بلدة الخليل القديمة... حكايات صمود في الوطن رغم الإغراءات

الخليل
فاطمة مشعلة
27 مايو 2019
+ الخط -

ما زال الاحتلال الإسرائيلي يسعى بمختلف الطرق إلى سلب أراضي الفلسطينيين في البلدة القديمة من الخليل، فيعمد في حين إلى الترغيب وفي آخر إلى الترهيب، مستنداً إلى قواته ومستوطنيه.

قبل 13 عاماً ونيّف، أرسل الملياردير الأسترالي اليهودي جوزف غوتنغ موفداً إلى استراحة اليهود المسمّاة تيّمناً به والملاصقة لـ"حاجز عبد" الواقع قبالة متجر عبد الرؤوف المحتسب في البلدة القديمة من الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة. عرض الموفد على المحتسب 100 مليون دولار أميركي لقاء متجرَين يملكهما وكذلك منزله، لكنّه رفض "العرض المغري" مشدداً على أنّه "متمسك بوطني ولو قدّمت لي كلّ المغريات وأموال الدنيا".

يخبر المحتسب "العربي الجديد" أنّ موفد الملياردير الأسترالي قال له: "إذا كنت تخشى حركة حماس أو الجهاد الإسلامي فإنّنا ننقلك إلى مستوطنة كريات أربع التي تُعَدّ معقلاً لأشدّ المتطرّفين من مستوطني الضفة ثمّ إلى تل أبيب، بعدها إلى أستراليا أو الولايات المتحدة الأميركية. وقبل أن توقّع، تحصل على المال كاملاً". يضيف المحتسب: "سألته: أنت تدفع هذا المبلغ الكبير لتشتري أرض أبيك إبراهيم؟ أجاب: نعم. فقلت: والله لن أبيع إبراهيم الخليل بكلّ مال الأرض". يُذكر أنّ المحتسب وُلد في البلدة القديمة من الخليل في عام 1958، ونشأ فيها، وورث متجراً عن والده ووالده عن جده، وسكن بجواره. كذلك يملك متجراً آخر في المنطقة ذاتها ومنزلاً قديماً تسكن فيه ابنته اليوم.

لا أحد يدعم البلدة القديمة في الخليل (العربي الجديد)

قصدت "العربي الجديد" المحتسب في متجره، فأشار إلى غرفة صغيرة في آخره قائلاً: "وُلدت في هذه الغرفة". يضيف: "هذه بلاد مقدّسة وطاهرة. أن تبيع وتشتري هذا أمر يصحّ على الخضراوات، أمّا الوطن فلا يمكن بيعه. هو أغلى ممّا نتوقع. قد يغريك المال لمدّة قصيرة من الزمن، ثمّ تعود لمحاسبة نفسك، فأنت عصيت أوامر الله واعتديت على شعبك وكرامته". أرادت "العربي الجديد" التقاط صورة للمحتسب وخلفه عناصر من قوات الاحتلال، لكنّه تحفّظ على الأمر وطالبنا بالحذر خشية تحطيم الكاميرا أو إيذائنا، فالتُقطت له صورة بمفرده.

لم يكن عرض الملياردير الأسترالي هو الوحيد الذي قُدّم للمحتسب، ويلفت إلى أنّ "مستوطناً قصدني في متجري، في المرّة الأولى، قبل مجزرة الحرم الإبراهيمي في عام 1994، عارضاً عليّ ستّة ملايين دولار. فكان جوابي: روّح (اذهب). والله سيجارة أدخّنها هون (هنا) أحسن من كلّ مصرياتك (مالك)". ما حصل حينذاك أثار استغراب أحد أصدقائه الذي كان حاضراً. وفي اليوم التالي، قصده مستوطن آخر عارضاً عليه سبعة ملايين دولار، لكنّه رفض قائلاً له: "مع السلامة... إلّي عنّا مش للبيع". وبعد مدّة، حضر إليه مستوطن آخر يُدعى بوعوز وعرض عليه 30 مليون دولار، فرد عليه قائلاً: "أيّ حجر تريد؟". حينها علّق بوعوز: "أنت مجنون! أعطيتك 30 مليون دولار". فأصرّ على موقفه مضيفاً: "لو تدفع لي ملايين الأرض كلها، لن أقبل. إمشي (انصرف)". رفع المبلغ إلى أربعين مليوناً، فأعاد المحتسب ما قاله سابقاً: "إمشي! اعتبرني مجنوناً... إذا هذا جنون، أي نعم أنا هوايتي الجنون... أقلّك يا عمّي أنا قائد الجنون العالمي".




في البلدة القديمة من الخليل، يمكن وصف الحياة بأنّها "غير طبيعية". ثمّة صعوبة في كلّ شيء، حتى في تعبئة عبوات غاز الطهي وإدخالها عبر الحواجز العسكرية، فضلاً عن أذى أشعة الليزر على تلك الحواجز العسكرية. هذا ما يؤكد المحتسب "من خلال تجارب عدّة". ويخبر أنّه "قبل مدّة، تعطّلت ثلاجتي، فاشتريت أخرى جديدة. وعند حاجز 160 العسكري المخصص لإدخال حاجياتنا، بقيت أكثر من ساعتَين في نقاش مع قوات الاحتلال هناك من أجل الحصول على موافقة لإدخالها، غير أنّني لم أتمكّن من ذلك".

ثمّ يتحدّث المحتسب عن مأساة عاشتها عائلته، وهي قد تتكرر مع عائلات أخرى، عند وفاة مولود ابنته. يقول إنّها "تعرّضت في أثناء حمل لاستنشاق غاز تطلقه قوات الاحتلال في خلال المواجهات مع الشباب في المنطقة، فتضرّر قلب الطفل وفارق الحياة من دون أن يتمكّن أحد من إنقاذه".

عبد الرؤوف المحتسب: لن أبيع إبراهيم الخليل بمال الأرض (العربي الجديد)

يصرّ الاحتلال على ابتلاع البلدة القديمة من الخليل لقمة بعد لقمة، ويسعى كبار المستوطنين ممّن يملكون المال إلى إغراء التجّار هناك ظناً منهم أنّهم سوف يفلحون في محاولاتهم. هؤلاء التجّار هم الذين تقع محالهم في منطقة الحواجز في البلدة القديمة، في منطقة السهلة وشارع الشهداء المغلق منذ أكثر من 14 عاماً، والذين يتعرّضون لانتهاكات يومية من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين. وتكثر الروايات وحكايات الصمود في وجه الإغراءات ومحاولات شراء صمود الأهالي بالمال.

هنا، يتوجّب على المرء اجتياز البوابات العسكرية في طريقه إلى الحارة التحتا (السفلى) في البلدة القديمة من الخليل والتي تضمّ الحرم الإبراهيمي، تحت أنظار عناصر قوات الاحتلال المتربّصين بالداخل والخارج عند حاجز استراحة اليهود. لا يخفي أصحاب أحد المحال التجارية أنّهم بذلوا جهدهم لانتزاع المكان من المستوطنين الذي يسكنون في الناحية الثانية من المبنى، ويقول أحدهم: "غصباً عنهم أخدناه". ويرفض التجّار والأهالي في البلدة القديمة من الخليل كلّ الإغراءات أو العقوبات لمحاولة تهجيرهم منها، علماً أنّ حتّى مدارسهم لم تسلم من اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه وكذلك الأمر بالنسبة إلى أطفالهم. ويشير هؤلاء التجّار إلى صبيَين لم يتجاوزا الثانية عشرة من عمرَيهما، ليخبر أحدهم بأنّ "الاحتلال كان قد اعتقلهما حينما كانا في الثالثة والرابعة من عمرهما".



بعد البوابات المؤدية إلى حارة اليهود، محلّ يملكه ثلاثة إخوة هم خالد وناصر ونضال فاخوري، يُمنع على أيّ كان الدخول إلى محلّهم من دون تنسيق مع جنود الحاجز العسكري هناك. يخبر ناصر "العربي الجديد": "عُرض علينا ترك محلّنا في مقابل سبعة ملايين دولار"، مشدداً على أنّه يموت قبل أن يفعل ذلك. يضيف أنّ "هذا المحلّ كان لأبي قبل 65 عاماً، وهو يضمّ مصنعاً صغيراً ومحلّاً لبيع الخزف المصنوع يدوياً".

