اليوم الأربعاء، بياناً صحافياً عبر فيه عن "مفاجأته بإلغاء الزيارة".

ورغم اللغة الدبلوماسية المعبّرة عن ملكة تملك شعبية كاسحة في بلدها، إلا أن أمر إلغاء ترامب لزيارته، لم يمرّ مرور الكرام لدى مختلف الأحزاب والسياسيين، إذ انطلقت كلمات قاسية، صباح اليوم، في كوبنهاغن، التي عادةً ما تكون أكثر حذراً في تصريحاتها، خصوصاً في ما يتعلق بالحليف الأميركي، الذي شاركته معظم حروبه منذ سنوات طويلة. فزعيم حزب "راديكال" (يسار الوسط)، الوزير السابق مورتن أوسترغورد، وصف تصرف ترامب بأنه "جنوني وأخرق غير مقبول، وهو يظهر لماذا علينا أن نعتبر دول الاتحاد الأوروبي أقرب حلفائنا. الرجل لا يمكنك التنبؤ بسياسته ومواقفه"، معتبراً أنّ تصرفات ترامب بعدما حصل على أجوبة واضحة "شيء يفوق الخيال، الرجل مختل عقلياً".


وحتى في اليمين، لم يسلم ترامب من هجمات صباحية تعبّر عن غضب وانتصار للملكة مارغريتا الثانية، ولم يرَ نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، وهو ممثل لحزب اليمين المتشدد، الأقرب لواشنطن تاريخياً، سورن اسبرسن، سبباً لإلغاء أو تأجيل الزيارة، مخاطباً ترامب مباشرة، بالقول: "السيد الرئيس، أنت أجلت الزيارة إلى الدنمارك، لمَ لا تلغيها إذاً؟"؛ وفي جملته باللغة الدنماركية تهكم ورفض ضمني لزيارته.

أمّا مسؤول السياسات في حزب المحافظين عن جزيرة غرينلاند، موضع النزاع الذي خلقته رغبة ترامب بالسيطرة عليها، راسموس يارلوف (صديق مقرب لواشنطن)، فاعتبر من جهته أن الإلغاء "إهانة"، قائلاً: "كدنماركي ومحافظ يصعب عليّ فهم تصرف ترامب، فكيان مستقل (غرينلاند) جزء من وطننا اعتبره الرجل (ترامب) قابلاً للشراء، هل هناك أجزاء من أميركا للبيع؟ ألاسكا مثلاً؟ أظهر بعض الاحترام".

ومن ناحيته، عبّر مسؤول المجموعة البرلمانية لحزب "الشعب" اليميني المتشدد، بيتر سكوروب، عن رأيه بالقول: "إلغاء الزيارة أصلاً أمر إيجابي لنا، فالآن يستطيع الغرينلانديون أن يروا أننا ننتمي لبعضنا، وأنهم جزء من وحدة المملكة". وقول سكوروب هو محاولة لرتق مواقف متشددة من الحزب خلال السنوات الماضية، بوجه ساسة قوميين من شعب الجزيرة الأصلي، الذين يطالبون بالاستقلال التام عن الدنمارك.

بدورها، عقبت رئيسة الوزراء السابقة هيلي تورنينغ شميت، عبر "تويتر"، على قرار ترامب إرجاء زيارته، قائلة: "هل هذه مزحة؟ هذه إهانة عميقة للشعب في غرينلاند والدنمارك".

وكانت الأزمة قد تدحرجت بعدما نُقلت عن ترامب، الجمعة الماضي، عبر "وول ستريت جورنال"، رغبته بشراء جزيرة غرينلاند، في سياق التنافس الدولي على القطب الشمالي. وتصاعد الموقف بعدما وصل إلى إصرار دنماركي، بزيارة رئيسة الوزراء، فريدركسن، الجزيرة وتصريحها الواضح، بعد نشر ترامب صورة تعبيرية عن "برج ترامب" على الجزيرة متهكماً، بأن غرينلاند لها شعبها وليست للبيع.

