بلدات ريف دمشق.. بين النار والنار

بلدات ريف دمشق.. بين النار والنار

29 اغسطس 2014
الصورة
أوضاع إنسانية قاهرة يعيشها أبناء الغوطتين (رامي السيد/Getty)
+ الخط -
لم يكن معاذ على علم بأنه يحفر قبره بيده، عندما أمسك المجرفة والمعول، وباشر العمل جاهداً لاستخراج التراب من الحفرة التي كان كلما يزداد عمقها، يضيق تنفسّه أكثر، حتى وصل إلى مرحلة عجز فيها عن التنفّس.. ومات.

في بلدة جسرين، بالغوطة الشرقية في ريف دمشق، يوم الأحد الماضي، أُغمي على أبي معاذ وأخيه، أثناء محاولتهما استخراج جثة معاذ العالقة في عمق بئر قيد الحفر.

كان أقصى ما يحلم به صاحب الجثة، الشاب معاذ درويش، قبل موته اختناقاً، أن يكمل الحفر بمعداته البسيطة حتى استخراج المياه، لأن الأحلام الكبيرة والمتلخّصة بوصول الماء والكهرباء إلى منزله بسلاسة، باتت شبه مستحيلة.

مليونان ومئتا ألف مدني تقريباً، كانوا يقطنون الغوطة الشرقية، بقي منهم حالياً نحو ثمانمئة ألف، يعجز معظمهم عن تأمين وسائل الحياة، في ظل الحصار الخانق الذي تفرضه قوات النظام على المنطقة، منذ ما يقارب العام ونصف.

الجنة والنار
تتحدث نوران النايب، من سكان مدينة دوما، لـ"العربي الجديد"، عن وضعها، وتقول "من سنة لليوم، ما نمت شبعانة، ربطة الخبز بـ900 ليرة سورية إذا توفرت، والعائلات المقتدرة عايشة على وجبة وحدة باليوم".

دوما كسائر مناطق الغوطة الشرقية، تتعرّض لقصف مدفعي وجوي وصاروخي متقطّع، غالباً ما يخلّف قتلى وجرحى، وهذا ما يزيد من عبء الحصار على الأهالي، فلا الأدوية متوفرة ولا الغذاء الداعم لها أيضاً.

تتابع نوران، وهي مستلقية تعاني من كسر في القدم، فشلت بعد محاولات كثيرة، بإحضار غذاء يساعد على ترميمه، وتقول "وضعي كتير منيح ومعي مصاري، بس ما عم أقدر جيب غراضي، وجسمي من سنة ونص ما في فيتامينات".

لم يعتقد سكان الغوطة، أنهم سيضطرون لأكل لحم الكلاب والقطط، كما حدث عندما اشتد الحصار العام الماضي، حين أفتى أئمة مساجد عدّة في دمشق وحمص بجواز أكلها، بينما تتوافر لأحياء مدينة دمشق الخاضعة لسيطرة النظام، والتي هي على مرمى حجر من غوطتيها، كافة الاحتياجات.

بدوره، يقول مدير المكتب الإعلامي في بلدة حمورية، محمد أبو كمال، لـ"العربي الجديد"، "توصد قوات النظام أبواب العاصمة، لتحافظ على صراط بين الجنة والنار".

لم يسلّم أهالي الغوطتين بالحصار، بل حاولوا إيجاد طرق ووسائل تساعدهم على تخفيف وطأته، فتجدهم يزرعون ما يتناسب مع طبيعة أراضيهم والظروف الجوية المحيطة، وهذا ما يبقي عدداً كبيراً منهم على قيد الحياة حتى اللحظة.

يقول محمد: "نأكل في الصيف مما نزرع، وفي الشتاء نصنع خبزاً من علف الحيوانات، والصويا والذرة".

ويعاني محمد من أعراض مرض الحمى التيفية، الذي انتشر بشكل واسع في الغوطة الشرقية، بعد فترة قصيرة من بدء الحصار، نتيجة ريّ المزروعات بمياه المجاري الصحية.

من جهتها، تتجول إيمان، لاجئة سورية في تركيا، في شوارع مدينة اسطنبول، وما إن وقع نظرها على "قدّاحة بضوء" كما تسمّيها، حتى استذكرت ليالي العتمة الطويلة التي قضتها في مدينتها "داريا"، في غوطة دمشق الغربية، التي لا يختلف حالها عن نظيرتها الشرقية.

تقول إيمان: "ضوء القدّاحة كان المؤنس الوحيد إلنا، لمّا ما كنا نشوف الكهربا ولا ساعة باليوم، بعدين حتى القدّاحة انفقدت".

لم يترك جميع أهالي داريا مدينتهم، منهم من فضّل البقاء كعناصر "الجيش الحر" وأهاليهم، والمدنيين الذين لا يملكون مالاً، وآخرين آثروا الموت في منازلهم على الخروج منها.

هؤلاء عمدوا نتيجة انعدام مادتي البنزين والمازوت، إلى تشغيل مولّدات الكهرباء بعد تزويدها بمواد قابلة للاشتعال مثل: الأسيتون والتنر والدهان، وفي حال عدم تواجدها، عمدوا إلى تقطير البلاستيك وغليه حتى يتحول إلى بنزين، وبذلك يتمكنون من شحن معدّات كهربائية صغيرة يتدبرون فيها أمورهم.

البيوت: متاريس
في مدينة الزبداني بالغوطة الغربية، اتخذ الحصار شكلاً آخر، إذ تمركزت أكثر من ثمانين نقطة عسكرية على الجبال المحيطة بالمدينة، لتقصفها بشكل متواصل، ما دفع بألفي مدني للعيش، جميعاً، في أقبية مظلمة.

تقول مريم، وهي ناشطة في تنسيقية الزبداني، إن "النظام السوري، الذي أخضع سورية لهاجس الحرب طوال الأربعين عام الماضية، لم يجهّز أبنيتها بملاجئ تحمي المدنيين من قصف اسرائيلي متوقّع، إلا بعض ملاجئ المدارس والمؤسسات الحكومية، التي تحولت لاحقاً إلى معتقلات لمدنيين لم يعثر عليهم القصف".

وتتابع "وضعنا متاريس على النوافذ لنخفف من تأثير القذائف، بيوتنا صارت تشبه الثكنات العسكرية، ونحنا مدنيين ضايعين وسط هذه الحرب، نهرب من غرفة لغرفة، والباقي على الله".

يستمر الوضع على ما هو في مدينة الزبداني منذ سنتين، يعيش الأهالي في أقبية تشبه المقابر، إلّا أنهم لا يزالون على قيد الحياة، وهذا هو الاختلاف الوحيد على ما يبدو بينهم وبين معاذ الذي قضى اختناقاً في البئر.

المساهمون