بين نافالني ومحمد مرسي .. وازدواجية المعايير

12 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

من مفارقات السّياسة أنها تثبت، المرّة بعد المرّة، حقائق لا مراء فيها، وقد تكون قاعدة ازدواجية المعايير إحدى أهم تلك المفارقات. أو، لنقل، البيّنات الواضحات، لأنّ الإشكاليات السياسية نفسها يتمّ التعامل معها بمقارباتٍ مختلفة، وكأنّ من هو، هناك، في أوروبا أو في الغرب، سياسي، وقبل ذلك إنسان، في حين أنّ من هو، هنا، في أوطاننا العربية، قيمة مُستهان بها أو سلبية، تماما، حتى لو كان صاحب حصانة ووصل إلى أعلى المناصب، لا يكترث أحد لما يصيبه، لا من الغرب ولا من أوطاننا. ولعلّ أفضل صورة لهذه المفارقة حالتا الرئيس المصري الراحل محمّد مُرسي والسياسي الرُّوسي ألكسي نفالني المتهمة مخابرات بلاده بتسميمه، والذي يمكث حاليا في مستشفى في ألمانيا، وكيف تعامل معهما الغرب، حيث تكاد، في حالة الإنسان الغربي، تُوصل إلى الاعتقاد أنّ المسألة تصعيدٌ قد ينتهي بحرب، وليس مسألة تسميم قد تنتهي إلى علاج بترياق، في حين أنّ مرسي، من ساكنة "ضيعة ضايعة"، مات بالإهمال الطبي وقبل ذلك تمّ الانقلاب عليه، وهو الرّئيس الشرعي، من دون أن يهتمّ أحد من قادة الغرب بما أصابه، ولا بما انتهى إليه.
الحديث، بداية، عن ازدواجية المعايير، وهو مبدأ سياسي (ولا نقول لا أخلاقي) معروف يشبه، إلى حد بعيد، المبدأ الاستعماري "فرق تسد"، لأنّ أصل المعيار هو الإدراك المختلف لأسباب التقدم والتخلف وتطبيقها على فضاءات جغرافية، بعينها. ويمكن النّظر إلى ازدواجية المعايير أنه مبدأ الرؤية المتعالية للإنسان الغربي، أو ما أسماه الرّاحلان عبد الوهاب المسيري وأنور الجندي، على التوالي، الانحياز أو المنهج الغربي الوافد، ذلك أن الغرب لا يرى الآخرين إلاّ من منظار الدونية، ووجوب أن يكون هو مركز العالم، والبقية هم الهامش، ليصبح الأمر، بالنتيجة، أنّ منظومة حقوق الإنسان أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هما آليتان للإعلاء من شأن كرامة الإنسان الغربي، دون بقية البشر الذين يمكن التغاضي عن حقوقهم، أو الحطّ من شأنها، بل هناك إمكانية للتّضحية بالإنسان في فضاءات جغرافية، غير الغربية، لصالح مكاسب اقتصادية، سياسية أو جيوسياسية، على غرار التي نعيشها في عالمنا العربي، حيث يمكن التّضحية بالبشر دونما اكتراث لأدنى معايير الكرامة الإنسانية الحصرية للإنسان الغربي. ودليل ما تقدّم جرائم الاستعمار الغربي في العالم، والتي يمثلها، خير تمثيل، استعباد للسود، وجرائم القضاء على الهنود الحمر في أميركا، والسكان الأصليين في أستراليا، أو جرائم الاستيطان في عدة نقاط، لعلّ أبرزها الجزائر وفلسطين وجنوب إفريقيا.

الغرب لا يرى الآخرين إلاّ من منظار الدونية، ووجوب أن يكون هو مركز العالم، والبقية هم الهامش

لا يجب أن نغُضّ البصر، هنا، عن حاجة الغرب لولاء بعض، عندنا، من نُخب معروفة، لاستدامة مقاربة الدّونية نفسها لمنظومة حقوق الإنسان وكرامته في عالمنا، وهو ما أدّى، حقيقة، إلى ما نراه من إمكانية مقايضة استقرار بمكاسب للغرب في أوطاننا العربية، في مقابل احتواء التهديد، زعما، للإرهاب، الهجرة غير الشّرعية، أو تمدُّد المناطق الرّمادية إلى حيث الغرب، وحيثما توجد المصالح الاقتصادية الغربية.
دأب الغرب على اعتبار أنّ المعايير غير مستوية بين عالمينا، فما هو جائز، مقبول و شرعي في فضائه، يمكن أن يصبح غير جائز، غير مقبول وغير شرعي في عالمنا، على غرار معايير الديمقراطية، الحرية، إمكانية القبول بالاستبداد، النيل من منظومة حقوق الإنسان وكرامته، بل والإنقلاب على الشرعية، إذا كان ذلك ضروريا للحفاظ على نسق حياة الإنسان الغربي مستقرة، وفي حدود المقبول اقتصاديا. ولا يمكن اعتبار ذلك إلاّ ازدواجية في المعايير في رؤية كل شيء، فحتّى عندما انتقل الغرب إلى فضاءاتٍ أخرى لينقل إليها الرأسمالية، بكل مساوئها، اعتبر ذلك اكتشافات جغرافية وكأن تلك المناطق لم تكن مأهولة بالناس. وعمل، لتحقيق مرغوبه، على إبادة الملايين من الناس، واعتبر أنه وقع على أراض بدون بشر لبشر بدون أراض، أي الغرب الرأسمالي المحتاج إلى موارد وأسواق، ليتولّد عن ذلك الحروب الصليبية، حينا، الاستعمار، الإستيطان والإمبريالية، أحيانا أخرى، وانتهاء باعتبار أنّ العالم كله فضاء للتنافس، وأن من فيه طبقات من البشر يستحق جزء نزير منهم كلّ شيء، ويُمنع عن البقية التمتع بأدنى ذلك النزر القليل مما يمكن أن يحفظ كرامة العيش، ليس إلا.

ما هو جائز، مقبول و شرعي في فضاء الغرب، يمكن أن يصبح غير جائز، غير مقبول وغير شرعي في عالمنا

وحتّى لا نكون مجحفين في حق الغرب كلّه، يمكن الإشارة إلى أن منهم من كشف تلك الألاعيب، ودعا إلى عدالة في المعايير، بل ورفض أن تُعرّف السلوكات السياسية وفق مبدأ ازدواجية المعايير. وفي حالة محمد مرسي، يمكن الرجوع إلى مقولة السياسي الأميركي الراحل، جون ماكين، المرشّح الرئاسي الجمهوري السابق، عندما تحدّث حول انقلاب 3 يوليو 2013 في مصر، وقال إن البطة هي بطة، في إشارة إلى أنّ ما حدث انقلاب، ولا ينبغي النظر إليه إلاّ على أنه كذلك، مومئا، في الحقيقة، إلى أن الغرب كله أغمض عينيه على ما حدث من تعدٍّ صارخ لمعايير ديمقراطية، طالبنا بالوصول إليها والعمل وفق معاييرها. ولكن عندما تعارضت مع مصالحه ومصالح النخب التي تمكّنه من مكاسبه، في أوطاننا، أضحى ينادي بثورات مضادة، ويناصرها مقسما الكرة الأرضية إلى جزء، هو الغرب، له الحق في التمتع بالكرامة وبحقوق الإنسان، وبجزء آخر، هو عالمنا، يمكنه البقاء حيث هو بمواصفات القتل البطيء، الإهمال الطبي، الانقلابات، الاختفاء القسري، وحياة مرة، على طول الخطّ، مع إيهامنا، من خلال جمعيات دولية يموّلها بأنه يعلم بما يحدث، ويعمل للتخفيف من وطأة ازدواجية المعايير بالإعلان، أحيانا، أن سياسييه يناقشون مع نخب أوطاننا أوضاع حقوق الإنسان، قبل أن يتم التوقيع، تحت أنظار الكاميرات، على اتفاقيات اقتصادية وصفقات بيع أسلحة، وغير ذلك مما يخفف من وطأة أزمات الغرب الرأسمالي، وليس أزماتنا، نحن.

نريد أن نضع أيدينا على أوجاعنا في أوطانٍ من ورق، نعيش فيها في أرق، ولم نبرح فيها، ألبتة، وضع الرق

عندما شاهدنا كيف تحرّك الغرب للسياسي الروسي المعارض، نفالني، صادف ذلك، في قلوبنا، شعورا بأن ذلك كان ممكنا، أيضا، لمحمد مرسي والصحافي السعودي جمال خاشقجي ومئات آلاف ممن يعانون، في صمت، من مبدأ ازدواجية المعايير. وكنا نظن أن ذلك ممكن للفلسطينيين الذين تهدم بيوتهم ويقصفون، ليل نهار، في قطاع غزة، المحاصر منذ زمن طويل، بسبب أن حركة حماس فازت، بمعايير الديمقراطية الغربية، بانتخاباتٍ تشريعيةٍ رفضت نتائجها نخبة سياسية تريد الإمارة، ولو على الحجارة، كما كان يقول أحدهم، كلما حلت الانتخابات، وحاولت التيارات الليبرالية أن تفوز بها تحت طائلة الدعوة إلى الإنقلاب، وتدخل الجيش على غرار ما حدث في الجزائر ومصر، ولكن في إطار صمت غربي كامل، لأن انتصار معايير ديمقراطيته في أوطاننا يهدّد مصالحه ومصالح النخب الموالية له.
لا نتمنى لنفالني، هنا، إلاّ أن يفيق من غيبوبته، وقد أفاق، ولكننا نريد أن نضع أيدينا على أوجاعنا في أوطانٍ من ورق، نعيش فيها في أرق، ولم نبرح فيها، ألبتة، وضع الرق. نريد أن ننال قسطا مما ناله نافالني من عنايةٍ، حيث تحرّكت من أجله الدول العظمى بمؤسساتها المدنية، السياسية بل والعسكرية أيضا، في حين أن أمثال محمد مرسي قضوا في صمت وما زالوا، لأن ثمة مبدأ غربي هو ازدواجية المعايير يطبق.
هي دعوة هنا إلى إعمال معايير الحق والعدالة للحفاظ على كرامة البشر في أدنى صورها وفق الترتيب المعروف "عيش (حياة)، حرية (إمكانية العيش بدون خوف وأمن) وعدالة اجتماعية (الحصول على منظومة حقوق تكفل الكرامة)". هي دعوة إلى معايير اختيار المنتخبين، من الرئيس إلى أدنى منتخب محلي، في إطار من الصدق، المصداقية والشفافية. وفي إطار عدم الخوف من عواقب "تمرّد"، "جبهات الخلاص"، وغيرها من تيارات الإمارة و لو على الحجارة، ليس إلاّ لا أكثر ولا أقل. هي دعوة إلى الحياة، لنفالني ولنا نحن أيضا.