ورأى خبراء في العلاقات بين الطرفين، اليوم الأربعاء، عبر القناة الرسمية "دي آر"، التي انشغلت ببث مباشر، أنّ "الأزمة التي تسبب بها ترامب، تخالف الأعراف الدبلوماسية وتخرق كل أصول التعامل بين الدول". وذهب بعض هؤلاء الخبراء في علاقة الطرفين إلى أن الدنمارك، التي حافظت خلال تعاقب الرؤساء الأميركيين على علاقة وثيقة بواشنطن، "وصلت الآن إلى نقطة التجمد"، وهو ما ذكرته الكاتبة والخبيرة في الشأن الأميركي، ليليان كيرتز، لـ"دي آر".

وكان الجنرال الأميركي ويسلي كلارك، قد صرح قبل وقت قصير، بأن تصرفات ترامب تسيء للعلاقات بين الطرفين، وبأن للأميركيين مصالح سياسية-أمنية كبيرة في القطب الشمالي. واعتبر كلارك، الذي استشهد بقوله التلفزيون الرسمي الدنماركي صباح اليوم، أن "الاعتقاد بأن غرينلاند للبيع فيه إهانة، كان من الأفضل انتهاج السبل الدبلوماسية للوصول إلى المصالح في القطب الشمالي".

وعلى الرغم من طلب بعض المعلقين "التمهل وردم الهوة عبر وسائل دبلوماسية"، إلا أن إلغاء الزيارة بهذا الشكل، "واستخدام لغة من العيار الثقيل لن يفيد مصالح الولايات المتحدة"، على ما ذكرت كيرتز، التي تصرّ على أن الأعراف الدبلوماسية تتطلب وجود حجج منطقية لإلغاء زيارة رسمية متفق عليها، كموت أحد أفراد الأسرة أو أزمة وطنية كبيرة، وهو ما جرى مثلاً حين أُلغيت زيارة الملكة مارغريتا إلى تركيا صيف 2016 بسبب محاولة الانقلاب وإعلان حالة الطوارئ.

وعلى الرغم من أن الدنماركيين تفهموا قبل إلغاء الزيارة، مصالح الأميركيين في المنطقة القطبية، التي أثارت مخاوف كوبنهاغن على مدى اليومين الماضيين في غرينلاند، بانتهاج سياسة انتشار عسكري أوسع في الجزيرة، إلا أن الانتقادات اللاذعة التي طاولت ترامب، تتعلّق بما يفكر به الرجل في "الثروات والاستثمار". وتتعرض غرينلاند فعلاً لمحاولات من دول عديدة، ومن بينها الصين، لتثبيت وجود في المنطقة القطبية الشمالية، باقتراح إقامة مطارين جديدين فيها، ما أثار مخاوف داخل كوبنهاغن نفسها من مغزى الخطوة الصينية. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو الروس متأهبين في المنطقة القطبية، محاولين توسيع مياههم الإقليمية لتصل إلى حدود غرينلاند، ما يلقى أيضاً معارضة دنماركية ويدفع هذه الأيام بتعزيز استراتيجية الوجود العسكري. ويُعتبر هذا التأزيم في العلاقة بين حليفين في "الناتو"، واحداً من الأزمات التي خلقتها سياسة ترامب مع الحلفاء التقليديين، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونهاية الحرب الباردة، بتصريحات وتصرفات لم تتوقف عند أزمته مع كوبنهاغن، التي ربما ستفتح عيون وآذان حلفاء آخرين في هذا الجزء من "تحالف الأطلسي"، ومن بينهم ألمانيا ودول البلطيق، وحتى بولندا، التي يزورها ترامب بداية الشهر القادم.

ورأى محللون سياسيون في كوبنهاغن، اليوم الأربعاء، أن ما يجري "يصبّ في مصلحة موسكو، التي تنظر إلى أنّ أزمات ترامب المفتعلة مع الحلفاء تصبّ في مصلحتها".

بدورهم، عقّب بعض الدنماركيين على إلغاء ترامب زيارته، واصفين ما جرى بـ"عبث وسخرية وليس فيه أي روح صداقة". وذكّر بعضهم الأميركيين بأنّ جنود الدنمارك قاتلوا إلى جانب الأميركيين في أفغانستان، وخسروا 50 جندياً، كما قال الخبير في معهد "بروكينغز" في شؤون الاتحاد الأوروبي، توماس رايت. واعتبر رايت أن "تصرفات الرئيس (ترامب) تجاه الحلفاء وضحاياهم تبدو قاسية في اليوم ذاته الذي كان يحاول أن يطمئن فيه (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين بأنه يدعم عودته إلى قمة الثمانية".

تعليق: