بيروت تستعيد نبضها: الجوع والقهر يوحّدان المحتجين

بيروت
جمانة فرحات
18 أكتوبر 2019
+ الخط -
"ليش ما بدنا نتظاهر، شو بعد كان بدنا ننطر تفرض الدولة ضريبة على الهوا اللي عم نتنفسوا. ما بقى فينا نتحمل"، بهذه العبارات التي طغى عليها الغضب تتحدث سهى لـ"العربي الجديد" من وسط العاصمة بيروت عن أسباب مشاركتها في الاحتجاجات الشعبية، التي بدأت مساء أمس الخميس، بعد أن دعي إليها بشكل عفوي احتجاجاً على إعلان وزير الاتصالات محمد شقير التوجه لفرض ضريبة على خدمات الاتصالات المجانية، قبل أن تتمدد من العاصمة بيروت لتشمل كل المناطق، من دون أن يؤدي التراجع عن القرار إلى وقفها، لا سيما أن الدولة تمهد لفرض ضرائب جديدة على عدد كبير من السلع بذريعة تأمين إيرادات جديدة للدولة.

صرخات الغضب والشعارات المنادية بالثورة وإسقاط النظام، ومحاكمة السياسيين واستعادة الأموال المنهوبة، والتي كانت تخرج من حناجر آلاف المحتجين المتجمعين في منطقة الوسط التجاري للعاصمة اللبنانية بيروت، اليوم الجمعة، والذين توزعوا ما بين ساحة رياض الصلح المقابلة للسراي الحكومي (مقر رئاسة الوزراء) وما بين ساحة الشهداء (رمز الاحتجاجات في عام 2005 عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري)، كانت تتردد أيضاً في باقي شوارع العاصمة والمناطق اللبنانية، التي وصلت إليها الاحتجاجات وعمليات قطع الطرقات. 

ويسود إجماع بين اللبنانيين على بلوغ أوضاعهم مستوى غير مسبوق من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وسط حالة إنكار تعيشها السلطات، وانعكست إرباكاً في التعاطي الرسمي مع اتساع الاحتجاجات.

علي، الشاب العشريني، وهو أحد الذين لم تفدهم سنوات الدراسة الطويلة في إيجاد عمل لائق بعد التخرج، يقول لـ"العربي الجديد"، إنه يشارك لأول مرة في تظاهرة تجري في لبنان، قبل أن يضيف "نحن نزلنا إلى الشارع ضد الكل، لا خدمات ولا كهرباء، الدول عادة تفرض ضرائب مقابل خدمات مفيدة، لكن نحن في لبنان ندفع من دون أن نحصل على أي مقابل. لا يوجد طبابة مجانية، لا يتوفر تعليم جامعي جيد، المدارس الرسمية في وضع مزرٍ، البلد ينهار، خرجنا ضد كل السياسيين، نفعل ما نستطيع لمحاولة فرض التغيير. البلد كله بحاجة للتغيير. يجب أن تسقط الحكومة لأنه لا خيار آخر".

وعلى عكس احتجاجات سابقة شهدتها العاصمة بيروت، فإن التظاهرات منذ مساء الخميس، والتي تتزايد أعداد المشاركين فيها مع كل ساعة، كان واضحاً أنها تضم الجميع من مختلف الأطياف الاجتماعية والعمرية، بمن في ذلك طلاب مدارس وجامعات، موظفون في القطاعين العام والخاص، عاطلون عن العمل، متقاعدون... لأن "الهمّ يجمع"، كما تقول مريم لـ"العربي الجديد"، بينما كانت تسير خلف عربة تبث الأغاني الوطنية والثورية، بما في ذلك كلمات أغنية الشيخ إمام "هما مين واحنا مين"، مرددة "هما الأمرا والسلاطين... واحنا الفقرا المحكومين". 

حماسة مريم، بسنواتها الخمسين، كانت لافتة وسط حشود المحتجين الذين توافد بعضهم منذ الصباح إلى منطقة الوسط التجاري، فيما وصل بعضهم الآخر الليل بالنهار منذ أمس رافضاً ترك الشارع قبل حدوث التغيير.

 تصف مريم شعورها قائلة: "أنا سعيدة بالمشهد. بيروت أمس واليوم مختلفة. منذ سنوات لم نجد أن الاستياء وصل إلى هذا الحد. المتواجدون هنا ناقمون على جميع السياسيين من مختلف الطوائف. وكلن يعني كلن، ما في استثناء لحدا. لأول مرة لا أسمع أحداً يدافع عن زعيمه السياسي أو الطائفي". 

وبرأيها، فإن الميزة الأبرز للتظاهرات الحالية تتمثل في مجاهرة العديد من المحتجين بانتماءاتهم الطائفية والحزبية قبل أن يصبوا غصبهم على زعمائهم، وهو مشهد لم تعتد عليه بيروت منذ سنوات. 

ولفادي رأي مماثل، إذ كان يمكن للمحتجين في ساحة الشهداء سماعه يصرخ "أنا ضد الكل. لم ينفعنا أحد منهم. نهبونا وأفقرونا". ويقول رداً على سؤال لـ"العربي الجديد" إنهم "لا يريدوننا أن نتظاهر. يطلبون منا في كل مرة أن نتحمل. كيف يمكن أن يحدث ذلك بعد اليوم". 

وبينما يشكو دفع الفواتير مضاعفة من مياه وكهرباء وباقي الخدمات الأساسية، يضيف "الطبقة الوسطى تنهار، وأصبحت أوضاعناً أكثر تعقيداً. أنا أعمل، وكذلك زوجتي، لكن بحلول النصف الأول من الشهر نكون أصبحنا مفلسين وتأتي الدولة لتفرض علينا ضرائب، بينما أصحاب الثروات لا يمس بهم ويحظون بالإعفاء تلو الإعفاء، وكلما غضب الشارع حاولوا إجهاض الحراك".

 

وبينما اختار جزء كبير من المتظاهرين التنقل بين نقاط تجمع المحتجين في شوارع وسط بيروت، التي استعادت هدوءها صباح اليوم بعد ليلة شهدت حرق إطارات وتحطيم لوحات لا يزال زجاجها متناثراً، افترش بعضهم الآخر الأرض رافعين لافتات تختصر مطالبهم تحت أنظار القوى الأمنية، التي توزعت في الشوارع، مكتفية بالمراقبة وتصوير الاحتجاجات على عكس يوم أمس الذي شهد مناوشات عدة بينها وبين المحتجين.

تقول كارين بينما كانت تجلس مع مجموعة من أصدقائها في ساحة الشهداء، لـ"العربي الجديد": "من الطبيعي أن أشارك في الاحتجاجات. أنا متخرجة منذ سنوات ولا أعمل في مجال تخصصي، لأنه ليس لدي واسطة، وأصلاً لم تعد هناك وظائف. الجميع يقلل من عدد العمال". 

وتضيف "راتبي هو الحد الأدنى للأجور (675 ألف ليرة أي ما يعادل 450 دولارا)، وغير مسجلة في الضمان الاجتماعي، لا يوجد ما يحميني. أصحاب المحال التجارية لا يدفعون الرواتب. يخبئون أموالهم، ونحن مهددون في كل لحظة بالطرد من العمل. لا يوجد أمان". وبالنسبة إليها "حان وقت محاسبة الجميع من دون استثناء لأن ثروات المسؤولين تتضاعف، ونحن نزداد فقراً وتهميشاً ولا أحد يسأل عنا".



المساهمون