بدو لبنان في "سوالف البادية"

12 ابريل 2015
الصورة
(مؤسسة هينرش بل، مكتب الشرق الأوسط)
+ الخط -
هؤلاء البدو، أسذج هم، أم حكماء؟ يمثلون إشكالاً في وجه الحداثة أم بنية مستقلة بذاتها؟ جهلة الصحارى أم خبراؤها؟ أم هم كما يراهم فريدريك إنجلز، صائغ المانيفستو الشيوعي، في كتابه "أصل العائلة"، مثيرون للاستغراب: "أي تنظيم عجيب هذا النظام العشائري بكل سذاجته وبساطته، فبدون جند ودرك وشرطة، وبدون نبلاء وحكام ومدراء وقضاة، بدون سجون، بدون محاكمات، يسير كل شيء حسب النظام المقرر، وجميع المنازعات والمخاصمات يحلها أولئك الذين تمسهم - تحلها القبيلة أو العشيرة، أو بعض العشائر فيما بينهم".

ثم ما السر الذي يستحوذ على أحفادهم عند ذكر سيرة الصحراء، ويدفع عبد الله العروي، في كتابه "الأيدولوجيا العربية المعاصرة"، ليتساءل عن السبب "الذي يجعل ملايين العرب يهتزون انفعالاً وتأثراً لمرأى جواد يجتاز بانطلاقة عاصفة مدى من الغبار والصخور المحترقة، في حين أنهم يظلون جامدين أمام آلات ميكانيكية هي مع ذلك، مألوفة إليهم أكثر".

ثمة نظرة دونية تجاههم سماها تركي علي الربيعو، في بحثه "نحو تأسيس إناسة لدراسة المجتمع البدوي: قبيلة طيء نموذجاً" بـ "النظرة السلفية"، تفرض آراء مسبقة تمثل عائقاً في دراسة المجتمع البدوي. بدءاً من السلف الخلدوني، الذي يرى البداوة مستودع التاريخ، والتاريخ العربي برمته قائم على مجاميع من الأعراب، الذين ما إن يبنون أمصاراً حضرية، حتى تزول بسبب نوازعهم التدميرية. والسلف الماركسي الذي ينسجم بدوره مع السلف الخلدوني ويبرر قيام الدولة على أنقاض المجتمع القبلي، لا يختلف عن السلف الاستشراقي الذي حاول فهم الإسلام بإرجاعه إلى الخيمة والقبيلة.

بيد أن جانباً من هذا السر والغموض، الذي تنطوي عليه البادية وبدوها، تكشفه الباحثة حمرة أبو عيد البدوية الأصل، في كتابها "سوالف البادية" عن قصص وحكايا بدو لبنان، مراجعة وترجمة رامي زريق. في الكتاب تجلٍّ إضافي لحالات التجاذب بين الماضي والحاضر التي يعيشها البدو اليوم، وتوترها بين حالتين من أنماط الهوية، إحداهما نموذجية متعالية بل ومقدسة للماضي العريق الغني بالعروبة، والأخرى طارئة حادثة على معيشة اليوم، تنتسب إلى قيم مستوردة لكنها صارت تقع في صميم ممارساتهم اليومية. تنتقل بنا حمرة من سالفة إلى أخرى تأسر انتباهنا بما فيها من حكم غامضة محبوكة بلغة رمزية ومكثفة عن التعامل مع الدخيل وحمايته، عن الشجاعة والكرم، عن احترام الضيف والنساء.

تتحدث "السوالف" عن مكانة وموقع وفاعلية المرأة البدوية. عن استقبالها الضيف في غياب زوجها، بكونها ربة البيت. عن حقها في أن تختار بنفسها اسم وليدها، وتسميه بحسب الظروف التي ولد فيها، فهو مطر إذا كانت السماء ممطرة، وعيد إذا صادفت ولادته في يوم العيد. عن اختلاطها بالرجل، وعدم تحفظها أو انعزالها. عن معرفتها رجال قبيلتها بكونهم ينتقلون معاً وينزلون معاً. عن الكثير من علاقات الحب والغرام بين شباب وبنات القبيلة، لأن الحب عند البدو ليس محرماً أو عيباً بل هو محل تبجيل، كما تبوح لنا حمرة في سوالفها.

تتوقف أبو عيد أيضاً في سوالفها عند تقليد حماية الدخيل، وهو الذي يتغنى به البدو طويلاً ومديداً. فحتى لو قتل غريب ما أحد أفراد القبيلة، و"دخل" على أحد من أهل القبيلة ذاتها (بالنداء الالتجائي الضارب في الصحراء: "دخيل عليك") لصار لزاماً على هذا الأخير أن يحميه ولو كلفه ذلك حياته.

