برنامج سرّي لتخفيض موظفي الحكومة المصرية: تحريات واتهامات جنائية

برنامج سرّي لتخفيض موظفي الحكومة المصرية: تحريات أمنية واتهامات جنائية

13 مارس 2018
الصورة
يهدف النظام لتخفيض مليوني موظف حكومي (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

تكثف الحكومة المصرية إجراءاتها لتنفيذ برنامج سري وضعه الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة لتقليص أعداد العاملين في الجهاز الإداري للدولة، والذي كان قد بدأ العام الماضي، لخفض أعداد الموظفين الحكوميين إلى نحو 4 ملايين بنهاية العام 2021، وذلك بإجراء تحريات أمنية غير اعتيادية على آلاف الموظفين المحبوسين احتياطياً، والذين سافروا في إعارات أو انتدابات، بعد أحداث صيف 2013 والإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، للعمل بدول عربية أو خليجية، بهدف إجبارهم على تقديم استقالاتهم وإخلاء عدد كبير من الدرجات المالية والوظيفية في مختلف الجهات الحكومية.

وقالت مصادر حكومية واسعة الاطلاع في مجلس الوزراء إن هذه الإجراءات الجديدة ستتم نظراً لانخفاض أعداد الموظفين الذين ستتمكن الحكومة من فصلهم من الوظيفة العامة، بدعوى تعاطيهم المخدرات والمسكرات، وهو الإجراء الذي كانت الحكومة قد بدأت تنفيذه العام الماضي، ونظراً لوجود مشاكل قانونية تتعلق بإمكانية عودة هؤلاء الموظفين لأعمالهم بواسطة رفع دعاوى قضائية، مستغلين ثغرة غياب النص التشريعي الذي يسمح للحكومة بوقف الموظف أو فصله في حالة تعاطيه المخدرات أو المسكرات طالما لم يؤثر هذا سلباً على أدائه الوظيفي.

وأضافت المصادر أن جهاز التنظيم والإدارة، الذي يرأسه القاضي السابق محمد جميل، جلب من النيابتين العامة والعسكرية قوائم كاملة بجميع الموظفين الحكوميين المحبوسين احتياطياً والمدانين في قضايا عنف أو تظاهر أو انضمام لجماعة الإخوان المسلمين وأي جماعات أخرى، وتم توزيعها بصورة مفهرسة ومقسمة جغرافياً على فروع النيابة الإدارية بالمحافظات المختلفة، لتفتح الأخيرة (وهي الهيئة القضائية المنوطة دستورياً بالتحقيق مع الموظفين) تحقيقات صورية في مدى انتظام عمل هؤلاء الموظفين المحبوسين، ومدى حاجة أعمالهم إليهم. ووفقاً لمصدر قضائي في النيابة الإدارية فإن رئيستها المعينة بالمخالفة للأقدمية المستشارة فريال قطب أصدرت تعميماً شفهياً، الشهر الماضي، بالإسراع في إجراءات إصدار قرارات بالفصل أو الإحالة للمحاكمة التأديبية الغيابية ضد جميع الموظفين المحبوسين والمدانين، بحجة أن ارتكابهم الجرائم، المزعومة في تقارير الاتهام أو الأحكام القضائية، تتنافى مع شروط استمرار أدائهم للخدمة المدنية، وذلك رغم أن القانون الحالي، الصادر في العام 2016، لا يرتب عقوبة الفصل على الموظف المتهم في جناية غير مرتبطة بأدائه لعمله، بل يرتب إجراءات تأديبية محددة على المتهمين في القضايا الجنائية المرتبطة بالوظيفة، كالاختلاس والرشوة والعدوان على المال العام.


أما بالنسبة للمعارين والمنتدبين لوظائف أخرى خارج مصر، خصوصاً في قطاعات التعليم والصحة والبترول والخبرات الرقابية والمحاسبية، فقد بدأت الأجهزة الأمنية في إجراء تحريات عن المسار الوظيفي لكل منهم قبل سفره والدواعي التي اضطرته لذلك، والتي ساهمت في تحديد الدولة التي يعمل بها حالياً، تمهيداً لتخييرهم بين الاستمرار في الخارج مع الاستقالة، أو العودة لمصر والاستغناء عن المزايا المالية التي يتقاضونها في الخارج، بحسب المصادر الحكومية المطلعة. وأوضحت المصادر أن التحريات بدأت من الأجهزة الرقابية، كالجهاز المركزي للمحاسبات وجهاز التنظيم والإدارة وهيئة المساحة، والتي تتوافر فيها عناصر خبرة نادرة بالنسبة لمعظم الدول العربية، إذ تبين أن عشرات الموظفين رفيعي المستوى من تلك الجهات سافروا على سبيل الإعارة، أو بعد حصولهم على إجازات مؤقتة للعمل بدول عربية لعدم استطاعتهم التكيف مع نظم العمل الجديدة بعد 2013 وتصنيفهم سياسياً، وبناء على ذلك تم إخطار بعض هؤلاء الموظفين بضرورة العودة أو الاستقالة.

وفي السياق نفسه، قال مصدر في مديرية الصحة بمحافظة الإسماعيلية إن الوزارة أشعرت، بناء على تعليمات وصفتها بـ"السيادية"، بضرورة إبلاغ الأطباء المسافرين للعمل الحر خارج مصر بإلغاء إجازاتهم التي حصلوا عليها من دون مرتب واستدعائهم للعمل، وتخييرهم بين الاستمرار في الخارج والاستقالة، أو العودة لمصر حال رغبتهم في الاستمرار كموظفين عموميين، وذلك بهدف دفع مئات الأطباء لتقديم استقالاتهم وبالتالي تقليص عدد الموظفين بقطاع الصحة. ووفقاً لاستراتيجية التنمية المستدامة 2030، التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي العام الماضي، تعول الحكومة على اتباع آلية التقاعد المبكر المذكورة في قانون الخدمة المدنية الجديد، مع حظر التعيينات الجديدة نهائياً، إلاّ في صورة عقود استشارية مؤقتة، أو في الجهات ذات الطابع الاستثنائي التابعة لرئاسة الجمهورية، للتخلص على الأقل من 50 في المائة من الرقم المراد تخفيضه، وهو مليونا موظف، حتى يصل الجهاز الحكومي لنحو 3 ملايين و900 ألف موظف فقط بعد عامين، علماً بأن العدد الحالي هو 5 ملايين و800 ألف موظف تقريباً، منهم 5 ملايين في الجهاز الإداري الأساسي، و800 ألف يتبعون قطاع الأعمال العام المكون من الشركات القابضة والتابعة التي تديرها الحكومة وتساهم فيها مع مستثمرين آخرين.

المساهمون