وما جرى مع الإخوة فاخوري تكرّر مع آخرين، فمحاولات دفع التجّار والأهالي إلى ترك بلدتهم القديمة، تارة بالترغيب وطوراً بالترهيب، كثيرة. ويشير ناصر إلى أنّه "عند أيّ نقرة (احتكاك صغير مع مستوطنين أو قوات الاحتلال) يُغلَق المحلّ، وكاد ذلك يحصل عندما جاء ابن عمي برفقة مجموعة سيّاح أجانب ومنعته مجنّدة إسرائيلية من الدخول. حينها، هدّدنا ضابط من قوات الاحتلال قائلاً: يُمنَع عليكم أنتم الإخوة الثلاثة دخول أيّ من المسلمين إلى محلّكم". يضيف ناصر أنّ "اعتراضهم على دخول الوفود الأجنبية يُقلّل البيع".

منير قفيشة: ما هي المشكلات التي لا نتعرّض لها؟! (العربي الجديد)

تجدر الإشارة إلى أنّ الإخوة فاخوري يواجهون صعوبة في نقل المواد الخام عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية، إذ إنّهم يضطرون إلى القيام بذلك بواسطة أدوات تقليدية قديمة لمسافات طويلة. هم ينقلون يومياً أعمدة كثيرة من الطين يزن الواحد منها 20 كيلوغراماً سيراً على الأقدام. ويقول نضال في سياق متصل: "لا نريد دعماً مالياً من المسؤولين الفلسطينيين، كلّ ما نريده هو أن يحضروا إلى هنا، فنحن لا نرى أحداً منهم". ويؤكد أنّ "لا أحد يدعم البلدة القديمة في الخليل، خصوصاً في السهلة".

منير قفيشة صاحب محلّ آخر في البلدة القديمة، يختصر جوابه ردّاً على سؤال حول طبيعة المشكلات التي يتعرّض لها، فيقول إنّ السؤال الواجب طرحه: "ما هي المشكلات التي لا نتعرّض لها". تسأل "العربي الجديد"، فيجيب: "لا شيء". وتجدر الإشارة إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي يستهدف البلدة القديمة من الخليل التي تمتد على مساحة تقدّر بنحو ثلاثة كيلومترات، بالاستيطان، فيما يعاني الأهالي يومياً من الحواجز ونقاط التفتيش والشوارع المغلقة فيها.




من جهته، يقول الناشط في "تجمّع المدافعين عن حقوق الإنسان" عارف جابر لـ"العربي الجديد" إنّ "الاعتداءات الشهرية التي تنفّذها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون تتراوح ما بين 100 اعتداء و120"، مضيفاً أنّ "تلك الاعتداءات التي تطاول مختلف الشرائح الفلسطينية تختلف ما بين اعتقال وإلقاء قنابل صوتية وأخرى من الغاز المسيّل للدموع وإطلاق الرصاص الذي تنتج عنه إصابات بين المواطنين أو استشهاد عدد منهم".

ذات صلة

الصورة
وقفة للمطالبة بالإفراج عن الأسير الفلسطيني محمد زغير (العربي الجديد)

مجتمع

جدد ذوو الأسرى الفلسطينيين مطالباتهم ومناشادتهم للمنظمات الدولية بالتدخل للإفراج عن أبنائهم، ولا سيما الأسرى المضربين عن الطعام والمرضى، خلال اعتصام للأهالي، ظهر الثلاثاء، أمام مقر منظمة الصليب الأحمر الدولي في مدينة البيرة.
الصورة
مزارعون في غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

ينشغل المزارع الفلسطيني أحمد أبو قايدة بالعمل في أرضه الواقعة قرب الشريط المحاذي للأراضي المحتلة في بلدة أم النصر شمالي قطاع غزة، منذ ساعات الصباح الباكرة يومياً من أجل إنجاز كل مهامه قبل حلول ساعات المساء وصعوبة الحركة في تلك المنطقة.
الصورة
سياسة/ماهر الأخرس/(تويتر)

مجتمع

نظم "حراك حيفا" و"حركة شباب حيفا" وقفة غاضبة، الاثنين، تضامناً مع الأسير ماهر الأخرس، المضرب عن الطعام لليوم الـ 92 على التوالي ضد اعتقاله الإداري، بحي الألمانيّة في حيفا.
الصورة
"تراثنا هويتنا".. فلسطين من خلال لوحات فلكلورية ومشغولات يدوية

منوعات وميديا

تجسدت، اليوم الإثنين، ملامح التراث الفلسطيني بأشكاله المتعددة على أرض مدينة غزة، عبر مهرجان "تراثنا هويتنا"، الذي عُرضت فيه المقتنيات التراثية والمشغولات اليدوية على وقع التواشيح والابتهالات الدينية وأنغام الفلكلور الفلسطيني المتنوعة.