ذلك كله لا يغني عن اقتباس بعض السوالف الجميلة التي سردتها حمرة، والضاربة في عادات وثقافة البدو، مثل "سالفة العنود" التي نرى فيها فطنة المرأة الوحيدة تتغلب على طمع سيد القوم. فهنا تسرد حمرة عن الأمير ابن مشعان، أحد أمراء بلاد الشام الذي كان يعيش محبوباً بين عشيرته، إلى أن خاصمه أبناء عمومته على منصب المشيخة، فقرر أن يترك ربوعه ويرحل عن عشيرته إلى ديرة صديقه، الشيخ بن الوليد، في الأردن. ثم شد الرحال وهو وزوجته وأبناؤه إلى هناك. وما إن بلغ ديرة صديقه، حتى بنى البيت مع زوجته ثم ودّعها هي وأولادها الثلاثة وعاد "يم الحلال" أي باتجاه حلاله ليجمعه ويعود. لاحقاً، لاحظ الشيخ وجود بيت غريب عن الديرة، فسأل العبد، فأخبره بأنه نزيل جديد، فطلب الوليد أن يذبحوا ويعزموا النزيل في الحال، وعندما ذهب العبد ليدعو النزيل الى الطعام، عاد ليخبر الشيخ بأن البيت لا يوجد فيه إلا "حرمة"، فطلب الأمير أن يرسلوا "الزاد"، أي الطعام، إليها. وفي اليوم الثاني، ذهب ليسلم عليها، فقامت العنود وحيته وباشرت بتحضير قهوة جديدة له. شرب الأمير وانصرف وجمال مضيفته وسحرها لا يفارقان مخيلته، وما إن حل الليل حتى عاد الأمير إلى بيتها، فقامت وهي نائمة في محرمها، لتسقيه القهوة، فأجابها:" بل أريد أن أبقى معك". واقترب منها أكثر، ففهمت ما يجول في خاطره، وقالت له:"أريد أن أحزّرك حزورة، إن حليتها والله أترك عيالي وآجي معاك"، "الملح لو دوّد شنه ذواه؟" (أي لو تعفن الملح ما هو حله؟). وطلبت منه أن يذهب ويعود إليها عند حلها. عاد الأمير إلى قبيلته، ولكن لم يستطع أحد حل الحزورة. وبعد أيام التقى الأمير برجل يركب مطيته وسأله عن الحزورة، فسأله الرجل مَنْ حزّرك أيها الأمير، امرأة أم رجل؟ فقال الأمير "امرأة"، فأجابه: "العذر منك يا أمير. أنت تطلب الفاينة من الحرمة - أي الرذيلة". عندها أسرع الأمير إلى العنود يطلب منها أن تتستر على ما أبداه لها.

لم تتغافل الكاتبة عن ذكر منظومة القضاء لدى البدو، فهم لا يتبعون شريعة مكتوبة خاصة بهم، كما أنهم لا يعترفون بالشرائع المكتوبة - الديني منها والمدني- إلا إذا كانت تتناسب مع شريعتهم غير المكتوبة التي ينصاعون لها وحدها وهي شريعة العرف. فالبدوي يحترم هذه الشريعة جل احترام ويتقيد بما تفرضه عليه، ومن هنا، فهو لا يحيد عن العرف، وإذا ما حاد يرده القضاء النزيه إلى السبيل القويم، والقضاء عند البدو هم قوم نزهاء في الغالب، قلما يخطئون، والشرع موجود عندهم بالفطرة وليس بالتعلم.

وفي قلب الأعراف والتشريعات، تأتي الفراسة الممزوجة بتقدير مروءة الضحية، والكاشفة عن مكر اللص. وتتجلي في "سالفة العارفة والعارية"، والعارفة هو (القاضي) الذي يحكم بين الناس. تقول القصة، كان لأحد العوارف (القضاة) ابن يطلب منه دائما "أن يترك الشرع حتى لا يظلم أحداً"، إلى حد أنه هدد والده بترك القبيلة إن لم يستجب لطلبه. وما كان من والده إلا أن قال له: "لك ذلك، ولكن يأتي يوم وتعرف أن والدك لا يظلم أحداً"، وبعدها ذهب الولد وأخذ يعمل قهوجياً عند أمير في ديرة أخرى. كان لهذا الأمير زوجتان، أنجبت الأولى ولداً بينما لم ترزق الثانية بأولاد. وفي يوم ما جاءت الأخيرة إلى مهد الطفل وخنقته بالوسادة بينما القهوجي يراقبها، ولكنه لم ينبس ببنت شفة، وعندما عرف الزوج بموت ولده وتبادل الاتهامات بين الزوجتين عن الحادث، قرر اللجوء إلى العارفة لفصل الأمر، وإذا بالعارفة هذه المرة والد القهوجي، فيقرر أن لا يكشف الأمر حتى يتأكد من قدرة والده على كشف الحقيقة. طرحت القضية أمام العارفة، فنادى الأخير أم الطفل وسألها: "هل تتهمين ضُرّتكِ بقتل ابنك؟"، فأجابته "نعم"، فقال"زين أنت صادقة، ولكن حتى تثبتين ذلك أريدك أن ترمي هدومك وتنحري الربعة" أي أن تخلعي ثيابك وتدخلي مجلس الضيوف من الأمام. لكنها رفضت قائلة: "طفلي مات يعوّضني رب العالمين، الطفل يمون والعرض يبوح؟! لا والله أنا ما أساوي هذه السالفة"، فأذن لها بالعودة. وجاء بالزوجة الثانية وطلب منها الطلب نفسه، فاستجابت فورا قائلة:" أبشر، بالحال أنفذ ما طلبت مني". عندها عرف العارفة أنها هي المذنبة، فأن تخلع المرأة ثيابها وتمشي عارية هو أمر مستحيل عند البدو، إلا أن الزوجة الثانية كانت المذنبة والمذنب يفعل كل شيء كي ينقذ نفسه.

تدفعنا سوالف حمرة أبوعيد بعيداً عن المفاهيم الجاهزة ومسبقة الصنع، التي تحيط بدراسات البداوة للوصول إلى فهم حقيقي لهذا المجتمع، وتنتزع منا التقدير على ما جمعت ونشرت.

المساهمون