بهاء إيعالي: كونشرتو للخروج عن المعنى

06 يوليو 2019
الصورة
(بهاء إيعالي)

لا يُخفي نصُّ "كونشرتو لشفاه ترفعها الريح" (دار نينوى للدراسات والنشر/ 2019) للشاعر اللبناني بهاء إيعالي (1995) شعريته العالية. غير أنّ صاحبه لا يُفصح في هذا النص الفائض الشعرية، أي الخارج على المعنى التقليدي، عن شيء محدّد، ولا يتظاهر حتى بأنه بصدد شيء من معنى، منذ أول سطر وحتى السطور الأربعة الأخيرة التي يقترب فيها من حافة معنى:

"الموت طويلٌ
فكيف لي أن أفكّر بالسير فيه
وأنا أغنّي؟
سأغنّي.. سأغنّي.."

هنا حديث بين أنا وأنا، وكسرٌ لأي توقُّع بأن ثمّة مخاطَباً ما يتّجه إليه الخطاب، وكذلك الحال مع بقية السطور على امتداد 52 صفحة؛ فلا أفق للتوقُّع يمكن القول إنه ماثل أمام القارئ مهما ظن أو تخيَّل أو حاول التخيُّل. فما أن يهمّ الشاعرُ في بعض سطوره بقول ما يخاطب توقّعاتنا متّجهاً نحو نقطة تبدو محدّدة حتى ينفلت ذاهباً في اتجاه آخر، أو يستدير ويعود ليبدأ مجدّداً كأنه لم يقل شيئاً بعد.

صحيح أن هناك لمحة تشير إلى أفق محدّدٍ ما في شخص مخاطبة تَرِدُ عبر سطورٍ تشبه الإهداء - إلى آلة موسيقية في الأوركسترا اسمها إيفا، وإلى جميع اللواتي يشبهنها، هذا ما أمكنني كتابته عن الحب- إلّا أن هذه اللمحة لن تتبلور إلى أبعد من هذا، ولن تتجسّد إيفا، ولا واحدة من شبيهاتها، في قوّة عاطفة مثلاً، أو مواقف، أو حكاية.

هذا توصيف أوّلي لما يمكن أن نسمّيه كتابةً خارجة على المعنى، وأعني به المعنى التقليدي الشائع في الموروث الشعري، وحتى أكثره حداثة... كتابةُ منفردٍ يضع على غلاف نصّه بعد اسمه كلمة "الذئب" بين قوسين. ويكاد هذا أن يكون المعنى الوحيد الحاضر وسط غياب أيّ علامة دالة على معنى مقصود بين سطوره. إنه المنفرد، أو هو، حسب تعبيره، في لقاء سابق معه "حامل صوته الخاص الذي عليه أن يقول أنا هنا".

ويتّضح من قراءة النص أنَّ المسألة تتجاوز القول أنا هنا، إلى التلذُّذ بكوني هنا، منفرداً في الخارج؛ خارج اللغة المعتادة، وخارج أي أفق متوقّع. لماذا؟ لأن هذا الجيل، كما يقول في اللقاء ذاته، "لم يأت لإيصال رسالة بفحوى محدّد".

بالطبع، ليس لنا أن نأخذ بهذا التوصيف الذي إن انطبق على بضعة أفراد لا ينطبق بالضرورة على جيل الشاعر كاملاً أو أي جيل بعينه، لأنه توصيف ذاتي كما هو ذاتي فعل الخروج والانفراد بعيداً عن كل سياج وظل، إلّا أن من المعقول الموافقة على أن لكل كاتب أن يختار "الطريق الذي يروق له" على حد تعبيره. ولكن لنا أن نتساءل بعد ذلك إلى أي أفق تقود سطور جميلة مثل هذه تبدأ هكذا:

"منازل كثيرة حول ذاكرتي
تأبى الدخول إليها والارتداد عنها"

أو:

"أشياءٌ
أشياء
ارتعاشٌ خفيفٌ يحمل موسيقى الريح
أوراقٌ
أوراق
صمتٌ أحاول أن ألبسه الحياة"

حين تتلو السطور الأولى مباشرة:

"رغم ذلك نحن قادران على أن نمرّ بهما من دون أن نسقط، فلن أحاول التفكير في البحث عن غياب خفيف يشبهني"

وتتلو السطور الثانية مباشرة أيضاً:

"كلُّ محاولاتي ليست سوى طلقات طازجة مزعجة كرنّة هاتف قديم، ربما أحدث نفسي ألا أرى أية شجرة إلا فوق جبينك.."

هذا الكسر الحاد لأي توقُّع ممكن ليس فتحاً لأفق بقدر ما هو إغلاق لممكنات صور شعرية بالغة الرهافة. ويتكرّر هذا في أكثر من مكان، بحيث يتولّى القارئ شعور بأن صاحب هذا الكونشرتو يتوفّر على طاقة شعرية يبدّدها تحت وطأة شعور بأن "الكاتب ليس ظلّاً لسابق له". وحين يصبح هذا الهاجس طاغياً سنجده يفقد ظلّه هو أيضاً من دون أن يشعر.

تكاد لفظة "كونشرتو" الواردة في عنوان النص تكون الوحيدة التي تُحدّد شيئاً من أفق توقّع، ومثلها كلمة "الذئب"، وما عدا ذلك شعرية عالية تبحث عن منافذ تتجسّد خلالها بأشكال ذات دلالة بدل أن تفقد الشكل وظلَّه.

دلالات

تعليق: